تحتشد الكواكب في عائلات حميمة حول ضوء ودفء أمهاتها من النجوم. وعلى الأقل، فإن ذلك صحيح بالنسبة لجميع الكواكب التي نعرف عنها ـ الكواكب التسعة الموجودة في نظامنا الشمسي والثمانين كوكبا أو ما يقارب ذلك التي شاهدناها تدور في فلك نجوم مجاورة. ولكن الحياة العائلية في الواقع، قد تكون الاستثناء وليس القاعدة. فمعظم الكواكب قد تكون يتيمة تهيم في البرد والظلام بين النجوم. صحيح انه لم تشاهد هذه الكواكب المتوحدة حتى الآن بشكل حازم، ولكن دلائل عديدة من نظريات وعمليات محاكاة وأخيرا ملاحظات لمجموعة نجمية بعيدة خلال الأعوام الثلاثة الماضية يبدو ان جميعها تشير الى وجود هذه الكواكب المتوحدة. الدليل الأكثر اثارة للدهشة ظهر في يونيو الماضي في ورقة بحث أعدها كايلاش ساهو من معهد علوم تلسكوب الفضاء في بالتيمور. وكان ساهو وفريقه قد سلطوا تلسكوبهم على الانتفاخ المجري، وهو المنطقة الوسطى من مجرتنا. ولم يكن ذلك انطلاقا من اهتمامهم بالانتفاخ نفسه، فعنصر الجذب الحقيقي كان تجمعا من النجوم يدعى «ام 22»، الذي يقع بين الانتفاخ والأرض. كان علماء الفلك يبحثون عن أي دليل على وجود مادة مخفية في التجمع تظهر نفسها من خلال «التصوير المتعلق بالجاذبية»، الذي يتم فيه تضخيم الضوء المنبعث من نجم أبعد بشكل مؤقت بفعل الجاذبية الخاصة بشيء عارض. وكانت عملية البحث المشابهة تنتهي دائما بنتيجة متشائمة عبارة عن نجوم منخفضة الكتلة لا تتجاوز بضعة أعشار من كتلة الشمس. وكانت المفاجأة الكبيرة هي انه في حين انهم اكتشفوا حالة تصوير واحدة تتعلق بالجاذبية من قبل أحد النجوم، فقد كانت هناك ست حالات أخرى من أشياء أكثر سطوعا. وفي الحالات الست جميعها لم يكن هناك تأثير تصوير بالجاذبية من رفيق أثقل، ولهذا فان هذه الأشياء المضيئة لابد وأن تكون صادرة من أي نجم. فماذا عساها أن تكون غير كواكب هائمة في الفضاء؟ قد يكون العدد ستة ليس بالعدد الكبير، ولكنه يلمح إلى عدد هائل من الكواكب بالاجمال. ولان الكوكب لديه مجال جاذبية أضعف بكثير من النجم، فان عليه أن يظل قريبا من مرمى بصرنا لكي يحدث تأثيرا تصويريا ملموسا. وحيث ان الكواكب أنتجت ستة أضعاف الأحداث التي أنتجتها النجوم فلا بد أن عددها يفوق عدد النجوم بست مرات. واذا كانت كتلتها تقترب من كتلة المشتري، فان ذلك يعني وجود 60 كوكبا هائما للنجم الواحد. أما اذا كانت كتلتها أشبه بكتلة الأرض، فان الحديث عنها يدور حول 600 كوكب هائم للنجم الواحد. ولكن السؤال الذي يبرز هنا هو: من أين جاءت هذه الكواكب المتوحدة؟ إن الصورة التقليدية تقول ان الكواكب تولد في السحب الكثيفة من الغاز والغبار التي تحيط بالنجوم الشابة. واذا كانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي تولد بها الكواكب، فان الكواكب الهائمة في التجمع ام 22 لابد وأن تكون قد طردت من حضانتها. المتهم الرئيسي في القيام بهذه العملية هو نجوم أخرى. فالجاذبية الخاصة بنجم متطفل قد تطرد بعض الكواكب الى الفضاء اذا ما اقتربت منها بشكل كاف. وتظهر الحسابات ان المسافة الحرجة تبلغ خمسة أضعاف المسافة التي يبعدها أبعد الكواكب ـ ولهذا، فان أي نجم يدخل في نطاق خمسة أضعاف المسافة الى بلوتو، أو حوالي 30 مليار كيلومتر، يمكنه أن يطرد كواكب من نظامنا الشمسي. وحتى هذا النهج البعيد سيكون نادرا جدا في محيط الشمس، ولكن في تجمع ضخم مثل ام 22، فان تصادمات نجمية قريبة تحدث مرارا لان النجوم مكتظة للغاية. واذا مر كوكب عبر سحابة من المذنبات الساكنة المحيطة بنظامنا الشمسي، فان جاذبيته قد تدفع بعضها الى السقوط على الكوكب. ويلقي بعض العلماء اللوم على المذنبات في حدوث حالات انقراض جماعية لبعض الاشكال الحياتية على الارض. وربما ندين ببعض من هذه الحلقات الى مشاكسة هذه الكواكب اليتيمة. إن أعداد الكواكب المحيطة بالنجوم كبيرة للغاية، كما يتبين من التجارب التي أجراها العلماء وحوادث التصوير بالجاذبية مما يوحي بأن هناك العشرات بل المئات من الكواكب الهائمة لكل نجم. فهل يكون نظامنا الشمسي غير عادي في احتوائه على تسعة كواكب فقط، بينما المألوف في اعداد الكواكب التابعة للنجوم هو 100 أو 1000 كوكب؟ ووفقا لعالم الفلك هيرلي، فان علماء الفلك اليابانيين قاموا باجراء تجارب محاكاة تجعل هذه الأرقام جديرة بالتصديق. وأثبت شجيرو ايدا من معهد طوكيو للتكنولوجيا وايشيرو كوكوبا من المرصد الفلكي الوطني انه في نظام كوكبي مختصر حيث تكون كثافة المادة الصخرية منخفضة، فان أجساما كثيرة منخفضة الكتلة مثل الارض يمكن ان تتشكل، وربما يصل عددها الى ما بين 50 الى 100 جسم. لكن هذه العمليات الخاصة بالمحاكاة تفترض ان الذرات الثقيلة كثيرة العدد بشكل معقول، حيث يعتقد انها ضرورية لتشكيل الأنوية الكوكبية. ومع ذلك، فان المجموعة ام 22 تتمتع بوفرة قليلة من الذرات الثقيلة بحيث لا تتجاوز واحد الى خمسين من الذرات المتوفرة للشمس. ضرار عمير
