بيان الكتب: يعد «جون دان» مؤلف هذا الكتاب هو أستاذ النظرية السياسية في جامعة كامبردج اعتباراً من عام 1987، وهو أيضاً زميل في «كوليج كينجز» بكامبردج أيضاً منذ عام 1967، وكان قد عمل لسنوات استاذاً زائراً في العديد من الجامعات الأمريكية ، والكندية والايطالية، كما عمل أيضاً في غانا والهند واليابان، وهو زميل عضو في الاكاديمية البريطانية وكذلك عضو فخري في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. له العديد من الكتب التي جرت ترجمة أغلبيتها إلى اللغات الأجنبية الحية (13 لغة) ومن بين مؤلفاته: «النظرية السياسية الغربية في مواجهة المستقبل» و«الديمقراطية: الرحلة الناقصة» ويساهم المؤلف أيضاً بالكتابة في العديد من الدوريات الأمريكية والعالمية المختصة. ما هي السياسة؟ وما هي وسائل فهمها؟ وإلى أي مدى يمكن ادراك مغزاها؟ وأسئلة أخرى حول نفس الموضوع ولكن من زاوية أخرى مثل: «لماذا تصيبنا السياسة دائماً بالاحباط؟ ولماذا تنعش السياسة فينا الآمال التي لا تتحقق إلا نادراً، هذا إذا لم يكن أبداً؟ هذه هي الأسئلة التي يطرحها «جون دان» في هذا الكتاب «دهاء الجنون» صناعة معنى السياسة، ويحاول بالتالي الاجابة عنها. ان «الاحباط الذي يلازم السياسة هو كما يقدمه المؤلف مزيج من الهلع والمفاجأة، هذا فضلاً عن انها عالم يثير الدهشة، ويكفي ان يفهم المرء السياسة بشكل أفضل كي تكون دهشته أقل، وهي لا تقل فقط، وإنما يقل تكرارها أيضاً، ومن هنا ينطلق «جون دان» في الفصل الأول من كتابه في شرح رؤيته لمعنى السياسة، حيث يبدو بوضوح أسلوب الاستاذ الجامعي الأكاديمي، انه يبدأ أولاً بالاعلان عن «خشيته» من مقاربة مثل هذا الموضوع إذ انه ليس واثقاً من انه يعرف ما هي السياسة أي معرفة ما يسعى إلى فهمه، ويرى ان ذلك ليس بالأمر اليسير بل انه في الواقع امر مستحيل إذ كيف يمكن للمرء ان «يعرف» ما يسعى إلى فهمه، ان الفهم لابد وان يسبق المعرفة، بالمعنى المطلق وبالطبع لابد لأي فهم من معرفة مسبقة انها الحلقة التاريخية «الفارغة» بين السبب والعلة. ثم قد يكون لأي انسان مفهومه الخاص في السياسة ولمعناها لكن قد لا يكون هناك من يمتلك «الحقيقة» الشاملة، لهذا المفهوم النسبي والذاتي أيضاً إلى حد كبير ويرجع السبب في ذلك، كما يرى المؤلف الى ان قناعات الانسان التي يراها معقولة بالنسبة لمعنى السياسة كانت دائماً متباينة، وقد كان الأمر هكذا باستمرار لقرون خلت وسيظل أيضاً كذلك لقرون مقبلة، من هنا يمكن القول بأن أي فهم لمعنى السياسة لا يكون سوى مجرد رأي بين آلاف الآراء. ويحدد المؤلف حاجة ثانية لشرح معنى السياسة تتمثل في معرفة أسباب وجودها أصلاً وعدم استطاعة أي انسان تفاديها، وبهذا المعنى يرى ان السياسة هي بمثابة حلقة لا تنتهي من الصراع والبحث عن الفهم، ثم هناك أيضاً دافع آخر، حاجة ثالثة، يتمثل في محاولة معرفة أشكال السياسة اليوم، وعما إذا كانت هذه الأشكال تتسم بالثبات والديمومة أما انها قابلة للتغيير مستقبلاً في الشكل أو في المضمون. ما يؤكده المؤلف هو ان اجابات البشر عن الأسئلة المتعلقة بالسياسة على مدى العصور كانت اجابات متنوعة