بيان الكتب: مؤلف هذا العمل هو كاتب فرنسي سبق له وقدم حوالي ثلاثين كتاباً من بينها «خيانة الأنوار» واستبداد المتعة» و«اعادة صياغة العالم» وهو يناقش في مجمل أعماله العلاقة بين النزعات الانسانية ومسارات التطور الاجتماعي. في هذا الكتاب الجديد «مبدأ الانسانية» يطرح المؤلف مسأة النزعات الانسانية في المجتمعات المتقدمة المعاصرة وما يحدث فيها من اخطار على الرغم من الاطروحات المتكررة بكل مناسبة حول ضرورة احترام حقوق الانسان، وبهذا المعنى يمكن ان يبدو هذا الكتاب بمثابة دعوة للمقاومة أمام حالة «التشيؤ» المعممة وحيث أصبحت كل المبادئ بمثابة أشياء وأصبح كل شيء معروضاً في «السوق». في هذا السياق فقدان جزء أساسي من سلم القيم يطالب «جان كلود غيوبو» بالعودة إلى مرجعيات تعود إلى أكثر من قرنين من الزمن، أي العودة إلى أفكار «عصر التنوير» الذي كان قد خصه بأحد أعماله الشهيرة، وكذلك العودة إلى الاطروحات الفلسفية ذات النزعات الانسانية، وذلك كسلاح في مواجهة «البربرية الناعمة» التي تهدد الانسان في أغلى ما يملكه، أي انسانيته، يقول بهذا الصدد «من جديد أرى بربريات ممكنة تعتمد على تطور العلم» ان المؤلف يؤكد على مدى صفحات هذا الكتاب على ضبابية الآفاق التي تتجه نحوها مسيرة التقدم العلمي الذي أصبح من المطلوب العمل من أجل السيطرة عليها. ان المسيرة الانسانية في المرحلة الراهنة من تطورها تبدو كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب على مفترق الطرق، وبالتالي من الملح والضروري بالنسبة لها ان تشحذ أدوات المواجهة أمام الزحف القادم لمختلف مشارب البحث العلمي من «البيولوجيا الاجتماعية» إلى التجارب الخاصة بالعلوم المتعلقة بالمورثات وبالاستنساخ وكذلك في ظل الأوهام المحيطة بمقولات حقوق الانسان الشائعة والتي ساد الاعتقاد معها بأن شبح الحروب قد ابتعد ومعه جميع أنواع «الغطرسة الأيديولوجية» لكن الواقع، وكما يرسم المؤلف ملامحه يوحي بأن العالم على قاب قوسين أو أدنى من امكانية مواجهة حالة من التدهور لم يشهدها منذ أكثر من نصف قرن. العالم يواجه إذن أخطاراً كبيرة، لكنها أخطار لها خصوصيتها هذه المرة، إذ كل شيء يتم بنعومة، وبـ «قفاز من حرير» بفضل المختبرات التي يبدو ان الكثير من باحثيها يريدون عدم الابقاء على أي سر يتعلق بالانسان وبالتالي النظر إلى الدماغ الانساني على انه مجرد آلة تعمل مثل «الحاسوب» وعالمه «الرقمي» لكن بالمقابل لا يرى علم المورثات بكل فروعه في هذا الدماغ الانساني سوى مجال للتجارب تمكن مقارنته مع الدماغ الحيواني تماماً، ان هذا كله قد لا يكون خطيراً بحد ذاته، حسب رأي المؤلف، لو لم يخف وراءه صناعة «بيوتكنولوجية» تنتشر أكثر فأكثر على قاعدة السعي لتحقيق هدف واحد هو الربح المادي وكأن الأمر يتعلق بتجارة مثل غيرها، ولكن أيضاً تحت غطاء المضي أكثر في طريق التقدم. ان المؤلف يناقش مفهوم «الانسان الآلة» على ضوء «الثورات» الثلاث التي تشهدها الانسانية اليوم، والمتمثلة حسب تصنيفه بالثورة الاقتصادية كأحد نتائج العولمة واقتصاد السوق المفتوح، والثورة الرقمية كما يبدو في عالم الاتصالات ووسائل الاعلام والثورة في ميدان علم المورثات والتهجين ـ الثورة الجينيطيقية ـ وحيث ان آثار هذه الثورات تتضافر فيما بينها لتضاعف من فعاليتها، أما النتيجة الملموسة لهذا كله فيحددها مؤلف هذا الكتاب بالقول ان «مبدأ الانسانية» قد أصبح خاضعاً لمقولات الربح والخسارة، ولها فقط حسب منطق أغلبية الاخصائيين «العلميين» لكن إذا كان العلم يتقدم بخطوات عملاقة فإن المنظومات الاخلاقية تنكفئ وتتراجع. ويركز مؤلف هذا الكتاب على عبثية النقاش الدائر حول مفهوم التقدم بين مؤيديه ومعارضيه ويرى انه يحتوي على قدر كبير من الديماغوجية، بل ويصف الخطاب الاعلامي السائد بـ «الخفة» الكبيرة عندما يتعرض لما يسميه بـ «المسألة الانسانية الجديدة» ان تعبير «المسألة» هنا يعني الى حد كبير الاشكالية، كما كان قد تم الحديث مثلاً ذات يوم عن «المسألة الشرقية» أما تعبير «الانسانية» فقد أصبح يعني في سياق الحقبة الراهنة بعيداً عن مرجعيته الأساسية أي «الانسان» ليدل على الكياسة والظرافة والأدب إلى غير ما هناك من سلسلة التوصيفات ذات الطبيعة «الأخلاقية» وبكل الحالات تنتمي كلها إلى العالم القديم» ويلاحظ المؤلف ضمن هذا الاطار وبكثير من الغرابة موقف «الصمت» الذي يتخذه رجال السياسة في الغرب بشتى مشاربهم الايديولوجية حيال تساؤلات مطروحة على المجتمع وتخص منظوماته «البيولوجية ـ الأخلاقية» وهي تساؤلات كان يمكن ان تعبئ حتى فترة قريبة خلت كل القوى الاجتماعية. يقول المؤلف عن هؤلاء السياسيين بأنهم يصمتون في أغلب الأحيان، أو انهم يبتعدون عن الحديث في الموضوع ـ يتسترون بالحائط ـ وكأن المسألة المطروحة صعبة جدا بالنسبة لهم. ان هذا «البؤس» في المواقف المتخذة يعدو «كما يقول المؤلف» إلى عدة أسباب رئيسية من بينها «تعقيد المشاكل المطروحة وغموض وجهات النظر المقدمة يوماً بعد يوم للجمهور العريض»، وهناك أيضا «تعدد وتنوع الأسئلة المطروحة وهشاشة الحلول المقدمة، إذ ورغم تقدم المعارف فإن «الرهانات الحقيقية» ليست واضحة تماماً للجميع، «ان النصوص تتكاثر وتتداخل وتتناقض إلى درجة انه يصبح من الصعب استخدامها» يقول المؤلف. ويضيف: «إذا كان الكثير من الحقوق يقتل الحق، فإن الكثير من الكلام يقتل الكلام، وذلك مهما كانت نية المعنيين به طيبة ومهما كانت كفاءتهم، الحقيقة الثاتبة التي يتم التأكيد عليها هي ان العالم يتقدم «جماعياً» نحو منطقة ظليلة غير واضحة المعالم». بالاضافة إلى ذلك تأتي بعض القرارات القضائية لتزيد الموقف غموضاً وتشوشاً مثل تلك التي تم اتخاذها حول مسألة «الأمهات الحاضنات» و«بنك الأعضاء البشرية» و «مسألة مساعدة المرضى الذين يعيشون بشكل اصطناعي على وضع حد لحياتهم» و «الاستنساخ» ..إلخ. ويقدم المؤلف نماذج من القرارات التي اتخذتها عدة دول غربية مثل فرنسا التي قرر أحد قضاتها في شهر نوفمبر من عام 2000 تعويض شاب معاق مبلغاً كبيراً من المال لأن الطبيب المداوي لأمه أثناء حمله لم يتوصل إلى تشخيص مرض الحصبة التي كانت تعاني منه والذي كان وراء الاعاقة الجسدية التي يعيش معها الوليد، على هذا الاساس وبعملية قياسية بحتة قد يتعرض أي طبيب مستقبلاً إذا لم يساعد مريضاً ميئوساً منه على وضح حد لحياته. ويرى المؤلف بأن أخطر ما تواجهه العدالة في الحقبة الراهنة