بيان الكتب: قليلة هي الكتب التي تعالج القضايا الجوهرية، المتصلة بالتكتيك الفني والمهني للدراما التلفزيونية. فقد جرت العادة ان يظل مثل هذا التكتيك حكراً على الكتاب والمشتغلين في هذا المجال فقط. ولكن شركة ـ قدمس ـ للنشر والتوزيع بدمشق، اخترقت هذه القاعدة، واصدرت حديثاً كتاباً يعالج هذه القضايا بعنوان: «بنية المسلسل الدرامي التلفزيوني» وهو من تأليف المخرج العراقي ـ قيس الزبيدي ـ والذي يقيم ويعمل في سوريا. وينقسم الكتاب الى ثلاثة ابواب، يعالج الباب الاول عبر سبعة فصول البنية الاساسية التي يرتكز عليها المسلسل الدرامي في التلفزيون، وذلك من خلال الدراما التلفزيونية، حيث يسلط الضوء على تاريخ نشأتها وتطورها، وكيف تحولت بعد ذلك الى نوع من الرواية التلفزيونية. ومن ثم يحدد الكتاب تقاليد السرد المتسلسل للأحداث وتطورها درامياً، ويقدم مثالاً حياً على ذلك قصة «الف ليلة وليلة» التي تمثل ذروة الابداع في مجال السرد الدرامي. وكان ـ انطوان جالات ـ قد قام العام 1704، ولأول مرة بترجمة كتاب «الف ليلة وليلة» الى اللغة الفرنسية، عبر 12 مجلداً، ومن ثم انتشرت هذه الترجمة في كل انحاء اوروبا. ويشير الكتاب الى انه لا يتم الاكتفاء في الف ليلة وليلة بتقديم القصص والحكايات بل استخلاص الدروس والعبر منها، الامر الذي يعد شكلاً راقياً من اشكال العمل الدرامي المعاصر. فمؤثر جس الانفاس وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها في درامية الحكايات المتسلسلة في الف ليلة وليلة ـ والتي تسعى الى ربط المشاهد بما يجري. وفي هذه الملحمة، فإن شهرزاد ليست وحدها التي تروي، انما تقوم شخوصها نفسها بالحكي. الامر الذي يمكن من الافلات من الموت. في فصل طبيعة التلفزيون. يؤكد الكتاب على طبيعة البرنامج التلفزيوني التسلسلية، حيث ان معدي برامج التلفزيون، فهموا هذا الامر في وقت مبكر، وهذا يقود الى تسليط الضوء على تطور المسلسل الدرامي، حيث ان التمثيلية التلفزيونية، كانت قد بدأت مثل شكل الخليط ومع مرور الزمن، اصبحت هناك اشكالاً عديدة للمسلسل الدرامي مثل المليودرامي وغيره، ومن خلال هذا التطور ازدادت تكاليف انتاج المسلسل التلفزيوني، حتى توطدت العلاقة بين الفن والمال. لاسيما بعد دخول مستثمرين وشركات انتاج متعددة الى مجال الدراما التلفزيونية، فعلى سبيل المثال، فإن «اوبرا الصابون» الناجحة تدعمها احتكارات الشبكات المنتجة لوسائل الغسيل. وهذا امر طبيعي جداً. ذلك ان العمل التلفزيوني، اصبح مكلفاً جداً من الناحية المادية، ولابد للشركات الكبرى ان تحول هذا العمل. وفي الفصل السادس، يتحدث المؤلف عن جمالية المسلسل التلفزيوني كانتاج روائي، حيث يحدد عناصر هذه الجمالية بعدد من النقاط، لعل من ابرزها التسلية والفائدة والمتعة على السواء. وهو يشير هنا الى كتاب ارسطو الشهير «فن الشعر» الذي اصبح بمثابة قانون للاعمال الدرامية، لانه لم يكتب الا استناداً الى الاعمال الدرامية التي ظهرت في عصره. وهو يشترط وجود ثلاث بنى للمسلسل الدرامي ـ التلفزيوني وهي: بنية التوتر وبنية الفضول وبنية المفاجأة. حيث ان المسلسل الامريكي يقتضي اثر هذه الطريقة وفي الفصل السابع من الباب الاول، يرصد الكتاب اشكالاً سردية فنية مختلفة. كأن يكون المسلسل التلفزيوني عبارة عن فيلم روائي طويل او قصة مسلسلة او مسلسل يقدم على شكل حلقات او ان يكون مجموعة من الحلقات