بيان الكتب: الروائي والقاص الامريكي ريتشارد فورد من مواليد المسيسبي سنة 1944 وبعد حصوله على شهادة البكالوريوس من ميتشيجان ستيت يونيفيرستي بدأ بكتابة الرواية وأولى أعماله الروائية هي قطعة من قلبي سنة 1976 ، وتقسم هذه الرواية كغيرها من الاعمال التي كتبها فورد الملامح العامة المميزة لابداعاته الروائية والقصصية التي تلقي في مجملها الضوء على حياة أبطاله من الرجال الضجرين الذين تنتابهم مشاعر القلق والاغتراب التي تكسبهم إياها تجاربهم الكئيبة الماضية. في البدايات صنف ريتشارد فورد كأحد الكتاب المنتمين الى التيار نفسه الذي ينتمي اليه ريموند كارفر وغيره من كتاب تيار الواقعية القذرة الذي ظهر في مرحلة السبعينيات تقريبا وعرف من خلال مواجهته مع الرواية الامريكية الجديدة فمن جهة كان هذا التصنيف يشير الى ارتباطهما بمؤسسات النشر نفسها ومن جهة اخرى كان يشير الى التشابه الكبير في موضوعاتهما القصصية التي اهتم كلاهما من خلالها بالتركيز على نوع من الحياة المحطمة غير العادية المميزة لافراد المجتمع الامريكي في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية، لكن فورد على الرغم من هذه المقارنة يبدو مختلفا بالنظر الى الاحتمالات التي كان وما زال ينطوي عليها مستقبل كتاباته الروائية مما يشكل فارقا دقيقا بينه وبين كارفر. آخر اعمال فورد القصصية هي مجموعة «حشد من الخطايا» التي ينتظر صدورها في فبراير المقبل والمجموعة مؤلفة من عشر قصص قصيرة تدور موضوعاتها الرئيسية حول ما يسميه فورد على سبيل الحصر الخطيئة الامريكية التي يتعامل معها بمنظور اخلاقي شديد القسوة على الرغم من زركشته لها بعناصر كوميدية ونوع واضح من افتعال الهدوء مدللاً بذلك على انه مازال هو المعلم الاخلاقي الذي تصادفه في حياة الناس في المدن الامريكية الصغيرة او على اقل تقدير كل المنتمين الى الثقافة الارستقراطية الجنوبية تلك التي يخيل للقاريء انه وبتذكرها سيستمع الى صوت الروائي الامريكي الشهير وليام فوكنر وهو يأتي من مكان بعيد من احدى مناطق الغابات او المناطق الحدودية النائية بنبرته الهادئة الموحية بالثقة. الخطايا التي يرويها فورد بالتفصيل تبدو بالفعل خليطا متنوعا مختلفا في درجاته كما ان بعضها وعلى الرغم من تسمياتها المخيفة الممعنة فيما يمكن ان تسميه كقاريء عدم الالتزام الاخلاقي لايكاد يتجاوز حدود تفكير اصحابها ففي قصة خصوصية يلتقي المرء بهذا النوع من التفكير المنحرف الذي يجسده سلوك البطل عندما يواظب على النهوض من فراشه كل ليلة ليتلصص على جارته التي تسكن في الشقة المقابلة من النافذة فيراها عارية تماما يتلذذ بهذا المشهد المثير غير المشروع الذي تغلفه السرية ثم يلتقي به القاريء بعد ذلك وهو يقابل المرأة في الشارع فيكتشف انها امرأة سبعينية، وان رغبة البطل ليست اكثر من ممارسة ليلية خادعة تعود عليها هذا النوع من الرجال المعروف فورد بالقاء الضوء على ممارساتهم الغريبة التي لا رجعة عنها، يقول الرجل بعد ذلك مضيت في طريقي ورغم شعوري بغرابة تصرفي واحساسي العميق بالخيانة مشيت قاطعا الطريق باتجاه غرفتي حيث اعيش إلى مداخل حياتي كما هي في تلك اللحظة الى سلسلتها الاولى الطويلة من الرغبات الملحة. واذا كان فورد قد قال في احد لقاءاته بأنه يتعامل مع قصصه كأشياء مصنوعة من اللغة لا مجرد تقارير وصور توضيحية فان هذه السيطرة المنهجية تمتد لتشمل كل جملة محملة باحساسه بالأشياء الممكنة الى الفقرات الاخيرة من هذه القصص التي تجسد هذه الاشياء على انها محتومة ويتعذر اجتنابها والتي تجعل هذه الاشياء او التصورات