بيان الكتب: سقوط غرناطة في الثاني من يناير عام 1492 ميلادية في ايدي المفلوق الكاثوليك الذي كان نهاية للمملكة النصرية، اعتبره المسيحيون نهاية الغزو العربي الاسلامي للاندلس واستعادة لاراضي شبه الجزيرة الايبيرية منهم الى الابد، لذلك كان الاحتفال بهذه المناسبة يمثل للحكام الجدد في تلك البلاد التي تفرقت مابين اسبانيا والبرتغال مناسبة للتشفي من المسلمين، حتى وصل الامر الى اجبارهم على التنصر، ثم حكموا على احفادهم بالمغادرة النهائية لتلك الارض، وكأن الاسلام لم يستقر هناك طوال ثمانية قرون، ويقيم حضارة مازالت شواهدها المعمارية قائمة حتى الآن. الا ان تلك الشواهد التاريخية التي طبعت الاندلس بالطابع العربي الاسلامي طوال تلك القرون الثمانية لم يستطع الحكام المسيحيون محوها من على الارض، فلا تزال هناك قصور الحمراء وحدائق العريف في غرناطة، ولا يزال المسجد الجامع في قرطبة يعتبر من افخم واضخم المساجد في العالم غير الاسلامي، ولا تزال مئذنة الخيرالدا في اشبيلية شاهدا على الحضارة التي قامت في تلك البلاد اضاءت تلك الارض الاوروبية بينما كان باقي اوروبا يغط في ظلام القرون الوسطى. بل ان التقدم العلمي والمعماري والادبي والفلسفي الذي حققه الاندلس كان حجر الاساس في النهضة الاوروبية الحديثة التي تتمتع الشعوب الاوروبية بثمارها الآن. وعلى الرغم من اصرار السلطات الرسمية على ابراز الثاني من يناير في غرناطة على انه استعادة للمدينة من ايدي المسلمين الغزاة، الا ان حركة متنامية بدأت تنتشر في اسبانيا بدءا من غرناطة نفسها تطالب بتغيير نمط هذا الاحتفال من التشفي من المسلمين الى النظر الى ذلك التاريخ على انه تغيير تاريخي فقط، والتعامل مع الحضارة العربية الاسلامية التي قامت في الاندلس قبل هذا التاريخ على انها امتداد لتاريخ المملكة الاسبانية المعاصرة برغم اختلاف الديانة فيما قبل وبعد سقوط غرناطة، واحد جذور ثقافتها الاساسية. ومع مرور الزمن بدأت هذه الحركة المطالبة بتصحيح الاوضاع والتفاخر بالحضارة الاندلسية باعتبارها جزءا من تاريخ اسبانيا تقوى وتجد صدى لها بين العامة، لكن من بدأوها كانوا مجموعة من المثقفين الذين حملوا على عاتقهم توعية العامة بماضيهم الذي اخفته السلطات السياسية الرسمية بتجاهل تدريس هذا الماضي التاريخي عبر التعليم في المدارس، او تجالها هذا التاريخ في وسائل الاعلام. من منطلق العودة الى التعريف بالتاريخ العربي والحضارة الاسلامية في الاندلس، وكشف حقيقة ماحدث في الثاني من يناير من عام 1492 من تسليم الملك ابو عبدالله الصغير، آخر ملوك بني نصر، مفاتيح مدينة غرناطة، وتوقيع الاتفاقية التي تلزم الملكين الكاثوليكيين بالابقاء على الرعايا المسلمين في المملكة، وصيانة حقوقهم كمواطنين، وهي الاتفاقية التي خانها المسيحيون ومارسوا العنف لاجبار المسلمين على مغادرة شبه الجزيرة الايبيرية بأكملها، ومن بقي منهم تم تنصيرهم بالقوة، قررت مجموعة من الكتاب والفنانين اصدار عدد من الكتب حول هذا اليوم، وكشف الحقائق والملابسات التي لفته في محاولة لاعادة الذاكرة الى ابناء اسبانيا المعاصرة، والمطالبة بتغيير شعار الاحتفالات من التشفي الرسمي بالقضاء على الاسلام الى شعارات اخرى تدعو الى التسامح، خاصة ان من حنث بعهده هم المسيحيون، بل يطالبون بالاعتراف بفضل الاسلام والمسلمين في تكوين تلك الحضارة العريقة التي بفضلها تتميز اسبانيا عن غيرها من البلاد الاوروبية. شارك في الكتاب الاول من هذه السلسلة، عدد من ابرز الكتاب والمفكرين والفنانين ينتمون الى عدة جنسيات واديان مختلفة كان على رأسهم الروائي والشاعر القرطبي انطونيو جالا، والشاعر الموسيقي الغرناطي كارلوس كانو، والكاتب اللبناني امين معلوف، والكاتب الايرلندي ايان جيبسون، وفيدريكو