المنغلقة على نفسها. ويقدم مسلسل «دالاس» الامريكي الشهير كأنموذج عن هذه الخصائص التي يفترض بالمسلسل التلفزيوني ان يتحلى بها، حيث يعتمد على الحلقات المفتوحة. في الباب الثاني من الكتاب، يعالج المؤلف عدة قضايا فنية مهمة ومنها قضية اللغة في السينما والتلفزيون، حيث يؤكد ان للعمل التلفزيوني او السينمائي لغة خاصة بهما، ولابد من ابراز ذلك. ومن اهم مواصفات هذه اللغة الاعتماد على الصورة بدلاً من الحوار المطول والابتعاد عن لغة الخطابة المباشرة والانشاء. وفي فصل نمط الحكاية، يقدم الكاتب خطاً بيانياً عن تسلسل القصة التي تبدأ بالاستهلاك ثم لحظة التوتر، ويعد ذلك تصعيد التوتر ومن ثم لحظة مأساوية فانحدار ولحظة توتر اخيرة ثم وقوعاً لمأساة، ويرى المؤلف في هذا الفصل ان اية حكاية قابلة للتوسع، الا ان مدى التوسع محدود، وهو يرتبط بشكل عضوي بنمط الحكاية. فهو لا يستطيع ان يتجاوز الحدود التي يرسمها النمط نفسه. ويورد المؤلف العديد من النظريات والآراء لعدد من كتاب الدراما في العالم الذين يطرحون انماطاً متعددة من المسلسلات والاعمال التلفزيونية. ومن ذلك الكاتب المسرحي العالمي ـ بريشت ـ الذي ميز العمل الدرامي عن العمل الملحمي بقوله: في العمل الملحمي يمكن للمرء على نحو ما ان يقص الاجزاء المنفردة بمقص، التي تبقى مع ذلك قادرة على الحياة. وعلى اساس من ذلك يمكن فهم الحلقة الدرامية باعتبارها جزءاً مستقلاً من جهة ويرتبط ببقية الاجزاء من جهة اخرى. وفي فصل زمن سرد الحكاية، يؤكد المؤلف ان عنصر الزمن مهم جداً في تطور العمل الدرامي، مشيراً الى ان مختلف السيناريوهات في الافلام التجارية تعتمد على طول منتظر ومتعارف عليه، وهي تشكل نموذجاً فنياً للزمن الذي يقوم على الثلاثي المعروف: بداية ووسط ونهاية. ولكن الزمن لا يوجد في القصة الا على شكل نظام يمارس وظيفة الدلالية عن طريق علاقته الداخلية بالعناصر الاخرى ويشير الى انه يمكن تعليق الزمن على طريقة تودروف في اربع حالات وهي: تعليق الزمن، والحذف، والمشهد والخلاصة التي تجمع عدة سنوات برمتها في جملة واحدة، اما الحوار فهو يشكل اساس اي عمل درامي، وهو يرتكز الى اللغة الطبيعية. لكن هذه اللغة تختلف في الدراما عنه في المسرح. ومن هنا يصبح الحوار القوة المحركة للأحداث وتطوراتها في العمل الدرامي. ويشير الى ان لغة الحوار يجب ان لا تبتعد عن لغة السرد، لان سبب الاكثار من الحوار، اما تملص الكاتب من موقف صعب في التحليل او اذا كان كاتباً مبتدئاً، فهو يلجأ الى ذلك. ولكن اعتماد الحوار كوسيلة لسرد القصة، يقود الى تطابق الزمن المسرود مع زمن السرد اي العرض، خاصة وان الحوار ليس مكرهاً على تغطية اية منطقة معينة. وهنا تجدر من ان التوظيف غير المتكافئ في العلاقة بين الزمن الفني والزمن الواقعي، يشكل عبئاً على بنية النص الفني، وينشأ عن عدم التوازن في وظائف السرد ازدواجية في البنية. وتبدو العلاقة بين الادبي والسمعي على درجة كبيرة من الاهمية، لانه عندما تتم ترجمة السيناريو الادبي ونص الاخراج، تبدو مهمة جداً، وبالتالي فإن بنية الدراما التلفزيونية العربية تبدو في معظمها تقليدية. واخيراً يستخلص الكاتب في ختام هذا الباب مجموعة من الملاحق المهمة التي تتحدث عن بنية اللغة السينمائية ونظرية المونتاج السينمائي وفن الصور المتحركة ودور تصميم الازياء والملابس في انجاح العمل الدرامي. فريزة عطية