بيان الكتب: ربما تنطبق مقولة «شبلي الشميل» والتي هزت الضمير العربي في أواخر القرن التاسع عشر «الحقيقة أن تقال لا أن تعلم» على كتاب القاص والروائي والباحث الناقد محمد كامل الخطيب أكثر بكثير من أية مقولة اخرى حاولت الاحاطة بما يمكن ان يفعله المثقف ، الذي يختلف مع السلطة/والسلطة التي تغضب ممن خالفها حتى لو كان مثقفا وذا أنف طويل ـ سارتر يعتبر ان المثقف ذو أنف طويل ـ فالكتاب رغم انه مقالة يصدّر له الخطيب، إلاّ أنه مقالة الحدث الذي يصفه في اعتذاره بأنه: الكتابة التي هي رؤية وشهادة في زمن تبدو الاشياء فيه وكأنها ألغام، لكنها كتابة تحاول ان تكون فعل مشاركة في الزمن الراهن، مثلما هي رؤية وأمل بزمن قادم، أو بلاد قادمة اخرى، زمن وبلاد يتمنى المرء ان تكون أقل قساوة. رغم ان الانتقال من مجتمع البداوة الى مجتمع المدانة ـ المدني/عملية ليست بالسهولة التي يتصورها الراعي لأن العصا لا تفارق يده، لكنها حاصلة ـ حاصلة مثل عملية قيصرية لا نريد ان نفقد فيها الأم ولا الطفل الوليد. الخطيب يحاول ان يوقظ الراعي، فالقطيع لا يمكن ان يعيش تحت تهديد عصاه!! المجتمع المدني تحت هذا العنوان، وهو الأول في مقالته، يحاول الخطيب ان يعرّف ثلاثة مصطلحات دخلت الى حياتنا الثقافية: (الديمقراطية، العقلانية، العلمانية) وهي مفاهيم متكاملة تنفتح على بعضها، فالعقلانية تعني تحكيم العقل في التفكير والسلوك، بدل تحكيم النص والهوى والعلمانية تعني الانطلاق من أمور هذه الحياة وتحكيم العقل في حلها، دون النظر الى أية مفترضات مسبقة. أما الديمقراطية فتعني الاحتكام الى البشر أو الى العقل البشري، في شئون الحكم وتداول السلطة، وليس الى (رأي أبدي واحد) سواء أكان هذا الرأي الواحد دينيا أم دنيويا. وهذا يعني ان: العقلانية تفكير فلسفي، والعلمانية تفكير اجتماعي، والديمقراطية تفكير سياسي. وهذه المصطلحات تم تداولها عربياً منذ العشرينيات من القرن العشرين في كتابات لعزيز ميرهم وأمين البستاني وعلي عبدالرازق ومي زيادة وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وصادق العظم ومهدي عامل وعبدالله العروي وعبدالله بدوي ورينيه حبش وشبلي شميل وفرح انطون وعبدالرحمن الكواكبي وعبدالله الشهبندر.. وآخرين. وهي مصطلحات مهدت لمفهوم المجتمع المدني الذي هو بالتالي ليس حزبا ولا عملا سياسيا سواء كان علنيا أم سريا. حيث يبحث الانسان أو يختار أشكال التضامن الانساني، أو أشكال التناسج الاجتماعي التي تتفق مع ميوله واهوائه أو مصالحه ضمن وحدة المجتمع الدولي. هجاء الثقافة ومديحها يقسم الخطيب بحثه هذا الى: 1ـ هجاء المثقفين لبعضهم، وفيها (جلد الذات). 2ـ هجاء السياسيين، للمثقفين، وهم بالأساس يأتون من بين صفوف المثقفين المذمومين إياهم، وهؤلاء بعد ان يتولوا مناصب في السلطة يحسون بحنين ـ كما يرى الخطيب ـ أو بعقدة نقص تجاه الثقافة والمثقفين، وأول ما يفعلونه بعد الاستيلاء على السلطة هو الاستيلاء على ـ إن لم نقل شراء شهادة (دكتوراه) ربما بسبب ادراكهم الدفين لأهمية الثقافة وشاراتها ورموزها وألقابها الشكلانية، وهنا ستظهر مشكلة ـ هي مشكلة المشاكل ـ فالمثقف يعتبر نفسه ليس وصيا على المجتمع والوطن، بل يرى انه ضميرهما ومستقبلهما. في الماضي مارس هذا الدور الامام الاوزاعي والعز بن عبدالسلام. وهذا ما دفع السياسي لأن يتشاكل مع الثقافي فيضع العثرات في طريقه، بل احيانا يفتعل له ما يفتعل ليكمّ فمه. لنتذكر ما فعله (الكامل) أخو صلاح الدين الأيوبي مع العز بن عبدالسلام في دمشق. ثم ان السياسي لا يكتفي، فبسبب من كونه صار سلطة، صارت لديه سلطات واسعة، صار حاكما شموليا/فيصطدم بالمثقف الذي يتألم من الماضي بينما يخطط أو ـ عينه على المستقبل، مما يزعج أو يؤرق السياسي الذي يسعى للحفاظ على الراهن ـ المضارع ـ الكرسي الذي