ادوارد برودبنت المشرف الرئيسي على تحرير هذا الكتاب، هو استاذ زائر بجامعة كارلتون بكندا. وقد شغل مقعداً بالبرلمان الكندي على قائمة الحزب الديمقراطي الكندي الجديد لمدة واحد وعشرين عاماً، وكان رئيساً لهذا الحزب طيلة خمسة عشر عاماً.. وكان رئيساً ايضاً لمركز الحقوق والديمقراطية، في مونتريال خلال سنوات 1990 ـ 1996.هذا الكتاب هو حصيلة عدد من المداخلات التي قدمها اساتذة وباحثون واكاديميون شاركوا في مؤتمر دولي شهدته مدينة فانكوفر، في خريف عام 1998 وناقشوا فيه موضوع المساواة والديمقراطية، وكان هؤلاء المشاركون ينتمون الى مشارب مختلفة عن العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفلسفية، يبلغ عدد المساهمين في هذا الكتاب ثلاثة عشر مساهماً من كندا وامريكا واوروبا. يبدأ ادوارد برودبنت بتناول مسألة المساواة وتاريخيتها على اساس انها تعتبر دائماً بمثابة جوهر القيم الديمقراطية، بل وانها اصبحت خلال فترة وجيزة من القرن العشرين المبدأ الذي يوجه العديد من الحكومات، ففي اعقاب الحرب العالمية الثانية تبنت جميع الديمقراطيات في امريكا الشمالية سياسات تعارضت الى حد كبير مع السياسات التي كانت تنتجها قبل الحرب، اذ لم يعد الكثير من السياسيين ذوي الانتماءات الايديولوجية المختلفة يناصرون واقع عدم المساواة وعدم الاستقرار اللذين يتصف بهما الاقتصاد الرأسمالي. بل طالبوا بكبح جماح الرأسمالية، على قاعدة ارادة ورغبة نشر الاستقرار الاجتماعي والتأكيد على المساواة في المواطنة، وعلى هذا فقد اخذ مفهوم المواطنة الديمقراطية بعداً جديداً، وبالتالي لم يعد يتم النظر الى الحرية بشكل سلبي بالمعنى الذي كان يفهم منها ان لكل شخص مطلق الحرية في كافة المجالات التي لا تضع الدولة عليها قيوداً، بتعبير اخر تمت اعادة النظر بالمفهوم التقليدي لليبرالية. ان اعادة النظر هذه تمخض عنها الاقرار بحقوق سياسية ومدنية هامة، اذ اضيف مفهوم ايجابي للحرية، انها اصبحت تعني استقلال الفرد وتحقيق ذاته وصيانة تحقيق هذا الهدف بالنسبة لجميع المواطنين، ولهذا غدت فكرة الليبراليين القائلة بالتحرر من الدولة بشكل كامل تقريباً فكرة غير مناسبة. وهكذا شرعت الحكومات الديمقراطية في انتهاج برامج اجتماعية واقتصادية تهدف الى تعميق المساواة والامان بالنسبة للجميع.. ومن هنا جاءت نظم المعاشات والرعاية الصحية والتعليم الاجباري لجميع المواطنين بغض النظر عن دخولهم ـ مداخيلهم. ولم يكن غريباً في هذا السياق ان لا ينص الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدر عام 1948 على الحريات المدنية والسياسية فحسب، وانما نص ايضاً على الحقوق الجديدة المتمثلة في المساواة الاجتماعية والاقتصادية. وقد كرس ادوارد برودبنت، عدة صفحات من مساهمته في هذا الكتاب لتناول العلاقة التاريخية بين الديمقراطية والمساواة منذ عصر سقراط والمدينة الاثينية القديمة وحيث يرى في سقراط معارضاً للديمقراطية وحتى الصيغ الديمقراطية التي انتهجتها عدة دول تبنت سياسات اجتماعية جعلت من رفاهية مواطنيها هدفاً اساسياً لها وانتشرت خلال النصف الثاني من القرن العشرين. المساهمون الاخرون في هذا الكتاب الذين يقدمون تقييمهم فلسفياً واجتماعياً واقتصادياً للديمقراطية يعرضون في الواقع رؤيتهم للتجارب التي تبنتها هذه الدولة او تلك ومدى ما استطاعت هذه الدول في تحقيق درجة عالية من المساواة بين مواطنيها. وقد تباينت المواقف بين الرفض الكامل او الدفاع الكامل، عما قدمته هذه الدول ـ التجارب. وتم في هذا السياق المقارنة بين نمطين من الديمقراطية هما الديمقراطية الليبرالية، والديمقراطية الاجتماعية. وكلا هذين النمطين يجد مؤيديه ومعارضيه. هذا التمييز بين الديمقراطتين يشكل احد الرهانات الاساسية لعدة مشاريع سياسية مثل مشروع الاتحاد الاوروبي الذي اصبح حقيقة واقعة والذي كان احد رهاناته الاساسية هو الخيار بين مضمونه الاجتماعي، ومضمونه الليبرالي. لقد دافع بعض المساهمين عما اسموه بدولة الرفاهية، والمقصود بها الدولة الليبرالية عملياً، على اساس فاعليتها الاقتصادية بفضل الدوافع التي تجعل المواطنين الديمقراطيين يساندونها بشرط الوفاء بالوعود، واذا كان انصار الديمقراطية الاجتماعية يذهبون في الاتجاه المعاكس، فإن فئة ثالثة تقول بخيار ثالث هو الطريق الثالث، الذي ابتدعه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والذي اعتبره، اي الطريق الثالث، انصاره بمثابة افضل الخيارات لحزب يساري يطمح في ان يظل منافساً على الساحة الانتخابية، ويرى هؤلاء بأن قبول موازنات متوازنة وعدم فرض ضرائب جديدة واعطاء الاولوية للاسواق هي متطلبات ديمقراطية انتخابية شائعة يتعين على الاحزاب اليسارية ان تتبناها حتى تستطيع ان تحصل على القوة السياسية اللازمة. هذا الطريق الثالث يستطيع كما يقدمه البعض ان يتبنى بعض المفاهيم التي يقول بها الاتجاه الليبرالي التقليدي على صعيد الصحة العامة والتعليم والضمان الصحي مع المحافظة على الخط اليساري العام وايضاً تحبيذ الاسواق القوية وتشجيعها. البعض الاخر لا يقبل بهذه الصيغة الهجينة، ويرى بان التزام الاحزاب اليسارية بالحقوق الاجتماعية للمواطنين يقتضي منها تحديداً اكبر لدور الاسواق وسيطرتها وتبني تنمية سليمة ودائمة تشجع التفتح الانساني، ويدعو انصار هذا التوجه الى نوع من التآلف بين الامم الكبرى وحركات الدفاع عن حقوق المرأة والمدافعين عن البيئة وتوحيد جهودهم على المستوى المحلي بقصد النجاة من هيمنة القوة الرأسمالية العظمى الامريكية التي لا تتسم بنظرهم بأية نزعة انسانية، ويقترب هذا الطرح بوضوح من الاتجاه لعالم ثالثي، الذي تشهده المجتمعات الغربية المتقدمة ويندد اصحابه بتزايد الهوة بين الاغنياء والفقراء في العالم وحيث ان العولمة بصيغتها الليبرالية الجديدة المتطرفة تساهم بزيادة غنى الاغنياء وفقر الفقراء. وتشكل العلاقة بين السوق والقيم السائدة مركز اهتمام بعض المساهمين في هذا الكتاب حيث يؤكدون على ضرورة تغليب السياسة على الاقتصاد. وفي حين يقرّون بالدور الايجابي الهام للاسواق خاصة في مجال تأمينها للسلع والخدمات الضرورية فإنهم يدافعون، بالمقابل بضرورة عن اهمية القيم الديمقراطية التي لا علاقة لها ابداً بالاسواق. ويخشى هؤلاء من ان يترتب على القوة الحالية المتعاظمة للتيار الليبرالي الجديد معايير سوق يساء استخدامها كمقياس لتقييم الاهداف الجماعية للديمقراطية. ويؤكدون بان الانظمة التي استطاعت الجمع بين اسواق قوية والمحافظة على القيم الديمقراطية الاصلية انما قدّمت اكثر مما قدمته النظم الليبرالية المتطرفة على صعيد المشاركة في العملية الديمقراطية من قبل شرائح معينة تضم النساء والعمّال والاقليات الذين لا يملكون قوة تأثير حقيقية في مجتمعاتهم. ولكن تبقى في جميع الحالات مسألة معلقة تخص قدرة اي نموذج من النماذج الديمقراطية سيكون اكثر قدرة على احتواء التوجه الزائد نحو الاستهلاك والذي اصبح من الخصائص الشائعة اليوم في جميع المجتمعات القائمة على سياسة السوق.. واقتصاد