بيان الكتب: الان دوهاميل هو صحفي فرنسي معروف، امضى اكثر من ثلاثين عاماً في العمل الاعلامي، التلفزيوني والاذاعي منه بشكل خاص، وكان قد قدّم بعض البرامج التلفزيونية الاخبارية والسياسية الاكثر شهرة في فرنسا مثل «ساعة الحقيقة»، و«اوراق على الطاولة». له ايضاً العديد من المؤلفات من بينها «جمهورية السيد ميتران» والرئيس الخامس ـ اي جاك شيراك، والسياسات الوهمية، اساطير السياسة الفرنسية».. الخ. في هذا الكتاب يرسم الصحفي «آلان دوهاميل» صورة الشخصيات السياسية في مواجهة عدسات التصوير التلفزيونية والذين قابل العديدين منهم وعلى جميع المستويات خلال العقود الثلاثة التي عمل فيها في التلفزيون الفرنسي، وهو يحاول ان يجمع بعض التفاصيل واللحظات الهامة في لقاءات كل منهم كي يخرج بعد ذلك بما يعتقده، السمات الشخصية المسيطرة لديهم، وهو لا يتردد في ان يؤكد بأن النتائج التي وصل اليها انما هي «نتائجه»، ويعبر عن وجهة نظره الخاصة وبالتالي هي «لا تلزم غيره». ويرى دوهاميل بان التلفزيون، ورغم عيوبه الكثيرة يشكل وسيلة هامة في الكشف عن الشخصيات الحقيقية لرجال السياسة، اذ امام العدسات تسقط الاقنعة واحداً وراء الاخر، كما يقول. وتضم الشخصيات التي قابلها، وكما صنفها، رؤساء جمهوريات ورؤساء حكومات وقادة احزاب ووزراء ونجوم فنيين.. وايضاً بعض الرؤساء والملوك الاجانب. ويعتبر الان دوهاميل، بان الجنرال شارل ديجول، كان اول من رأى في التلفزيون وسيلة للسلطة، حيث كان قد قال ذات يوم لوزير اعلامه الان بيرفيت، ما مفاده: استخدموا الاداة التي بيدكم، اي التلفزيون، ولكن استخدموها بوعي.. ولا تحاولوا اقناع المسئولين فيه، وانما اعطوهم اوامر واضحة. ان الصحافة ضدي والتلفزيون لي». باختصار وجد ديجول في التلفزيون اداة التأثير على الجماهير بامتياز، واذا كانت نسبة المتفرجين على التلفزة تبلغ 13% عام 1960 فانها وصلت الى 70% عام 1970. اما بالنسبة للرؤساء الفرنسيين الاخرين فقد بدا جورج بومبيدو الذي وصل الى السلطة بعد استقالة الجنرال ديجول عام 1969، بانه لم يكن يحب التلفزيون وعدساته ولم يكن يرى في واقع الامر سوى نشرات الاخبار وبعض البرامج السياسية المحدودة، لانه كان يرى به وسيلة يمكن ان تكون شديدة الخطورة، عبر الدعاية والتوجيه.. ويبقى خليفة بومبيدو، اي فاليري جيسكار ديستان هو «المحترف الاول للتلفزيون، اذ رأى به حليفاً لابد منه. ويصفه المؤلف بالقول: «كان المحترف الاول الكبير للتلفزة بين الساسة الفرنسيين وقد بقي باستمرار هو الافضل دائماً بنظري». واذا كان فرانسوا ميتران شخصية غير تلفزيونية وحيث ظل لسنوات طويلة لا يحس بانه على طبيعته فيه، فانه قد اصبح بعد سنوات الخبرة فناناً بتعامله مع التلفزة وقد كان في الوقت نفسه ديمقراطياً، في تعامله مع الصحافيين الذين كان يقبل دعواتهم للمشاركة في برامجهم.. وحيث كان يتميز باستمرار بثقافته الواسعة التي يوظفها في الاتجاه الذي يخدم مصالحه ومراميه. ان «آلان دوهاميل» لخص رأيه بالرئيس الحالي جاك شيراك من حيث تعامله مع التلفزيون بالقول بانه لم يكف لامعاً كجيسكار ديستان ولم يكن فناناً مثل فرانسوا ميتران، ويقارن بهذا الصدد بين اللقاءات التلفزيونية اثناء الحملات الانتخابية بين ميتران وجيسكار ديستان، ثم بين ميتران وجاك شيراك.. وحيث يرى بان جيسكار، كان هو دائماً الافضل. اما بالنسبة للرؤساء والقادة الاجانب فإن المؤلف يؤكد بان التلفزيون الفرنسي لم يكن ابداً مضيافاً ومنفتحاً عليهم وحيث كانت اغلبية الذين اجرى مقابلات معهم هم من الاوروبيين بالاضافة الى بعض الاجانب ومن بينهم بعض القادة والرؤساء العرب. ويقوم المؤلف هنا ببعض التصنيفات لطبيعة اللقاءات التي اجراها حيث يرى بمقابلته لكل من الرئيس ياسر عرفات وامبراطور افريقيا الوسطى السابق بوكاسا بأنها كانت بمثابة مغامرة، اما مع الملك المغربي الراحل الحسن الثاني والرئيس المصري الراحل انور السادات فقد كان اللقاء مسرحياً الى درجة كبيرة، بينما كانت لقاءاته مع المستشار الالماني السابق هلموت كول والسيدة مرجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة «هامة سياسياً». ولم تكن هناك مع السيدة تاتشر اية لحظات ضائعة حيث