بيان الكتب: جاك جينيرو، مؤلف هذا الكتاب هو استاذ جامعي لمادة الاقتصاد في مدرسة العلوم السياسية العليا في باريس وهو ايضا رئيس الجمعية الدولية للاقتصاد الانساني له العديد من المؤلفات في هذا الميدان كما ساهم ايضا بالكتابة في المجلات والدوريات الاقتصادية المختصة وله ايضا بث اذاعي يومي في فرانس كولتور، احداهم وسائل الاعلام المسموعة في فرنسا اليوم. في هذا الكتاب «قوانين الاقتصاد الحقيقية» يعالج المؤلف وكما يبدو بوضوح من العنوان مختلف الافكار السائدة حول الاقتصاد وآليات عمله.. وهو يقوم في الوقت نفسه بعودة تاريخية الى حوالي ثلاثة قرون خلت اي الى فترة الازدهار الذي ولدته الثورة الصناعية الاولى التي تمثلت خاصة باختراع الآلة البخارية والمحرك الانفجاري والكهرباء، بالنسبة للبلدان الغربية بشكل خاص ومن خلال هذه العودة يرى بأن النتائج التي توصل لها الباحثون الاقتصاديون، والتي تلقى اكبر قدر من القبول بالقياس الى غيرها من النتائج خلال القرون الاخيرة لا تعطي قدرا اكبر من المصداقية الى الاطروحات الليبرالية الجديدة «السائدة اليوم» او لجميع الصيغ التي عرفتها خلال مسيرتها الطويلة. بل ان «جاك جينيرو،» يؤكد بانها تذهب في اكثر الاحيان بالاتجاهات المعارضة الى هذا القدر او ذاك مع قوانين الاقتصاد الشهيرة. ان المؤلف يقوم اولا بعملية نقد مفصلة وموثقة بالاعتماد على العديد من الدراسات والاحصائيات للنظريات الاقتصادية السائدة.. ويرى بأن العديد من هذه النظريات هي ذات طبيعة تبسيطية ولا تلم بالآليات الاقتصادية بمجملها وبكل تعقيداتها بل ويذهب الى حد القول بأن هذه النظريات انما هي «مفروضة اكثر مما تفرض نفسها» وهو بهذا المعنى يبدو وكأنه يريد ان يضع القاريء في موقع الناقد الحذر، او هكذا ينبغي ان يكون برأيه، حيال الافكار التي يتم تقديمها له.. وبما فيها بل وعلى رأسها الكثير مما يقال اليوم حول العولمة والليبرالية الجديدة في ظل اقتصاد السوق وبالتالي ينبغي حسب رأي المؤلف دائما، عدم القبول سريعا ببعض اشكال الخطابات السائدة التي تقول بانها تملك الحلول لجميع المشاكل المطروحة، ويضيف المؤلف في خانة مثل هذه الخطابات تلك التي تجد جذورها في كتابات الاقتصادي الفرنسي اوغست والراك الذي عاش في القرن التاسع عشر وعرض نظرياته الاقتصادية في كتاب يحمل عنوان «حول طبيعة الثروة وأصل القيمة»، والذي يشرح فيه «القيمة» بالاعتماد على «المردودية» وكان أول من طبق قوانين الرياضيات على الوقائع الاقتصادية. وقد تبعه على خطاه ابنه «ليون ماري والار» الذي كان هو الآخر باحثا اقتصاديا شهيرا وقال بمنظومة اقتصادية تجمع بين «المنافسة الحرة» و«العدالة الاجتماعية». وضمن المنهج نفسه من التفكير يوجه المؤلف انتقاده للنظريات الاقتصادية القائلة بـ «التوازن العام»، لكن هل يمكن في واقع الأمر ادانة السوق بحجة ان النظريات التي تحكم آليات عمله هي «تبسيطية» هذا في الوقت الذي تتبنى فيه جميع العلوم عملية «تجزئة» الواقع من أجل امكانية فهم كنهه؟. هذا ما تثبته على الأقل التجربة الانسانية كلها. لكن وبمقابل نقد العديد من الاطروحات الاقتصادية، يتحدث المؤلف طويلا عن فضائل «الكنزية»، أي بالنسبة الى الـ «جان مايار كنزي» الاقتصادي البريطاني الشهير والذي كانت الحكومة البريطانية قد كلفته مرات عديدة بمهمات كبيرة. ومن بينها تعيينه موفدا الى مؤتمر السلام في فرنسا عام 1919، أي عند نهاية الحرب العالمية الاولى، لكنه استقال من هذه المهمة احتجاجا على بنود معاهدة فرساي حيث انكب على تأليف عمليه الرئيسيين، اي «دراسة النقد» و«النظرية العامة للاستخدام، والفائدة والعملة». واذا كان من غير المشكوك فيه بأن «كنزي» هو أحد اهم الاقتصاديين في القرن العشرين، فانه يمكن القول بأن النتائج التي ترتبت على نظرياته لم تكن على مستوى حماس تلاميذه ومريديه. وفي السياق نفسه يمكن القول أيضا بأن العديد من الظواهر التي استجدت في ميدان «الاقتصاد الحديث» لا تتماشى مع مبادئ «الكنزية» مثل ظاهرة «البطالة» التي تعاني منها أغلبية مجتمعات الدول المتقدمة. ولعل الفصل الأكثر أهمية في هذا الكتاب هو الذي يعالج فيه المؤلف المواضيع الاقتصادية على الصعيد الاخلاقي، وذلك انطلاقا من مسألة «اللامساواة»، وحيث يشرح الآليات التي تجعل من الاثرياء أكثر ثراء ومن البؤساء أكثر بؤسا في ظل «اقتصاد السوق» و«العولمة». ومن المعروف في هذا الصدد بأن الاقتصاد ليس مجرد تأمل حول الانتاج وانما كان ايضا منذ الاصل تأملا حول «توزيع الثروة». ان هذه العلاقة بين «الانتاج» و«توزيع الثروة، تشكل الخلفية التي تقوم عليها الازمات الاجتماعية. هذا لا سيما وان المجتمعات المعنية تقبل بوضوح مسألة التفاوت بين أبنائها. وعلى أساس ان يظهر هذا التفاوت على صعيد المداخيل والثروات التي يمتلكها الافراد. ان القبول بمثل هذه اللامساواة على الصعيد الاقتصادي انما تتم ترجمتها بشكل مباشر، وعلى اساس ارتباط النتائج بالاساليب التي مهدت لها، بنوع آخر من اللامساواة، وانما هذه المرة على الصعيد الاجتماعي.. هذا مع الاشارة الى ان المجتمعات الغربية الديمقراطية المعنية انما تعطي في الواقع نوعا من المساواة في «الحظوظ» ولكن من نقاط انطلاق اقتصادية مختلفة. ان هذا الكتاب يفتح باب النقاش حول العديد من الاشكاليات الجوهرية المطروحة اليوم حيال التوجه نحو اقتصاد السوق.. ويرى المؤلف بأنه من المطلوب تطوير مثل هذا النقاش وتوسيعه كي يطال القضايا الاجتماعية بل ويطال صلب الحياة السياسية. اقتصاد ... ومجتمع ... وسياسة