تفسح الثقافات الانسانية على اختلافها اماكن خاصة لاشكال النباتات ضمن موروثها الفكري والشعبي والرمزي، فأنواع بعض النباتات مثل النرجس والصفصاف والياسمين والتوليب وغيرها، ذات مدلولات رمزية ونفسية تتجاوز مجرد شكلها او لونها في بعض الثقافات من دون ان يكون لها هذا المدلول في ثقافات اخرى. وضمن هذا السياق قد لا يكون هناك نبات يبرز المكانة الاثيرة التي يحتلها الخيزران في ثقافات شرق آسيا فالخيزران موضوع لنقاشات وكتابات واغاني لا تنتهي لشعراء وكتاب وفنانين تشكيليين في هذا الجزء من العالم ويعتبر الخيزران في شرق آسيا رمزا للكثير من الفضائل البشرية ويجسد خصب الحياة الثقافية للشعوب وغناها كما تشهد على ذلك اعمال الكثير من الفنانين. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الفنان التايواني يوجين ييه الذي يشكل الخيزران الموضوع الاكثر اهمية في انتاجه التصويري والفني ويقول ييه البالغ من العمر 69 عاما وهو يمد نظره الى البعيد متذكرا ايام صباه .. كانت مواجهتي الحقيقية الاولى مع الخيزران في سن الثامنة عام 1939 حين كانت تايوان لا تزال مستعمرة يابانية، كنت اقطن مع عائلتي في احد الاحياء المكتظة بالسكان في العاصمة تايبييه وذات يوم صيفي خلال العطلة المدرسية اصطحبتني امي في زيارة الى جدتي في الارياف البعيدة. وبجانب منزل الجدة امتدت آشي الخيزران، وسحر في صوت حفيف اوراقه وطقطقة قصبه وتغريد الطيور بين اغصانه، احسست حينها بانتعاش لم يعرفه جسدي طوال سنواتي الماضية، ومازالت حتى الآن اتذكر العبق الجميل الذي تحمله الريح لدى مرورها بين اوراقه. كانت تلك لحظة انطلاقة قصة العشق التي ربطتني مع هذا النبات النبيل. بعد انهائه للمرحلة الثانوية دخل ييه الجامعة ليدرس اللغة الانجليزية ونزولا عند رغبة ابيه الذي رفض ان يدرس الفنون الجميلة لكن سنة ونصف في الجامعة كانت كافية لييه الذي انسحب من كلية اللغة الانجليزية وسجل اسمه في كلية الفنون الجميلة وامتهن بعد تخرجه التصوير والتحرير الصحفي في عدة مؤسسات حتى عام 1996 حين تقاعد نهائيا، لكنه عاد بعد ذلك الى مكتب السياحة التايواني مستشارا له. غير ان اصداء الماضي الاخضر كانت لا تزال تتردد في ذهن هذا الفنان وفي احدى رحلاته الى اليابان واجه الغنى الشديد الذي يتمتع به الخيزران هناك، حيث يصنع منه كل شيء تقريبا، وهذا مادفعه ليعود الى عشقه القديم، ويعيد اكتشاف هذا النبات الجميل، وهكذا اخذت فكرة مشروع تصوير ضوئي للخيزران تتبلور في مخيلته. يقول ييه: في تايوان يحب الناس صور النرجس واللوتس اكثر ولم يكن الخيزران يمثل مكانة متقدمة في قلوب الناس هنا خصوصا وانهم يأخذون انطباعا عنه بأنه نبات ياباني او صيني، وكأنه ذو هوية قومية، فاليابانيون والصينيون يجعلون منه موضوعا لحواراتهم واغانيهم واشعارهم ولوحاتهم طوال تاريخهم، ويمثل في الثقافة الصينية على سبيل المثال رمزا للنبل والتواضع وكرم الاخلاق غير ان الخيزران لم يكن ذلك المخلوق الاجنبي بالنسبة لي. وطوال خمس سنوات مضت دأب ييه على حمل الكاميرا وقطع تايوان طولا وعرضا وراء قصب الخيزران سواء كان في حديقة تايبييه او في ادغال الجبال ويجب ان يفعل ذلك وحيدا كما كان شأنه في الرحلات التي كان يقوم بها الى منزل جدته بعد تعرفه عليها لاول مرة، تلك الرحلات التي كانت تتطلب منه المشي ساعتين بين محطة القطار ومنزل الجدة الذي كان يلتقي فيه بخاله وهو الذي علمه كيف يصنع الطائرات الورقية والمراوح والاطباق وغيرها من هذا القصب. يقول ييه: بعد فترة قصيرة، شعرت بالسأم من تصوير الخيزران بالطرق التقليدية، لهذا بدأت ابحث عن امكانيات بصرية اخرى باستخدام عدسات خاصة واصبحت مهتما جدا بما يقوله الناس لدى رؤيتهم الصورة لاول مرة هل هي ضربة ريشة من فنان صيني؟ ام هي جزء من جلد؟ ام انها يا ترى قطعة برونزية اثرية من زمن قديم؟ بعد سنة من صحبة الكاميرا احس ييه بضرورة البدء في تنفيذ مشروعه وهو وضع كتاب عن الخيزران في تايوان لاول مرة مثل تلك الكتب التي شهدها في اليابان، ولهذا بدأ التهام كل انواع الكتب التي تطال هذا الموضوع والتي احضرها من الصين واليابان وغيرها من الدول، كما تعاون ييه مع الباحثين المختصين في هذا النبات، ولم يوفر حتى المزارعين الذين حدثوه عن ادق تفاصيل زراعته. ويقول ييه لم اعمل أو أدرس بهذا الجد طوال حياتي لقد اردت ان اخلف ورائي عملا يحمل ذكراي بعد مماتي. لم اكن اعلم ان هناك هذا العدد الكبير من انواع الخيزران التي تلائم كل مناخ ومنطقة جغرافية ففيما يعتبر الخيزران في الغرب نباتا للزينة فقط، يمثل في الشرق مادة خام لانتاج الكثير من الحاجيات، ابتداء بالاواني المنزلية وانتهاء بالاحذية، كما انه يعتبر مادة غذائية في تايوان حيث ينمو في كل الفصول والمواسم. وقبل بضعة اشهر طلبت مجلة «الارض» الصينية من ييه نشر كتابه العتيد الذي سيرى النور نهاية العام الحالي. ويحس ييه بالسرور الشديد لقيامه بهذا العمل كما ينتظر ظهوره بعصبية ايضا. فالى جانب الصور المنشورة في الكتاب اعد ييه النص والرسوم التوضيحية ايضا. وبهذا تضافرت سنواته التي قضاها في كلية الفنون الجميلة مع سنواته الاطوال في وزارة السياحة التايوانية لتثمر هذا الكتاب الذي جاء وليد فكرة اتت بمحض الصدفة. ويقول ييه اخيرا الحياة تتغير بسرعة الا ان اشياء تبقى على حالها احيانا رافضة التغيير، ماهو ممتع فيها هو اننا لا نعرف ما ستكون عليه حتى النهاية، لقد استغرق الامر بالتأكيد وقتا طويلا لأعرف شكل النهاية، هذه هي الحياة. جلال الخليل



