اندريه كومت سبونفيل هو اكثر الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين شهرة على الصعيد الشعبي العام لانه يتناول باستمرار المواضيع الفلسفية الأكثر دقة وعمقا ويقوم بـ «تقريبها» الى اذهان القارئين العاديين. في هذا العمل الجديد «القاموس الفلسفي» يقوم اندريه كومت سبونفيل بتعريف وتحليل اكثر من الف مفهوم فلسفي ويقوم المؤلف في واقع الامر بنوع من تبويب وتنظيم تعريفات كان قد تعرض لاغلبيتها، اذا لم يكن لمجموعها، سابقا، وهذا ماحدا ببعض النقاد الى القول بان هذا الفيلسوف لم يقدم في عمله جديدا، او اضافة لما كان قد قدمه سابقا. الشيء الجديد «الوحيد» بنظرهم هو الشكل وليس المضمون، ولكن ومهما تضمن هذا القول من الصحة فان هذا العمل يبقى ذا قيمة كبيرة اذا من المفيد ان يتم تنظيم المعارف وتأطيرها مما قد يسهل التعامل معها. تجدر الاشارة هنا الى ان اندريه كومت سبونفيل كان قد نشر خلال السنوات الاخيرة المنصرمة اعمالا شبه قاموسية لقيت اقبالا كبيرا عليها وواجهها النقاد بكثير من المديح والاستحسان وخاصة الكتابين اللذين يحملان عنوان: «دراسة حول اليأس والمرح» و «دراسة مقتضبة للفضائل الكبرى». ان المبدأ الاساسي الذي يحرك عمل الفيلسوف يتمثل في الاعتقاد الصارم بان الفلسفة يمكن ان تثير اهتمام الجميع، وبالتالي يمكن ان تكون موجهة للجميع هذا فضلا عن انه لها وظيفة عليها ان تقوم بها وهي ان تشارك في زيادة جرعة السعادة في حياة البشر. وهذا كله في منظور تحقيق غاية محددة هي ان «يفكر الانسان بحياته ويعيش بفكره» وحيث ان افضل السبل واقصرها من اجل السعادة هو ان يكون الانسان متصالحا مع ذاته، وان يعيش تجربته الخاصة وليس تقمص تجارب الاخرين ويطالب كومت سبونفيل قارئه بنوع من العودة الى سبل طرق الحكمة التي تم التخلي عنها منذ الازمنة القديمة وهي طرق حكمة «عملية» تسمح بالعيش والاقتراب من الواقع وليس الاغراق في «نفي» هذا الواقع. يقوم المؤلف بمعالجة المفاهيم التي يتعرض لها بشروح تمتد من المقطع او المقطعين الى عدة صفحات تبعا لاهمية كل موضوع وتاريخيته وقد اتت هذه الصيغة «القاموسية» لتسمح للقاريء بالانتقال سريعا بين مواضيع اهتمامه ويبدو بوضوح اهتمام المؤلف بعملين من نفس الطبيعة القاموسية الفلسفية، سبقه فيلسوفان كبيران هما فولتير الذي انجز عام 1764 عمله الشهير «القاموس الفلسفي المحمول» والفيلسوف «آلان» في عمله الذي يحمل عنوان «تعاريف». ولا يخفي مؤلف هذا القاموس الجديد اهتمامه بهذين العملين حيث يقول «لقد كانا بمثابة نموذجين بالنسبة لي وبالتالي اردت تقليدهما، او كانا بمثابة تحديين، وكان لابد من التفوق عليهما، وهو قد استفاد منهما دون شك لكنه ايضا قدم عدة اضافات جوهرية على المواضيع التي تطرقا لها. تجدر الاشارة الى ان هذا الكتاب، القاموس الذي تزيد صفحاته على الستمئة صفحة يحتوي على المفاهيم الفلسفية الاكثر تقليدية والتي شكلت باستمرار موضع اهتمام الفلاسفة مثل «الضمير» و «الموضوعية» و «المبدأ» و «الواقع» و «الحقيقة» .. الخ كما يحتوي على شروح مسهبة تهدف الى توضيح بعض المصطلحات الفلسفية التقنية مثل الثورة الكوبرنيكية نسبة الى كوبرنيكوس وما بعد الحداثة .. ويضم الكتاب ايضا شرحا لمواضيع ذات فائدة معاشية مباشرة مثل «القلق» و «البوذية» و «الارهاب» .. الخ ولكن في جميع الحالات يؤكد الفيلسوف على اخذ امثلته من واقع الحياة التي يعيشها البشر وبأسلوب بسيط .. ولكن دون الجنوح نحو اية نزعة تبسيطية تخل بمضمون المادة التي يقدمها. وبكل الحالات تشكل محتويات هذا الكتاب القاموس، وعلى مدى صفحاته كلها، دعوة للتأمل الفلسفي عبر جعل الفلسفة نفسها اكثر قربا من اهتمامات الحياة اليومية. والفلسفة من الالف الى الياء بخطوطها العريضة