بيان الكتب: كان جورج سانتيانا ـ1863/ 1963 اديبا وشاعراً وفيلسوفاً، ولد في اسبانيا وعاش في الولايات المتحدة الامريكية، وظفر بأستاذية الفلسفة من جامعة هارفارد وهو امام مذهب «الفلسفة الطبيعية» وعنده ان الطبيعة هي كل الحقيقة، واذا كان الانسان جسما من ناحية وعقلا من ناحية اخرى فكلتا الناحيتين من مقومات الطبيعة على حد سواء، وبهذه النظرة تخلص من الثنائية التي تشطر الكون والانسان شطرين، مادة وروحا، على ان الطبيعة لم تتبد بكل ما فيها من ممكنات، ذلك ان ما قد تحول من تلك الممكنات الى عالم الواقع الفعلي جزء يسير بالقياس الى ما لا نهاية له من الحقائق الموجودة بالامكان لا بالفعل، وهذا العالم الذي تبصره العين وتحسه اليد، ليس هو العالم الوحيد الذي يمكن تصويره، ولقد جعل «سانتيانا» مبدأ اختيار العالم الفعلي الواقعي من بين العوالم الكثيرة الممكنة لا هو بالمبدأ «الخلقي» ولا هو بالمبدأ «العقلي» بل هو مبدأ «طبيعي». ويتميز الكائن الحي بخصائص لا تكون في المادة الجامدة فهو قادر على الاحتفاظ بوجوده بالتغذي بموجودات اخرى، وهو قادر على تكرار نمطه بالتناسل، وهو يستطيع ان يصلح بنفسه ما يفسد من كيانه، والكائنات الحية على اختلاف ضروبها، وان اتفقت في «النفس» بتلك الملامح، فمنها ما يتميز على بقيتها بالوعي الذي يمسه سانتيانا بالروح او بالعقل. ويطلق سانتيانا على الممكنات التي لم تتحقق، والتي يختار منها المتخيل خياله اسم «عالم الروح» وفي هذا العالم الروحاني يعيش رجل الدين حين يتصور عالما امثل واكمل من عالمه الواقعي، ويعيش رجل الفن حين يبدع صوراً فاتنة لعالم ممكن آخر، ويعيش رجل الاخلاق حين يتصور خيرا اسمى واعظم مما يعرفه عالم الواقع من خيرات وطيبات. فالقيم الثلاث: الحق والخير والجمال انما تختص كل منها بعالم معين وما يمكن في حالة الخير او الجمال لا يكفي في حالة الحق، والعكس صحيح ايضا، ولهذا كان من الخلط ان نطلب من الجمال ان يكون خيرا فننتقد الفن بأنه لا يؤدي الى الفضيلة، وكذلك فيما ينشب من خلاف بين الحق الذي تنشده العلوم وبين الفضيلة التي يريدها الاخلاقيون فتفترق القيم الثلاث لانها مختلفة الاصول. ولا يكون التحديد كاملا إلا اذا اوضحنا بدقة لماذا ومتى وكيف يبدو الجميل جميلا؟ وماذا في طبيعتنا يجعلنا على استعداد للاحساس بالجمال؟ ثم ما هي العلاقة بين الجميل من ناحية واحساسنا بجماله من ناحية اخرى؟ وهنا يأخذ سانتيانا في تحليل يميز به بين ادراك الاشياء ادراكا عقليا ليعرفها كما هي عليه في الواقع، وليستجيب لها استجابة المنفعة، وبين ادراكها ادراكا حسيا نقديا ليلتقط ما فيها من «قيم» والقيم نوعان: جمالية واساسها النشوة، واخلاقية واساسها التفضيل، وكلا النوعين لا يستندان الى العقل، فالحكم العقلي الذي نبنيه على الواقع ذاته لا يكون حكما جماليا، فإذا تناولنا أثرا فنيا وحللناه الى عناصره وتاريخه، وخصائصه، كان عملنا هذا ادراكا لحقيقة الشيء قائما على العقل، لكنه ليس من الحكم الجمالي في شيء، لان هذا الاخير لا يكون إلا بالتذوق المباشر الذي يجلب اللذة والنشوة للأثر الفني، وهنا نتذوق قيمة اضفناها من عندنا. ولهذا كان من الخلط ان نصنع للفن قواعد ينبغي ان يسير عليها ويلتزمها، كأن نقول ـ مثلا ـ ان التصوير لابد ان يراعي قواعدالمنظور، لان القواعد تيسر الحكم وتعممه إلا انها لا شأن لها بما ينتشي له المتلقى. وفي مثل هذه النشوة الذاتية الفردية يكون الحكم الجمالي. كذلك الامر بالنسبة للاحكام الخلقية لان مدارها هو ما ينجم عن الفضيلة من نتائج مستحبة، فهو شيء غير مقصود لذاته، بل يراد به غاية اخرى، على حين ان الحكم الجمالي لا يستهدف غاية سوى المتعة المباشرة التي تنتشي بها نفس المتلقي. لهذا جاز القول عن العقل والاخلاق واحكامها انها اقرب الى طبيعة العمل مادام يؤدي دفعا لضرورة وابتغاء منفعة، اما الادراك الجمالي فيدخل في باب «اللعب» لانه اطلاق لطاقة لا تتطلبها ضرورة الحياة فتنبثق تلقائيا بلا افتعال ولا تصنع، فهو ادراك لقيمة وليس ادراكا لواقع. ولنا ان نسأل: كيف يحدث هذا كله؟ يحدث بأن يتمثل المتلقي في ذهنه صورة مثلى للشيء الذي صوره الاثر الفني، ثم يدرج هذا الشيء الجزئي الماثل امامه تحت الصورة المثلى التي تمثلها في عقله، وبمقدار التقارب بينهما يقول عن الجزئي انه جميل. ولكن من اين للانسان تلك الصورة العقلية المثلى؟ سنتذكر «افلاطون» ونظريته في المثل، فسانتيانا يقر بوجود مثال عقلي للشيء، ولكنه لا يذهب مع افلاطون في قوله بأن هذه المثل قائمة في عالم آخر وراء هذا العالم الذي نعيشه، ولكن المثال العقلي وليد التجربة الدنيوية الطبيعية التي يعيشها الانسان، فاذا رأى الانسان جوادا او قطا وارتسمت له صورة ذهنية ثم رأى مرة اخرى وثالثة، وتزاحمت صور الجياد المختلفات اطلق عليها اسما ينوب عنها فتصبح هذه الكلمة هي الدالة وحدها على الجواد، فاذا رأى بعد ذلك صورتها في الفن او في الطبيعة كان لديه معيار لجمالها او قبحها بمدى قربها او بعدها عن الصورة العقلية. ومن هنا تجييء النظرة الذاتية النسبية في تقدير الجمال وليس الناس سواء في تكوينهم لصور مثلى تقترب او تبتعد بعض الشيء عن كائنات الطبيعة والواقع. والشعراء والفنانون هم اقدر الناس على تصور مثل الاشياء، ولهذا فهم اشقى الناس بواقعهم واسعدهم بخيالهم في آن وكلما ازداد العالم الواقعي نقصا في اعينهم ازداد عالمهم الخيالي بهاء. في العالم الواقعي كائنات فعلية لو وصفت كما هي واقعة، لكان ذلك تقريراً عن «الحق» وهو من شأن العلم، لكن هناك كذلك ممكنات يمكن للعقل الانساني ان يتصورها واقعة بدل هذا الواقع الفعلي، فاذا خرجنا من هذه الممكنات صورا باللون او بالصوت او بالحجر او بالكلمات ـ بحيث جاءت هذه الصور محققة لما كنا نود ان تكون، كانت هي آيات الجمال التي تستريح النفس لرؤيتها حاسبة ان نشوتها صادرة عن الآية الفنية الماثلة امامها مع انها نشوة منبثقة من ضمير النفس وصميمها حين تصورت للشيء الماثل مثله الاعلى. فلئن كان ادراكنا للواقع ادراكا للحق فإدراكنا لجمال الفن هو ادراك للقيمة التي اضفناها الى الاشياء من نماذجنا الروحية المثلى، تلك التي استعرناها من عالم الامكان عندما رأينا عالم الواقع قد قصر دون اخراجها الى عالم الرجوع الفعلي. ان المطالبة بالكلية في الاحكام الجمالية تنطوي على ما هو اكثر من مجرد الرغبة في تعميم آرائنا، انها تعبير عن ظاهرة سيكولوجية غريبة، ومعروفة جيدا، وهي ظاهرة تحويل عنصر من عناصر الاحساس الى صفة في الشيء، واذا كنا نقول انه ينبغي للغير ان يروا مواضع الجمال التي نراها، فإنما نقول ذلك لاعتقادنا ان مواضع الجمال هذه «توجد في الموضوع» نفسه مثل لونه ونسبه وحجمه، بينما الجمال يوجد في الادراك ولا وجود له في غير ذلك، والجمال عنصر انفعالي اي لذة من لذاتنا ومع ذلك فنحن نعتبره صفة في الاشياء شأن الرجل البدائي ذي الوعي الفج ينزع الى ان يملأ العالم بالاشباح التي تمثل مخاوفه وعواطفه بدلا من ان يجسد المفاهيم الرياضية التي لم يكن قد كونها في ذهنه بعد! ومعظم الصفات التي نتصورها تنتمي الى الموضوعات الحقيقية هي صور بصرية ولمسية بينما اوائل الاحساسات من اللذات والآلام نعتبرها مجرد صفات ثانوية، هذه الحالة الشاذة لم تعد قائمة في المجالات الاخرى للحياة حيث احرز العلم تقدما كبيرا يحول دون ان نمزج عناصر انفعالية او عاطفية بتصورنا للحقيقة. هكذا يصل سانتيانا الى تعريفه للجمال بأنه قيمة ايجابية نابعة من طبيعة الشيء خلعنا عليها وجودا موضوعيا، او ان الجمال هو لذة نعتبرها صفة في الشيء ذاته. وهكذا يطرح المؤلف موضوعات مادة الجمال والشكل والتعبير، ليصل الى اننا نحن العقول التي تسأل جميع الاسئلة، وتحاكم جميع الاجابات، نحن ذاتنا غير مستقلين عن العالم الذي نعيش فيه، فقد نبتنا منه وعلاقاتنا به تحدد جميع غرائزنا وكل ما يرضينا، وعندما يشكل العالم نفسه او يصوغ العقل بحيث يصبح التطابق بينهما كاملا، حينئذ يصبح الادراك هو اللذة ولا يحتاج الوجود الى مسوغ، ولا يختلف المعيار الباطني عن الحقيقة الخارجية التي تقارن به. وهكذا يبدو ان الجمال هو اوضح مظهر للكمال، وابرز دليل على امكانه، وهو الضمان على امكان الاتساق بين الروح والطبيعة، ومن ثم فهو اساس الايمان بالخير ولذلك تفهم لماذا يتصف الجمال بالسمو الخلقي. فاروق خلف