ومتناقضة، وإذا كان مفتاح السياسة يكمن في كيفية رؤية البشر لعالمهم وكيفية محاولتهم أقلمة هذا العالم حسب رغبتهم، فإنه من الضروري الحكم على كيفية رؤيتهم وآليات تكونها بشكل دقيق، وكذلك معرفة إلى أي مدى تكون الوسائل التي يسعون بالاعتماد عليها إلى تغيير هذا العالم، هي وسائل قابلة للتغير، لكن، وبما انه يصعب النظر إلى العالم بشكل دقيق فإن فهمه يكون عسيراً، وبالتالي يصبح التغيير أمراً غير ممكن. على هذا الأساس يخرج المؤلف بنتيجة مؤداها ان الخط الفاصل بين المعتقدات الحقيقية والمعتقدات الزائفة في عالم السياسة إنما هو خط ليس بالواضح والصريح. ويقدم المؤلف ضمن اطار محاولته لتعريف السياسة أو على الأقل لرسم اطار امكانية تعريفها عدداً من التعريفات القاموسية التي احتوتها المراجع البريطانية لمصطلح السياسة، ويقول بان أحد هذه التعريفات لهذه السياسة أنها العملية التي يتم من خلالها اتخاذ القرارات من قبل أفراد أو جماعات. ويشرح تفسير آخر السياسة بأنها تمثل دراسة كيفية اتخاذ القرارات أو كيفية وجوب اتخاذها، ويعتقد مؤلف هذا الكتاب ان هذين الرأيين كانا بنظر القائلين بهما بمثابة «ثوابت» غير قابلة للنقاش، هذا على الرغم من ان كل منهما يحمل احكاماً مثيرة للدهشة، ففي الحالة الأولى هناك تناقض واضح بين القرارات الفردية والقرارات الجماعية، فالفردية يتم اتخاذها من قبل أفراد وأحياناً من أجل أفراد، وكثير من القرارات التي نتخذها في حياتنا اليومية لا نفكر فيها على انها قرارات سياسية، أما في الحالة الثانية، فإن القرارات الجماعية تبدو وكأنها نتاجاً لخيارات، لكن إذا كان معظم البشر في استطاعتهم العيش بشكل انفرادي أكثر مما يعيشونه في الواقع ـ إذا رغبوا ذلك ـ فإنه من المؤكد بالمقابل بأنه لا يمكنهم العيش بشكل أكثر انفراداً فأين هو إذن خيار جماعية القرار؟ ومن الآراء العديدة التي يطرحها المؤلف عن تعريفات السياسة هناك رأي يحمل الكثير من الحدة ومن تفريغها من أي بعد اخلاقي إذ يرى بأنها «فن حكم الناس عن طريق خداعهم». وهذا ما يجد صداه في مقولة شائعة تقول بأن «السياسي البارع» هو ذلك الذي يستطيع اقناع الآخر بعدالة قضية «زائفة» ثم ألم يتردد قول ان «الوعود» التي يطلقها السياسيون لا تلزم سوى أولئك الذين يستمعون لها. وفي فصل يبحث فيه المؤلف العلاقة بين السياسة، والحكم يقول بأن أحد أبعاد فهم السياسة اليوم يقوم على ادراك سبب اتخاذ الحكم للأشكال التي هو عليها الآن. وهناك أيضاً بعد آخر لفهم السياسة يتمثل في ادراك أسباب ونتائج هذه الأشكال القائمة، والعواقب المترتبة عليها بالنسبة للبشر المعنيين بها بحيث يمكن اتخاذ المواقف منها، وامكانية انبعاث الآمال في آفاق التغيير نحو الأفضل. ويميز المؤلف بين نوعين من الأفكار بشأن الحكم، يقوم الأول على رؤية الحكم كأنه عمل انساني يؤديه البعض لحشد القوى بغرض السيطرة على الآخرين، بما يعني ان هناك صراعاً دائماً بين البشر لامتلاك مفاتيح السيطرة أو لجعل الموازنة بين الحاكم والمحكوم أكثر عدلاً واعتدالاً، أما النوع الثاني فإنه يرى في الحكم وسيلة إلى خدمة الآخرين وتوفير احتياجاتهم وقيادتهم إلى الطريق السليم. لكن من أين تأتي «خيرات» السياسة أو «شرورها» ولماذا يؤكد البعض على صلاح حاكميهم وخيرهم بينما يعاني آخرون من الحكم الخاضعون له؟ في معرض الاجابة عن هذين السؤالين اللذين يترددان دائماً تقريباً يميز المؤلف بين «القوة» و «السلطة» وان كان يقول بأنه ليس هناك ما يفرض علينا استخدام أحد المصطلحين دون الآخر، ان القوة تعني كما يقدمها: «العلاقة بين ارادتين انسانيتين أو أكثر بحيث تسيطر احداهما لسبب أو لآخر على الارادة أو الارادات الأخرى» أما السلطة فتعني «العلاقة بين قيم انسانية يمكن تحديدها، كما انها تعبير عن فهم انساني وارادات يحددها هذا الفهم، ويؤكد المؤلف في محصلة التحليلات التي يقدمها بأن جميع الدول تنادي بـ «السلطة» لكنها تمارس «القوة». وفي محصلة التحليل الخاص بالدولة ومهمتها يقول بان الدول لديها دوافع ايديولوجية وبحيث ان هذه الدوافع ستبدو في البداية كنوع من «الخداع» لكنه خداع يليه الواقع والحقيقة كما يقول الكثير من المحللين «المحترفين» الذين يخالفهم المؤلف، بعد ان يعرض آراءهم، إذ يرى ان «التشخيص» الذين يقدمونه مجزوءًا لأن الواقع يفترض ضرورة تواجد «الخداع» و«الحقيقة» في الوقت نفسه السياسة هي في نهاية المطاف مزيج منهما. ان المؤلف وبعد عرضه المسهب لنظريات السياسة ومفاهيمها وتبدياتها على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول يتطرق لدراسة حالة عيانية في ممارسة السياسة تخص بريطانيا كدولة ابان حكم مرجريت تاتشر التي نجحت كرئيسة وزراء في التصدي لنقابات العمال القوية وفي خفض معدل التخضم، لكنها بالمقابل لم تنجح في رفع معدل النمو الاقتصادي. وقد قاس فشلها أو نجاحها على أساس البرنامج السياسي الذي كانت قد طرحته. لقد كان المحافظون هم الحزب السياسي الذي يخطط لكن العامل السياسي المؤثر والفعال كان هو مرجريت تاتشر نفسها التي جمعت «القوة والسلطة» في الوقت نفسه. وفي الختام يلخص المؤلف السياسة بأنها «توازن» بين الصراعات وتآلف بين أغراض انسانية، ثم ان توازن الصراعات والتآلف والتعاون بين أهدافنا والأغراض التي نسعى لتحقيقها إنما يتوقف على ماهية هذه الأغراض التي لا تكون دائماً متجانسة مثلها مثل احكام الانسان. ثم ان سياسة عالم يتزايد طابعه الرأسمالي انما هي أقل سوءًا مما يفترضه جوهر الرأسمالية نفسها، والتي اعادت صياغة المنظومات الاقتصادية بشكل شبه كامل، ويعيد المؤلف قوة الرأسمالية إلى كونها تقوم على اقناع الشعوب التي تطبقها بأنها تستطيع حمايتها اكثر من الايديولوجيات المنافسة، وانها تحترم مرامي هذه الشعوب بصورة لاتستطيع الايديولوجيات المعنية حتى ادعائها. أضف إلى هذا واقع ان الرأسمالية تقدم الوعود بأن للشعب دائماً فرصة المجيء بالبديل.. لكن وبكل الحالات تبقى هناك حاجة حتمية لـ «السلطة» ولعبة «السلطة» الرأسمالية مقبولة الآن من الشعوب التي تبنت منظومتها الاقتصادية.. لكنها ليست المصير المحتوم الوحيد، إذ هناك خيارات لا حدود لها. وما على البشر إلا ان ينتظروا عما إذا كانت الحكمة والتعقل سينقذان العالم ويجعلانه مكاناً آمناً لعيشهم خلال القرون المقبلة؟