ربّما كان الادب المسرحي اصعب الاجناس الادبية وامتعها واقدرها على المشاركة الميدانية في النقد والتربية والتوجيه. ولم تنجم صعوبته عن التزامه القيود التي يتطلبها فنّا الاخراج والتمثيل وحسب، بل نجمت عنها وعن عوامل وظروف احاطت بنشأته وتطوره: اولها ان ادبنا المسرحي ـ برغم مائة العام التي مرّت بعد مولده ـ لم يزل في صباه، ولمّا يبلغ من الشباب والنضج، سواء منه المنظوم والمنثور، وان كثيراً مما كتب للمسرح لم يُتح له ان يُمثّل، بل بقيت نصوصه سجينة المكاتب والمطابع، بعيدة عن اعين المشاهدين، وعن ألسن الناقدين. والحؤول بينها وبين التمثيل يحرم الكتاب النقد الذي يعرّف ويفسّر ويوجّه، فلا يتعرفون مواضع القوة والضعف، ولا يلبون دواعي الاخراج والتمثيل، وانما تبقى تجاربهم بعيدة عن المسرح الذي هو قاعة الامتحان، وعن المخرجين والممثلين الذين هم اهم القضاة والمحامين في محكمة التمييز الفني. وثانيها ان التطور الذي انجزه الغرب في ميدان المسرح تأليفاً واخراجاً وتمثيلاً انتقلت اصداؤه الى الوطن العربي، فحاول الكتاب العرب ان يختصروا الزمن، وان يطووا المراحل التي جازها المسرح الغربي على نحو منطقي وبسرعة معتدلة تراعي تمثل القديم والاستعداد لتقبل الجديد. وهذه المحاولة حملت الكتاب الشباب على ان يجوزوا في سنين ما جازه الغرب في قرون، فعمدوا الى طي المسافات، واجتياح المراحل، والوثب فوق حواجز الزمن، فوفقوا حيناً، وعثروا في اكثر الاحيان، واتسموا بالارتجال. وثالثها اصرار بعض الكتاب والفرق على الحوار بالعامية، ان إيثارهم العامية على الفصحى عرقل المسرح الفصيح الجادّ، والجأ بعض الكتاب الى مسايرة الاسواق والاذواق، فمالوا عن الرفيع الى الوضيع وعن الكاسد الى الرائج. وبقي اكثر السوريين ـ ومنهم الاستاذ هيثم يحيى الخواجة ـ يؤثرون الفصحى على العامية، ولو بارت مسرحياتهم وعنست، لايمانهم بأن الفصحى ارفع وانفع، وارقى وابقى. ومن مسرحيات الخواجة مسرحية من فصلين وثلاثة عشر مشهداً قصيراً، نشرها في دولة الامارات العربية المتحدة سنة 1996م، عنوانها (الصوت المسافر)، وهي مسرحية اجتماعية تصور بعض الجوانب السلبية من حياتنا تصويراً ناقداً، وتلون ما تصور بلون من الوان الفساد المتفشية في ميدان القضاء، لكنها تحتال على هذا اللون، اذ تختار رجال المحكمة من كوكب اخر، اتوا ليصلحوا الارض، فكادت تفسدهم، وهبطوا ليخرجوها من مستنقعها العفن، فأوشكوا ان يغرقوا فيه، ولهذا جمعوا اوراقهم، وامتطوا مركبتهم الفضائية، وعادوا الى حيث كانوا قبل ان يتلوثوا، ويحملوا آفات الارض الى آفاق السماء. خلاصة المسرحية ان تاجراً ماكراً اسمه (نديم) كان يحب المال حبّاً جمّا نابعاً من فقر وذلّ تمرّغ بوحلهما وهو صغير، فزرعا في قلبه الحسد والاصرار على الاثراء، فتاجر بكل شيء محلل ومحرم، وراح يسرق اثار الوطن ويبيعها، ويكلف اجيره (عطوان) ان يزوّر قطع الفخار الحديثة، حتى تبدو كأنها من اعرق الآثار. ولم يردّ نديماً عن التزوير ما ابتلاه الله به من تطويل اذنيه بلا مرض يعرفه الطب او يستطيع معالجته. وجراءته في ميدان التجارة جرأته على الاعراض، فلم تشبع جشعه الجنسي حليلته، ولهذا نقل نزواته من الحليلة الى