السوق. لقد كان هناك افتراضاً شائعاً يؤكد على ان الحياة الاجتماعية وخاصة في جانبها المتعلق بالمساواة انما هي ذات صيغة متماثلة في جميع الديمقراطيات المتقدمة. ان «ايان انجوس» الاستاذ الجامعي لعلم الاجتماع، لا يتفق في مساهمته بهذا الكتاب، مع هذا الرأي ويقول انه على الرغم من ان نسبة اجمالي الناتج القومي، في معظم الديمقراطيات المتقدمة، المكرّس للبرامج الاجتماعية والتي تهدف في اساسها الى القضاء على التباين الكبير بين طبقات المجتمع، فإن تفاوتاً كبيراً قد بدأ بالظهور منذ بداية عقد الستينيات. واتسع هذا التفاوت خلال الثمانينيات والتسعينيات عندما تم انتهاج سياسة وطنية خاصة تختلف كثيراً عن بعضها البعض. ويتم التأكيد في هذا السياق بأن العولمة قد ساعدت على زيادة الفوارق داخل المجتمعات وفيما بينها وذلك من خلال رفع الحواجز بين الدول وانتقال السلع ورؤوس الاموال والخدمات، مع غياب اي تحضير حقيقي لمواجهة تأثير مثل هذه السياسات على الصعيد الاجتماعي، ويؤكد الكاتب، بهذا الصدد، على ان حكومات شمال اوروبا وغربها، وعلى مختلف مشاربها الايديولوجية استطاعت ان تحافظ على التزاماتها المتعلقة بالحقوق الاجتماعية التي تعهدت بمراعاتها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وحدا على الرغم من مواجهة الضغوط الشاملة والمشتركة للحد من نشاط النقابات العمالية، لقد اصبحت الحقوق الاجتماعية بمثابة جزء لا يتجزأ من مواصفات المواطنة. غير ان هذه الحقوق قد اصبحت الان هشة في الديمقراطيات الانجلوامريكية التي اصبحت مأخوذة بالافكار الليبرالية الجديدة الخاصة بالضرائب والبرامج الاجتماعية. ويتفق عدد من المساهمين في هذا الكتاب على وجود تشابه كبير قائم بين كل من الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا. وفي معرض دراسة الحالات تؤكد جانيت جينسون، استاذة العلوم السياسية في جامعة مونريال، على انحراف السياسة الاجتماعية في كندا بالقياس الى ما كانت عليه في اعقاب الحرب، ففي حين كانت هذه السياسة تتضمن في بدايتها حقوقاً اجتماعية ترمي الى خلق المساواة في كل شئون الحياة من رعاية صحية وتأمين ضد البطالة وعلاوات اجتماعية للاسرة واجراءات تهدف الى تخفيف العبء عن الشرائح الأكثر بؤساً في المجتمع، فإن هذه الاجراءات لم تؤد في النهاية الى تحقيق الهدف الاكبر وهو المساواة، بل انها اخذت مؤخراً تنحرف عن مسارها باتجاه الخط الليبرالي الجديد الذي يركز على الفردية وتساوي الفرص رغم عدم تساوي المداخيل، كما ركّزت السياسة الجديدة ايضاً على الاطفال واغفلت التأثير السلبي لذلك على الكبار الذين كانوا يتمتعون في الماضي بما تفرضه السياسات الاجتماعية مع دور نقابات العمال والنساء والطبقة الفقيرة في المجتمع. وتؤكد ارمين يالنيزيان، الباحثة الاقتصادية، على عدم المساواة في اطار النموذج الكندي، وتخلص من تحليلاتها الى استنتاجين رئيسيين للتجربة الكندية. الاستنتاج الاول يتمثل في القول بان ارتفاع معدل الاداء الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة الى تزايد اللامساواة او نقصانها، ذلك ان السياسة التي تنتهجها الحكومات في المجال الاجتماعي والضرائبي هي التي تؤثر فعلياً على النتيجة. فخلال الفترة الواقعة بين 1989 و 1993 ضاقت الفجوة بين الاغنياء والفقراء في حين اتسعت هذه الفجوة ما بين 1993 و 1997، وكان تدخل الحكومة هو العامل الحاسم في هذا التغيير. اما الاستنتاج الثاني الذي تم استنباطه من الاحصائيات فهو يدل على عدم