خاصة به وبشيء من الالحاح على الانتباه الى كل ماحوله تتحول الاحداث البسيطة العادية الى تهديد للسيكولوجيا المريضة فعندما تبدأ احدى قصصه بهذه العبارة «في مطلع هذا الربيع ترك احدهم جروا وضعه في الركن الداخلي من البوابة الخلفية لمنزلنا ولم يعد اليه» في مثل هذا الموقف لا يمكن لك ان تدرك بمجرد قراءة هذه العبارة ان الموضوع الذي تدور حوله الاحداث هو حياة البؤس التي يعيشها زوجان محرومان من الابناء كلاهما محام وشيئا فشيئا يتعرض زواجهما للانهيار بواسطة علاقة خارجية يقيمها احدهما في السر. ما يؤكد عليه ريتشارد فورد في غالبية اعماله الروائية هو شخصياته الشديدة الشعور باليأس التي لا تعرف حتى سببا ليأسها حتى تكشف لنا عنه القصة التي يرويها المؤلف، هذه الشخصيات تبدأ بداية قوية ثم تصبح بشكل سريع اسيرة كليشيه واحد ليس هناك غيره فهي اما لزوجين محبطين مصابين بحالة من اليأس او اشخاص مصابين بنوع آخر من العجز الجنسي وما شاكله اولئك الذين يفقدون قدرتهم على الاحتمال ولا يعترفون ولا يعرفون طريقهم الى العودة فتبدو لهم اشياء كاشباع الرغبة الملحة حلولا مقبولة على الرغم من آنيتها. من جهة يبدي فورد كما في مجموعته الاخيرة الولع باستخدام اللغة المنمقة ذات المغزى الذي لا يمكن للقاريء الا ادراكه فيما بعد لا سيما في القصص ذات الطابع الرومانسي «كانت مهمة ستيفن في شركة باكارد بل هي ان يظل على رأس ادارة صغيرة من ادارة اكبر من ادارة اصغر نسبيا لتجميع الاجزاء الجاهزة المستخدمة في صناعة السيارات حيث يمكن لاي تغير حاسم مفاجيء او حتى مجرد اشاعة بحدوث تغيير ان يحدث هبوطاً حادا في قوانين العرض والطلب ويؤثر بهذا الشكل على دوائر المراهنات والارتياح الذي يسود قطاعات كبيرة من العملاء ذوي الاهمية وربما سمع القاريء صوت فورد وهو يعلو بالضحك على كلمة الاهمية وغيرها من الكلمات المقصودة. وبنفس الطريقة التي يستخدم فيها اللغة لصنع الاحداث والمواقف يستخدم فورد هذه اللغة في جعل الاحداث تبدو مقلوبة، وبشكل عام باستطاعته ان يحول الموضوعات الاكثر ايحاء بالتفاؤل الى موضوعات تبدو في صورة توحي بالتشاؤم واليأس «نشأ بمزرعة في نبراسكا ودرس في كلية صغيرة في مينيسوتا بعد حصوله على منحة دراسية في كرة القدم وبعد ذلك حصل على شهادة عليا من وارثون» وكانت تعمل بوظيفة محاسبة قانونية وكان هو أمريكيا من جماعة الضغط التابعة للمؤسسة التي تعمل لديها «شركة وست كوتسلدتيد جروب المتخصصة في صناعة المواد المضافة وفي المعاملات التجارية عبر القارات، كان هنري في التاسعة والاربعين ومادلين في الثالثة والثلاثين. رغم ان شخصياته تبدو عادية كغيرها ورغم ان هذه الشخصيات تؤمن بشكل قاطع بأنها مازالت تتمتع بشيء من الاستقلالية والفرادة وان الحياة ليست اكثر من سلسلة من الفرص التي يجب عليها انتهازها وانها تملك الذكاء والمهارة والشجاعة التي ستمكنها من الافلات من قدرها الا ان فورد لا يتوانى عن اثبات انه ليس بامكانها ان تفعل ذلك وكثيرا ما يلتقي القاريء بشخصيات مثل هذه، فالزوجان نانسي وتوم اوفيث وروجرز وكل منهم يحاول الانسجام في حياته الزوجية رغم عدم وجود ما يشجع على ذلك وكل منهم يلجأ الى تبني بعض الاستراتيجيات التي يعتقد بأنها ستضفي على حياته مع الاخر نوعا من الواقعية لا ينجحان في النهاية ومارجوري التي تضع زوجها امام الامر الواقع باعلانها صراحة انها كانت على علاقة عاطفية برئيسه في العمل تضع نفسها في مواجهة عنيفة في الواقع وكل هذه التداعيات تضع في ذهن القاريء كافة الاحتمالات مع ان فورد كمؤلف ينسحب عندما يصل الى هذه