الخليلة، اي: من الزوج الى الخادم، فنزا على خادمته (وضاح)، واحبلها بعد ان خدعها بصك زواج مزور، فلجأت شاكية باكية الى صديقه صالح، وهو موظف عقيم يتوق اعظم التوق الى الولد. فلما رأت زوجته (هالة) تضرع وضاح ولياذها بها وبزوجها هالها حالها، فنصحت لزوجها بأن يتخذاها وينزلاها في دارهما حتى تضع حملها، فوافق صالح على مضض. غير ان خلافاً ينشب بين الزوجين، فيتفرق شملهما. حينئذ يؤامر صالح الخادمة الحبلى بالزواج الشرعي، فتجيب بالايجاب على ان يسترضي زوجته الغضوب، ويعيدها الى بيته. وبذلك يلتئم شمل الاسرة، ويتحقق حلم صالح القديم بتبنيه نطفة نديم. وقبل ان امضي في عرض البقية الباقية من الاحداث اعتذر للمؤلف لتفلّتي من السلك الذي ينتظم احداث المسرحية، ولتلخيصي هذه الاحداث بالسرد المنطقي الذي يراعي تسلسلها الزمني لاعرضها الفني، ولهذا فاتني ان اشير الى محاكمة صالح التي بدأتها المحكمة الفضائية ثم ارجأتها. وشرعت بمحاكمة نديم. قلت: ان المؤلف في بداية المسرحية استنزل من كوكب اخر غير الارض محكمة، خوّلها ان تحاكم اهل الارض، لعلها تطهرهم من آثامهم. ولما كان نديم واحداً من المنحرفين المفسدين في الارض فقد استدعته المحكمة وقبل ان تصدر حكمها عليه انهالت عليها بالهاتف شفاعات الشافعين حتى اضطرت الى تبرئته وتبرئة صالح. ثم صعدت المركبة الفضائية، وعادت الى كوكبها خوفاً من ان تنتقل اليها عدوى الفساد المتفشي في كوكب الارض. فكرة المسرحية نقد الواقع الاجتماعي الاداري الفاسد، في اطار من مشكلات صغيرة كالتفاوت الطبقي، واستغلال الخدم، وهم العقم. واهم ما يهمنا في هذا الخليط فساد الادارة الذي يعد البيئة الملائمة لاستشراء الجشع والنفعية واستباحة كل المحرمات، واللجوء الى اقذر الوسائل لبلوغ اقذر الغايات. اما تعميم هذه المشكلات على كوكب الارض لا تخصيصها بالعالم العربي، او بقطر واحد منه فيدل على ذكاء الكاتب، وتملصه من التبعة التي تجرها عليه مقاربة هذه البؤرة المتوترة، وما تفضي اليه هذه المقاربة من مراقبة ومحاسبة في هذه البقعة او تلك. أهم شخصيات المسرحية واقواها نديم الذي يمثل التاجر البارع العارف من اين تؤكل الكتف وكيف تؤكل. ولهذا فإن جشعه المفترس لا يكبحه قانون، ولا يردعه خُلُق، بل يتمادى فيما مَرَد عليه من ابتزاز وانتهاز، ورتع وبلع، محتمياً بظلال من كلفوا بمراقبته ومحاسبته، ونديم يعد شخصية ناضجة مكتملة بالمقاييس الفنية، منتزعة من الواقع الذي تلقاه في بعض الاقطار. واختيارها دليل على استجابة المؤلف للمشكلات التي تلح على الكتاب، وتطالبهم بمعالجتها وحلها. غير ان قصّ الخيوط التي تربط هذه الشخصية ببيئتها افقدها قوة التأثير، واكسبها سعة النطاق، فجاء اتساع النطاق تعويضاً عن حدة الاحراق. وادى فصمها عن واقعها الى فتور وقعها وايقاعها، لكنه، برغم ذلك، وهبها القدرة على السمو الى افق انساني اوسع وارفع، وان لم يكن الذع وامتع. اما الحوار فحسبه شرفاً انه اعتصم بحرم الفصحى من اوضار العامية، وظل محتفظاً بسلامته ووضوحه من بداية المسرحية الى نهايتها، وانه بقي طيعاً رشيقاً، لا يعروه اغراب، ولا ينحط به اسفاف، غير ان الكاتب كان ينساق من حيث لا يشعر مع الشائع الملحون، فيلتوي