بيان الكتب: صدر مؤخراً عن المجمع الثقافي في أبوظبي كتاب «سيرة فوكوزاوا يوكيتشي ومقدمة اعماله الكاملة»، ترجمه الى العربية كامل يوسف حسين. والكتاب الذي يقع في (528) صفحة من القطع الكبير يقدّم سيرة حياة تستحق القراءة ولا تكتمل الفائدة فيها الا بربطها بتاريخ امه استطاعت ان تقدم للعالم اكبر مثال واندره على القدرة الانسانية في صنع المعجزات، حيث ان سيرة فوكوزاوا اجابة صريحة عن نجاح تجربة التحديث اليابانية على الرغم من المعوقات الرهيبة التي اعترضتها، في حين لم يقدّر لغيرها من الامم ان تشق طريق التحديث. كما وتأتي اهمية هذا الكتاب كونه يقدم قراءة دقيقة في تفاصيل تطور نسيج الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية اليابانية بقلم أحد اكبر مؤسسي نهضتها الحديثة واهم رواد ذلك التطور الذي بدأته اليابان قبل ثمانين عاماً من نهايات القرن الفائت. ففي فترة كان اليابانيون خلالها يجهلون العالم تقريباً، مثلما يجهلهم العالم، قام فوكوزاوا بتعليمهم اولاً الوضع العام للعالم، ثم ادى دور رائدهم الاكثر بروزاً في دراسة الفنون والعلوم الغربية واستيعابها. في عام 1853 عندما استحثت امريكا حكومة الشوجون على فتح مرافئها، وبعثت بالرسالة الخاصة بهذا الشأن عن طريق اسطول تحت قيادة الكومودور بيري، رأى اليابانيون للمرة الاولى مشهد امة غربية قوية في مواجهة امتهم. ومع ما ترتب على ذلك من خوف على الوجود الوطني ثار في نفوس الناس شعور وطني حاد. وقد افصحت هذه النزعة الوطنية عن نفسها في صفوف الناس البسطاء في صورة الحركة المعروفة باسم «جواي» او طرد الاجانب كافة ورفض كل ما هو اوروبي، وقد حوّلت هذه الحركة الى اداة سياسية شديدة الفعالية على يد خصوم حكومة الشوجون، وبصفة اساسية على يد الساموراي القديرين والساخطين المنتمين الى الصفوف الدنيا لهذه الطبقة، وفي اختصار انتمى فوكوزاوا الى هذه المجموعة الاخيرة، حيث حاول ان ينقل لافراد الشعب الياباني الملامح الاهم لكل ما هو حديث وعصري، وحسب مقولة (شينزو كويزومي) رئيس جامعة «كايو» التي اسسها مؤلف السيرة فإنه سيكون من قبيل الاستحالة المطلقة في المستقبل ان يقوم مثقف ومؤلف واحد بانجاز مثل هذا الكم من الاعمال في مثل هذه المجالات المتنوعة. لقد استطاع فوكوزاوا من خلال جرأته في طرح المشكلات والجاذبية التي تمتعت بها مؤلفاته ان يكون المؤلف الاكثر انتشاراً، والاشد تأثيراً في الشعب الياباني الذي تعلم من كتاباته الخطوط العامة لتاريخ العالم وجغرافيته، والمبادئ الاولية للفيزياء والكيمياء وعلم الفلك، واساليب مسك الدفاتر وفن الخطابة، وكذلك علم التكتيك العسكري في الحروب الميدانية، وحصار القلاع وصنع بندقيات المشاة واستخدامها. في سيرته الذاتية التي ضمت (15) فصلاً اتبع (فوكوزاوا) اسلوباً اقرب الى التحدث المباشر بعيداً عن الطابع الرسمي دونما التزام بتسلسل معين للاحداث، فقد اعتمد طريق الاستدعاءات، واستسلم للحظات الزمنية التي كانت تفرض نفسها على العمل الذي املاه كاملاً من ذاكرته على «كاتب اختزال» استدعاه خصيصاً لذلك الغرض. تناول (فوكوزاوا) تفاصيل من حياة طفولته لكنه سرعان ما انتقل الى مشاهد من الذاكرة عن امه واخواته وابيه ـ الساموراي الذي توفي وتركه طفلاً في رعاية امه، ثم تطرق الى رحلته الى مدينة نجازاكي حيث تعلم اللغة الهولندية فأتقنها، ثم عن تطلعه الى دراسة اللغة الانجليزية واعتبارها هدف حياة، ثم رحلاته الى الولايات المتحدة الامريكية فاوروبا وعودته