وجود اية قاعدة اقتصادية يمكنها ان تفسر العلاقة بين اداء السوق وتوزيع الدخل، ولذلك لا تقرر الكاتبة ما يقوله الكثيرون من ان دور الاسواق في الديمقراطية المتقدمة هو الذي يحدد الامور ومساراتها، انما الذي يحدد ذلك فهو بالتحديد السياسات الحكومية. وتطرقت السيدة بربارة اهرنرايتس، الصحفية الامريكية ومؤلفة العديد من الكتب حول الدور الاجتماعي للطبقة الوسطى في المجتمعات المتقدمة، للتجربة الامريكية في عهد الرئيس الامريكي السابق بيل كلنتون، وتؤكد بان برنامجه الخاص بالضرائب والاصلاح جاء بنتائج سلبية بالنسبة للمواطن العادي والفقراء على حد سواء، حتى ان عدم المساواة بلغت حداً لم تبلغه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن المعروف ان الرئيس كلنتون كان قد كلف زوجته السيدة هيلاري في بداية ادارته الاولى بتحضير برنامج اجتماعي يرمي الى تأمين التغطية الصحية لاغلبية شرائح المجتمع الامريكي، لكن هذا البرنامج لم يكتب له النجاح. بل على العكس اضرّ برنامج الرئيس كلنتون بالنساء والاطفال بشكل خاص الى جانب اثاره السلبية بالنسبة للاعتمادات المالية التي تم تخصيصها للتعليم وتحسين الاجور والمعاشات والخدمات الصحية التي تدهورت احوالها بدرجة كبيرة. وتناولت السيدة روث لستر. استاذة السياسة الاجتماعية في جامعة لوجبورج، في بريطانيا، الاصلاحات التي انتهجها رئيس الوزراء البريطاني الحالي. وترى بان بريطانيا شهدت في الثمانينيات اعلى معدل لعدم المساواة في بلدان الديمقراطيات المتقدمة. وتشير الاحصائيات الى ان معدّل الفقر قد ازداد منذ انتخاب السيدة مرجريت تاتشر عام 1979 بنسبة 150% في حين ارتفع دخل الاثرياء بنسبة 70% وكان السبب وراء هذا بالطبع السياسة التي انتهجتها رئيسة الوزراء. اما بالنسبة للسياسة التي يتبعها توني بلير. فانها تبدو سياسة ايجابية وسليمة في حين يرى اخرون بانها تعاني من عدد من نقاط الضعف الجوهرية التي تزيد من مشقة اللامساواة. ان رئيس الوزراء البريطاني لا يتحدث عن العدالة الاجتماعية في معالجته لمسألة المساواة، وانما يتحدث عن اندماج الافراد في المجتمع من خلال العمل، الامر الذي يبدو في نظر الكثيرين بمثابة طريق غير سليم لمعالجة الامر، بل يمكن ان يؤدي الى عكس النتائج المرجوة. في القسم الاخير من الكتاب يتحدث المساهمون عن ثلاث مسائل رئيسية تتعلق باللامساواة في المجتمعات الديمقراطية وهي دور وسائل الاعلام ـ الميديا ـ المملوكة من قبل القطاع الخاص في تكوين الرأي العام حيال قضايا اللامساواة، ويتم التأكيد بهذا الشأن على ان وسائل الاعلام لا تقوم بالدور المطلوب منها، بل تهتم بمسائل جانبية وبمتاهات ايديولوجية في اكثر الاحيان، والمسألة الثانية تتعلق بموقف الرأي العام في عدد من الديمقراطيات الغربية في نهاية القرن العشرين، وحيث تبين استطلاعات الرأي بأن الاوروبيين يميلون الى ترجيح تدخل الحكومات للقضاء على اللامساواة في حين ان غالبية الامريكيين ترى ضرورة ابتعاد الدولة عن التدخل في شئون المجتمع. والمسألة الثالثة والاخيرة تخص اهمية توزيع الثروات المالية بالنسبة للدول الديمقراطية قياساً بمصادر الدخل الاخرى حيث يتم التأكيد على ان الحكومات تشجع القطاع المالي اكثر من القطاعات الاقتصادية الاخرى. هذا الكتاب يتضمن ايضاً رسالة يتفق عليها جميع المساهمين فيه وهي ان تكون المساواة هدفاً لجميع الحكومات الديمقراطية حتى ولو كانت الاحزاب السياسية في وسعها الفوز بالانتخاب دون الالتزام بتحقيق مثل هذا المبدأ