مايور ثراقوثا امين عام منظمة اليونسكو الاسبق. ورد في مقال مايور ثراقوثا الامين العام الاسبق لمنظمة اليونسكو عدد من التساؤلات حول معنى الاحتفال بيوم الثاني من يناير في غرناطة، وطالب بالعمل على تغيير محتوى الاحتفال ليكون احتفالاً بالتسامح خاصة «ان غرناطة اشتهرت في التاريخ بأنها مدينة التعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود طوال قرون شهدت خلالها ازدهاراً وضعها في مقدمة العواصم الاوروبية خلال القرون الوسطى، تماماً كما حدث في طليطلة، لهذا نطالب بأن يتم تغيير محتوى الاحتفال بالثاني من يناير ليعكس هذه الرؤية، وطالب «بترك الجوانب الاحتفالية التي تحاول الحط من قدر من خسروا معركة عرناطة الاخيرة، لان تلك الجوانب لم يعد لها مكان في اي احتفال في العالم المعاصر». اما الروائي والشاعر انطونيو جالا، مؤلف رواية المخطوط القرمزي، التي تتناول حياة ابو عبدالله الصغير، فقد كتب مؤكداً على معنى انه لا يمكن السير ضد التاريخ ابداً، لان غرناطة بعد ثماني قرون من التعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود لا يمكن نسيان خارطتها القديمة، فالمسيحيون غزوها، وغزوهم لم يكن استعادة لها من ايدي غزاة، بل كان غزواً لشعبها الذي كان يسكنها، فقد كان للعرب حضور فيها اكثر قدماً ولا يمكن انكاره، وحضورهم القديم لا يزال اكثر من الحضور المسيحي الان، لذلك يجب التروي اولاً قبل الحديث عن احتفالات تؤكد على الخلاف اكثر من التأكيد على الوئام والوحدة. في مقاله يقول الكاتب اللبناني المعروف امين معلوف «انا من الشرق ومن الغرب ايضاً، تماماً مثل كل المتوسطين، وريث العديد من الحضارات القديمة، المصرية، ووادي الرافدين، والفينيقية، والاغريقية، والرومانية والبيزنطية والاسلامية وغيرها من الحضارات الاخرى، وتماماً مثل كل معاصري فأنا اتغذى يومياً من ثمار الثقافات الافريقية والاوروبية والاسيوية والامريكية.. كلنا ابناء ذلك المزيج الرائع لكل تلك الحضارات التي تكونت على مر آلاف السنين، ليصل في النهاية الى ان الاندلس كانت ايضاً ذلك المزيج الحضاري الرائع الذي صبغ الحياة فيها، والذي يجب الاحتفاظ بروعته بالعمل على ان تكون احتفالات غرناطة جزءاً من التأكيد على تلك الوحدة الحضارية. اما الكاتب الايرلندي «ايان جيبسون» المقيم في اسبانيا والمتخصص في دراسة اعمال الشاعر الغرناطي فيدريكو جارثيا لوركا، فقد كتب مؤكداً على ان الارث التاريخي الغرناطي من الحضارة العربية الاسلامية كان اساساً في شهرتها كمدينة راقية ومتحضرة في العالم القديم والحديث على حد سواء، وربما لهذا السبب فإن احتلال منصب العمدة في غرناطة يعتبر من اجمل ما يمكن ان يحصل عليه انسان من مناصب، ولهذا السبب فإن العمدة والسلطات الرسمية في المدينة مطالبون بالعمل على اعادة التضامن الى هذا الاحتفال، ليكون احتفالاً بالتسامح والاندماج اكثر من احتفال بذكرى انتصار عسكري لطرف من الاطراف. اشار ايان جيبسون في نهاية مقاله الى ان غرناطة لا يمكن ان تطمح الى ان تكون عاصمة الثقافة الاوروبية للعام 2003 مالم تكن نموذجاً للتسامح، واحتفالها بالثاني من يناير باعتباره احتفالاً بنصر عسكري مسيحي قضى على المملكة النصرية الاسلامية ينزع منها صفة الثقافة التي تطمح الى ارتدائها، لذلك اصبح من الواجب على السلطات المحلية ان تجري هذا التغيير المطلوب على تلك الاحتفالات في المستقبل. هذا الكتاب الذي اصدرته تلك المجموعة من المثقفين يضم ايضاً عدداً من القصائد الشعرية الرائعة واللوحات الفنية التي تحاول التأكيد على تسامح الحضارة العربية الاسلامية في الاندلس التي تحاول فئة قليلة «تجلس» على كرسي السلطة تناسيه على الرغم من ان تلك الحضارة تعتبر مكوناً رئيسياً لثقافتها المعاصرة. د. طلعت شاهين