الى اليابان محملاً بالافكار والاقتراحات، وعن عمله في وظيفة مترجم من اللغة الانجليزية الى اليابانية للرسائل التي ترسلها البعثات الامريكية والانجليزية. كما تناول (فوكوزاوا) في سيرته حركة العداء الشديد التي تصاعدت بين اليابانيين ضد الاجانب وبالتالي كل من يتعامل معهم اعتقاداً منهم ان المثقفين الذين يقرأون الكتب الاجنبية ويعلمون الثقافة الاجنبية ليسوا الا كذابين يضللون الناس، ويمهدون الطريق امام الغربيين لاستغلال اليابان، وما عناه ذلك من مصاعب واخطار له ولمن يهدفون الى تنمية وتطوير البلاد، وصلت الى حد الاغتيالات والاختطاف على ايدي محترفين لكل من يقرأ او يترجم او يمتلك كتاباً اجنبياً، بل وصل الامر الى درجة اطلاق النار على السفن الاجنبية التي تعبر في مضيق «شيمونوسكر». ويقول فوكوزاوا كانت حكومة الشوجون كقوة حاكمة قد فقدت هيبتها كاملة، فقد وقعت عمليات اغتيال بصورة يومية، تقريباً، وغدت البلاد مكاناً من المخيف الاقامة فيه. وفي اطار هذا الوضع حاولت ان احيا بتحفظ وحذر قدر الامكان، ذلك ان مناط اهتمامي الاول غدا هو الكيفية التي يمكنني بها الافلات بعمري. كما استعرض الكتاب بنوع من التفصيل حياة «فوكوزاوا» وحياة اسرته، واشار الى حالته وحالة عائلته الاقتصادية والسياسية التقشفية التي اضطر الى اتباعها في احيان كثيرة، وعدم لجوئه الى الدين ولو لمرة واحدة لاعتقاده ان الرجل الحر لا يستدين، ثم استكمل حديثه عن عادات وتقاليد وصفات ميزته هو وافراد اسرته او عائلته او المقربين منه، حيث افرد فصلاً كاملاً لذلك. وتناول (فوكوزاوا) كذلك شرح مبادئه الاساسية في التعليم والتي لخصها في اعتبار الانسان الاكثر قداسة ومسئولية من بين كل مراتب الكائنات، ولذلك اعتقد في ضرورة ان يؤمن الانسان بالاستقلال وباحترام الذات. ورأى ان التعليم في الشرق في ذلك الزمن يعوزه أمران هما الافتقار الى الدراسات في العدد والمنطق، كما يفتقر الى فكرة الاستقلال في الثقافة الروحية، وعلى هذه الاسس حارب «فوكوزاوا» التعليم وفق الطريقة الصينية الذي اعتبره سبباً رئيسياً في تخلف اليابان وعدم قدرتها على اللحاق بركب الحضارة. ويقول شينزوكويزومي رئيس جامعة كايو في تقديمه للكتاب «لقد امتد العمر بفوكوزاوا على نحو يدخل السعادة البالغة الى القلب، ليرى النتائج الكاملة لجهوده، ومن المؤكد ان اليابان عندما مات في عام 1901 ـ كانت بلاداً بلا اهمية مقارنة بيابان اليوم. ومع ذلك فلابد انه عندما استعاد ذكرى ايام شبابه قد وجد ان من الصعب ادراك انها الأمة ذاتها التي احست ان اسطول بيري الصغير يهددها بالخطر.. واغتباطه العظيم بتقدم البلاد التي ساعد في اخراجها من نزعتها الاقطاعية التي كانت تعيش فيها. ويضيف شينزو كويزومي قائلاً «ان ما يجعل سيرة فوكوزاوا يوكيتشي الذاتية مادة للقراءة من الطراز الاول لا يتمثل في سرد اعماله فحسب والعصر الحافل بالاحداث الذي عاش فيه، وانما في جاذبية الرجل نفسه، وهو رجل «متدفق المشاعر، غزير الدموع». وفي فلسفة الشرق فإن قمع الانفعال «عدم الافصاح عن الفرح أو الغضب، من خلال الملامح» يحول الى فضيلة. ولكن فوكوزاوا لم يكن بالرجل الكامل بالمعنى الشرقي. وعلى الرغم من انه تربى في يفاعته على الفلسفة الصينية، الا انه لم يتردد في اختراق مبدأ يقوم على التقييد. كما ويمكن للقارئ ان يلحظ في كتاباته كلاً من الارشادات الرفيقة بالامور التي تتسم بالطيبة والجسارة وبعض الانتقادات القاسية لأمور غير صحيحة ووضيعة. عبدالرزاق المعاني