اسلوبه بعض الالتواء، او تعلق بفصاحته هنات يسيرات، لا تهجنه، ومن هذه الهنات جر ما لا يُجر كقوله: تزوجت من امرأة، والافصح تزوجت امرأة، واسقاط الغاء الرابطة في نحو: اذا لم تتكلم سأعرف والأفصح فسأعرف، واقحام بعض العبارات العامية التي لا تحملها الفصحى ما تحملها العامية من دلالات، كقوله: تكلم، والا خلصت عليك. وبرغم هذه الشيات يبقى وجه الاسلوب وضاحاً نقي الديباجة. وقبل التعليق على المسرحية اقول: كل مسرحية يجب ان تخرج من بين يدي الكاتب مولودة حية متلاحمة الاجزاء متكاملة الاعضاء، لا يقحم فيها مؤلفها حادثة لا تنسرب في تيار الحبكة، ولا يسلك في حوارها الموجز المترابط عبارة لا تربط ما يسبقها بما يلحقها، لئلا يفضي الحوار الى املال ينجم عن التطويل والاستطراد، او الى اخلال سببه التقطع والقفز. وما اعلق به على المسرحية ينبغي ان يحمل على محمل الاستعلام لا التعالم، والاستفهام، الباحث عن الفهم لا الاتهام المقرون بالريبة: ـ قد يكون تقسيم المسرحية الى ثلاثة عشر مشهداً مربكاً للمخرج، اذ يضطره الى تغيير الاثاث والمناظر مرات عديدة. والرد على هذا الاعتراض هو ان الاخراج الحديث اصبح مجهزاً بآلية تذلل هذه المصاعب. ـ البدء من منتصف الاحداث للعودة الى البداية على سبيل التذكر قد يبث في الرواية نوعاً من الحيوية والتشويق، اما المسرحية فانها توتّراً مع تعقيد الحبكة، والسير بها نحو الحل الاخير. ـ يسمح المؤلف لاعضاء المحكمة بأن يرقصوا في بداية المسرحية على انغام الموسيقى الارضية، وهذا الرقص لا يناسب الوقار الذي تعرف به المحاكم عامة، ويجب ان تعرف به هذه المحكمة خاصة، لانها جاءت لتحاسب اهل الارض، لا لتشاركهم عبثهم، وهو وحده يدل على تلوث المحكمة، ولا يتلاءم مع هربها من الارض لتنجو من التلوث والعدوى. ـ في بداية الفصل الثاني تحكم المحكمة على صالح حكماً قطعياً قبل ان تتم استجوابه، وقبل ان يخلو اعضاؤها للتشاور، فيقول المساعد للقاضي: تريد المحكمة ان تناقش الحكم مع سيدي القاضي، وبعد التشاور واعتراض المتهم، يلغى الحكم، ويؤجل اصداره حتى نهاية المسرحية. اليس في اطلاق الحكم قبل الاحاطة بالقضية ارتجال لا يليق بمحكمة وقور، تدعي انها جاءت لتصلح الفساد الارضي؟ ـ لم يدرك القارئ او المشاهد السر الكامن في طول اذني نديم، او لمجرد تشويهه عقاباً له على تشويه الفخار وتزويره ام لدلالة اخرى، فإن كان عقاباً له فلماذا يصيب التشويه اذنيه لا يديه اللتين تسرقان، وفكيه اللذين يبلعان؟ وان كان رمزاً لغبائه، فنديم لص واسع الحيلة، اي لم يكن غبياً بالمقياس النفعي الانتهازي. ـ تنتهي المسرحية نهاية سلبية، لان هرب المحكمة من الارض بغية النجاة من التلوث لا يعني عجزها فقط، بل يعني استحالة الاصلاح، فإن كان المؤلف يريد ان يزرع في نفوس المشاهدين اليأس فقد اصاب، وان تكن الاخرى فعليه بخاتمة اخرى تدلّ على نجاحه في قمع الفساد، واجتثاثه من جذوره. وبعد.. فإن هذه التعليقات اليسيرة لا تمس جوهر المسرحية، ولا تنال من جودتها. لكنني اشرت الى ما توهمت ان اصلاحه يزيد المسرحية جودة. فان كنت قد اخطأت فضرب الذهب على المحك لا يزيده الا توهجاً، وتحريك الجمر بالسفود لا يفيده الا تأرجاً.