يجلس عليه. الخطيب يلخص كلامنا هذا بالقول: المثقف يرى ان (الثقافة قوة) بينما يرى السياسي ان (القوة ثقافة) وهنا يتدخل الجيش ليبرز للاثنين ـ المثقف والسياسي ـ من هي القوة الحقيقية. عن هجّائي الثقافة يتحدث محمد كامل الخطيب بسخرية عن نمط من المثقفين السياسيين (مثقفي اجهزة الدولة) وهو نمط جديد خلقته الدولة السوفييتية أيام كانت دولة عظمى، ومن ثم استنسخته الدول ذات الحكم الشمولي لأهميته وللفوائد المستحلبة التي ـ استحلبتها ـ منه، فهو يصلح لأن يكون (فاترينة) ثقافية تعرض فيه ومن خلاله الدولة أفكارها عن السلام وعن الديمقراطية وعن العلمانية، كما يصلح لأن يكون طبلا وبوقا وربما (جوكراً) وما أكثر الجواكر! عن الوضع الثقافي في سوريا 2000 برأي محمد كامل الخطيب ان سوريا تشكل أحد المراكز الهامة للثقافة العربية قديما وحديثا، وقد لعب هذا البلد ومثقفوه أدوارا هامة في التاريخ الثقافي العربي وفي النهوض الثقافي العربي الحديث، وخصوصا جامعة دمشق التي كانت دوما عربية الطابع والتوجه وليست قطرية محدودة. لكن هذا الدور الثقافي لسوريا عربيا وقطريا صار يعيش ومنذ ربع قرن تقريبا حالة تدهور ملحوظ ولسبب سياسي يعود الى منتصف السبعينيات من القرن العشرين عندما تساءل كثير من المثقفين السوريين عن بعض الاجراءات والسياسات العربية والدولية التي اتبعتها القيادة السياسية آنذاك، ويدعم الخطيب كلامه هذا بتصريح لوزير الإعلام السوري آنذاك أحمد اسكندر أحمد في مجلة لبنانية كما في مجالس خاصة: (اذا كان المثقفون السوريون الموجودون اليوم، غير مستعدين للسير معنا، فسننشيء جيلا جديدا من المثقفين، جيلا متعاطفا معنا ومتفهما لنا أكثر). هذا ممكن، لكن ما يقول الخطيب: من الصعب ان تخرّج الدولة كتّاباً حقيقيين أو موهوبين، فتخريج الكتّاب لا يخضع للتخطيط أو للأوامر الادارية كما هو معروف. هل تستعيد سوريا وعيها وتاريخها؟ في هذه المقالة/الدرس يرى الخطيب ان السياسي والمثقف يتنكران للماضي، إذ يقول: يبدو ان الاديان والثورات والانقلابات والحكام يريدون دائما ان (يجبّوا) ما قبلهم. إذ يحدث دائما ان يوصف العهد السابق بالجاهلية، والبائد، وينسى ـ يتناسى اللاحقون، أكثر الاحيان انهم إنما تكوّنوا في رحم العهد السابق، واحيانا كثيرة كانوا مشاركين فيه، بل وقد يسيرون احيانا كثيرة على خطاه، وبينما هم يكيلون له كل التهم. مع هذا لماذا التناسي المتعمّد لشخصيات فكرية وسياسية سورية قدمت الكثير لبلادها: شكري القوتلي، عبدالرحمن الشهبندر، فارس الخوري، رشدي الكيخيا، أكرم الحوراني، جمال الأتاسي، كامل عياد، جميل صليبا، سامي الدروبي، شاكر مصطفى، أمجد الطرابلسي، عادل العوا، عمر أبو ريشة، بدوي الجبل، محمد كرد علي. بل لماذا لا يشهد النقاش السياسي والفكري الجاري في سوريا حرية ذكر ومناقشة أسماء وآراء بل وحتى تقويم أفعال الاسماء السابقة وأمثالها من فارس الخوري الى حافظ الأسد.. هل يتساءل الخطيب.. هل تستعيد سوريا تاريخها ووعيها ورأسمالها الوطني التاريخي المتراكم؟ الفلسفة في الوقائع اليومية سمّها رفع الواقع اليومي الى مستوى التأمل والمناقشة الفكرية والفلسفية والعقلانية في الحياة اليومية السورية، هذا ما فعله جلال صادق العظم ابن الأسرة الدمشقية المحافظة في كتاباته التي أسس فيها لمشروع ثقافي عربي نقل فيه الفلسفة من المجردات الى المشخصات، من الفكرة الى الحدث، من عالم السماء الى عالم البشر والحياة اليومية، أي الى: الأرض. وهذا كان متجسدا حسب رأي (ابن الخطيب) في كتابه ـ كتاب العظم (النقد الذاتي بعد الهزيمة). وهذا المغزى أدركه جيل شاب انكوى بنار الهزيمة وفتح /انفتح له باب السياسة واسعا، لكن عبر الفكر والفلسفة وليس عبر الحماسة والخطابة الدوغمائية. وذلكم هو انجاز صادق جلال العظم وأمثاله من المفكرين. أنور محمد