هو ان تجد نفسها مطالبة بتقديم احكام قاطعة في وقت يكون المجتمع فيه لا يزال بعيداً عن ان يكون هو نفسه قد كون رأياً واضحاً حول المواضيع المعنية. ويبدو صدى المسيرة «المترددة» في الصحافة ووسائل الاعلام الغربية وغيرها والتي تفتقر إلى أية خطة متكاملة أو واضحة حيال مسألة التقدم على صعيد العلوم والتقنيات وانما تعالج كل انجاز علمي جديد وكأنه منفصل عن سياقه. يقول المؤلف: «ليس من السهل تبين كيف يمكن للنقاش الديمقراطي ان يعالج المسائل الصعبة إذا كان المثقفون والقوى السياسية تفتقد إلى الارادة القوية والتصميم، ويزيد من تعقيد الأمر واقع السرعة الكبيرة والمتزايدة باستمرار لتطور التكنولوجيا الحديثة في ميادين ذات حساسية شديدة على صعيد المنظومات الاخلاقية، ثم ان الباحثين انفسهم هم أول من يعبرون عن قلقهم أمام «الفوضى الذهنية» المرتبطة بسرعة تقدم المجال الذي يعملون فيه. وينقل المؤلف عن عالم المورثات البلجيكي «جيلبيرفاسار» قوله: «ان حالة الهلع تأتي من واقع عدم امكانية تعلم كل شيء وادراجه في الوقت نفسه في المنظومة الذهنية. ان كمية المعلومات المقدمة غدت أكبر من امكانية استيعابها. وهل سيكون ممكنا في المستقبل القريب جمعها كلها في كل «متناسق بحيث سنكون قادرين على فهم تداخلاتها؟». ومن الأفكار الرئيسية التي يطورها المؤلف في هذا الكتاب فكرة اختلاف واحيانا تنافر بل تناقض السياسات الثقافية الأوروبية فيما بينها، انه يؤكد بها تباينات في العمق حول مواضيع علمية راهنة مثل التساؤلات حول المسائل البيولوجية ـ الأخلاقية، ففي الوقت الذي تبدي فيه بريطانيا مثلاً حماسها لما يتعلق بعلوم الأحياء نجد ان ألمانيا وبسبب تاريخها تبقى ذات «حساسية بالغة» حيال كل ما يمت بصلة لهذه العلوم، وهذا قد يطرح بدوره بعض التساؤلات حول فكرة «القيم الأوروبية المشتركة» التي يقوم على أصلها البناء الأوروبي، والمشكلة ليست صغيرة بل هي مطروحة بشكل جدي على المؤسسات الأوروبية المشتركة، مستقبلاً. يقول مؤلف هذا الكتاب:«ان التمايزات في أوروبا على أساس المفاهيم الاخلاقية قد وصلت إلى درجة لا يمكن طمسها ضمن اطار البناء الأوروبي ان العلم والأخلاق يهزان عالم السياسة إلى درجة ان جميع المعطيات متوفرة كي تشهد على المدى القصير أو المتوسط نشوب أزمة غير مألوفة كثيراً في تاريخ المؤسسات الأوروبية. في المرحلة الراهنة يبدو ان أوروبا السياسية تفضل «تخدير» مثل هذا النقاش الهام وقبل الخوض به عملياً «ان النعامة الأوروبية تضع رأسها في الرمل» كما يقول مؤلف هذا الكتاب ليؤكد ان «المرجعية الأوروبية» التي يتم ابرازها في الخطاب السياسي الراهن القائم على أساس «القيم المشتركة» تجعل من الصعب النظر وبتمعن عن قرب إلى «مضمون» هذه القيم، وهذا ما يرى به مؤلف هذا الكتاب «تعقلاً دبلوماسياً» حول قضايا جدية وينم عن سلوك فيه الكثير من التناقض وربما ان التاريخ سيكون قاسيا ذات يوم. في المحصلة النهائية يرى مؤلف «مبدأ الانسانية» بأن العالم يواجه اليوم تبدلات خطيرة وثورات ثلاث اقتصادية ورقمية وبيولوجية ـ جينيطيقية، تتداخل وتتفاعل لتشكل منظومة واحدة ينبغي مواجهتها على أساس انها «كل» واحد ومحاولة «فهمها» على هذا الأساس