انها كانت تجيب مباشرة وبدقة هذا فضلاً عن حضورها الفيزيائي الطاغي، والفعال، بحيث ان اللقاء معها كان يشابه كثيراً اللقاء مع المستشار الالماني السابق هلموت شميث الذي كان يتمتع هو الاخر بحضور ذهني حاد وكان معجباً جداً بالرئيس الفرنسي جيسكار ديستان «تلفزيونياً» وكان مثقفاً على طريقة فرانسوا ميتران. ويرى المؤلف بان التواصل اكثر بساطة مع خليفة شميث في المانيا، اي هلموت كول، مع تمتعه هو الاخر ببعد ثقافي هام بينما يتمتع المستشار الالماني الحالي، جيرهارد شرويدر، بقدر كبير من البراغماتية، ومن قدرة جذب المشاهدين واقناعهم. ويبقى وزير خارجية امريكا الاسبق هنري كيسنجر، من اكثر الشخصيات الاجنبية جاذبية، اذ انه ورغم وجهه غير التلفزيوني إلا انه شخصية نموذجية تلفزيونياً اذ يتمتع بحضور طاغٍ، امام عدسات التصوير وكاميرات التلفزة اذ بدا دائماً رجلاً استثنائياً من حيث الثقافة الواسعة التي يمتلكها وجمعه بين شخصيتي الاستاذ الجامعي، ورجل السياسة البراغماتي، هذا بالاضافة الى رؤيته الجيوستراتيجية العميقة التي يقارن المؤلف بينها وبين تلك التي كان يمتلكها المفكر الليبرالي الفرنسي الكبير «ريمون آرون» منظر الليبرالية بامتياز.. وكان ريمون آرون، يريد ان يكون، كما يرى المؤلف، بالنسبة للرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان ما كانه هنري كيسنجر بالنسبة للرئيس الامريكي آنذاك ريتشارد نيكسون. وكانت اجوبة كسنجر، محددة دائماً وغير دبلوماسية احياناً الى درجة كبيرة مثل قوله ذات يوم في احد اللقاءات بان اوروبا الغربية هي بمثابة قوة من الصف الثاني، اي تماماً بالقدر الذي تبقى فيه في موقع المساعد للولايات المتحدة الامريكية. والتقى مؤلف هذا الكتاب ايضاً بالعديد من قادة اوروبا الشرقية والوسطى والشيوعية سابقاً حيث بدا بوضوح مثلاً بان ليونيد بريجينيف وميخائيل جورباتشوف، الرئيسين السوفييتيين السابقين يشكلان عالمين مختلفين تماماً. اما لحظات الوهم الكبير، التي عرضها المؤلف في لقائه مع القادة والرؤساء الاجانب فإنه يحددها بلقائه مع الرئيس البولندي الاسبق ليش فاليسا، عامل الميكانيك الذي اصبح رئيساً بعد ان كان قد شكل اول نقابة عمّالية مستقلة ـ نقابة التضامن ـ في اي بلد اشتراكي.. ويصفه المؤلف بانه يتحدث في لقاءاته التلفزيونية والاذاعية ايضاً كمن ينفذ عقداً. وبعد ان يتعرض مؤلف هذا الكتاب للقاءات اخرى عديدة كان قد قام بها مع قادة اوروبيين من امثال رئيس الوزراء السابق «فيليبو جونزاليس، الرجل الذكي، والذي يعرف كيف يكون قريباً من الذين يشاهدونه، وماريو سواريس الرئيس البرتغالي والشخصية التي تعرف كيف تحافظ على رومانسيتها وتدافع عن قيمتها بهدوء وحزم في جميع المناسبات، ينتقل الى الحديث عن لقاءاته ببعض القادة العرب حيث يرى بان الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد هو الذي اثر عليه اكثر من الجميع. ويردد بهذا الصدد صفة بسمارك الشرق، التي كانت قد اطلقتها عليه الصحافة الغربية. ويؤكد الان دوهاميل بانه احس اثناء لقائه معه بانه يولي اهتماماً كبيراً بفرنسا، ومساعدتها وتفهمها، حتى في اكثر اللحظات عنفاً، كما يؤكد بانه بدا محاوراً لا يكل ولا يمل فهو رجل استراتيجية بارد الاعصاب وعنيد، وذلك على خلفية ادراكه بانه مفصل اساسي في اللعبة السياسية الاقليمية كلها. اما الملك الاردني الراحل، الحسين بن طلال، فقد بدا الاكثر سلاسة وانفتاحاً، كما يصفه المؤلف بانه كان يتمتع، كما تنم شخصيته في لقاءات تلفزيونية معه، بشجاعة منقطعة النظير، الى جانب طاقة كبيرة، وقدرة على معالجة القضايا حسب الطريقة الغربية، وكأنه صحفي انكلوسكسوني. وكان اللقاء الاول مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. كان يومها رئيساً لمنظمة التحرير ـ في بيروت، وكاد ان ينقلب الى مشكلة حقيقية عندما المح الصحفي ـ المؤلف بان الرئيس عرفات كان قريباً من الاخوان المسلمين، حيث غضب كثيراً وضرب يده على الطاولة ليقول له: انت عميل للصهيونية العالمية، وقد اشتراك الانكلوسكسون. هذه الصورة تغيرت تماماً فيما بعد واصبح الرئيس عرفات يتقن فن التعامل مع كاميرات التلفزيون واضوائه. خلف المرآة، وامام العدسات.