النقطة، ينسحب بذكاء من تفكير شخصياته ويتركها ويترك القاريء ليواجه محنة التقميص العاطفي والسلوك الشيطاني لشخصيات فورد الذي يفسح المجال امام الأحداث لكي تجر بعضها بعضها. اولى اعمال ريتشارد فورد الروائية هي رواية قطعة من قلبي الصادرة في سنة 1976 التي يروي فيها قصة تقارب يقع بين رجلين تعتريهما حالة من اليأس والرغبة في انتشال نفسيهما من الموت الذي يعيشانه في الحياة فيختار لهما مكانا يلتقيان فيه وهو احدى الجزر غير المعروفة على خارطة نهر المسيسبي ليكتشف كل منهما الجزء الذي يفتقده من نفسه في الآخر رغم ان هذا الاكتشاف يقع من اخلال مصادمات عنيفة بينهما. ورغم اهمية هذا العمل التي تعود الى كونه باكورة أعمال فورد الروائية الا ان فورد بدا فيها وهو يؤسس نفسه كروائي من الطراز الاول متمكناً من تقنيته ولغته وباقي عناصره الروائية سواء كان ذلك يتعلق بشخصياته الشديدة الواقعية او حواراته الذكية الساخرة او تفاصيله الكثيرة. في الجزء الثاني من رواية المحرر الرياضي التي تحمل عنوان يوم الاستقلال 1990 يرمز فورد الى فكرة الاستقلال الذاتي من خلال ربطها حتى نحو يشوبه التماهي بفكرة الاستقلال الوطني مقدما بذلك تقريراً حافلا بالرؤى عن حياة الانسان الامريكي وفيه يواصل رواية التاريخ الشخصي لبطله السابق فرانك باسكومب كما تأتي على لسان بطله في هذه المرة روبنشتين الذي يلتقي به القاريء في نهاية الاسبوع الذي يحتفل فيه بيوم الاستقلال فيجده متأهبا للخروج في جولة يزور فيها المعالم الهامة في ولايتي ماساشوستس ونيويورك ويصطحب خلالها ابنه الشاب المراهق الذي يرغب في التواصل معه في هذا الوقت القصير. ومن جانبها تسلط هذه الرواية الضوء على حياة بطل فورد السابق الجديدة بعد سلسلة من الاحداث الدرامية المثيرة منها انفصاله عن زوجته وتحوله من وظيفته السابقة كمحرر رياضي الى رجل اعمال وانتقاله من المكان الذي يعيش فيه الى مكان آخر عبر ما يطلق عليه هو مرحلة اثبات الوجود اما آن فتتزوج صديقها المهندس المعماري فيما يعيش والداها معها ثم ينتقل بول الى منزل والده بعد مروره بجملة من المتاعب النفسية بسبب سلوكه السييء لكن الاخير يصمم على اعادة الشعور بالثقة الى نفس الابن فيأخذه في رحلة قصيرة تعيد اليه حبه للحياة. وعلى العموم فان نجاح فورد في يوم الاستقلال يعود في الاساس الى نجاحه في اعادة تجسيد الصورة التي ظهرت عليها امريكا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية هذه الصورة التي لا تعبر عن شيء بقدر ما تعبر عن غرابة الحياة في بلد يعرف ان صورتها مضللة وبائسة وانها تحتاج الى من ينتشلها من هذه الصورة الاكثر سوءاً في تاريخها. وكعادته فان قاريء فورد يصادف شخصيات مرسومة بذكاء وواقعية شديدين وبخاصة شخصية البطل التي تشعر بأنها قريبة منك لشدة اقناعها كما يستمر فورد في ابحاره في مناطق لم يقتحمها احد من قبل ليخرج منها بعمل له نكهة الحياة في امريكا القرن العشرين، عمل يكتظ بالعبارات والجمل التي تلقي الضوء على موضوعاته وتظهرها بشكل اكثر فاعلية في حين تستمر الافكار التي يبوح بها البطل البوح الذاتي في توليد المزيد من الموضوعات والشخصيات الاخرى التي يتألف منها هذا الجزء من العمل الذي كان قد بدأه بالمحرر الرياضي ولا يبقى للقاريء سوى الكشف عن المزيد من الوعي ومن التطور لدى فورد. اهم ما يمكن ان يقال في فورد هو ان الابطال، الذين يكتب عنهم ليسوا اكثر من اشخاص عاديين مثل غيرهم من الناس، اناس يؤمنون بأن الحياة مازالت تخبيء لهم الكثير من الفرص وبأنهم لايقلون في ذكائهم عن اي احد اخر وانهم حتى يستطيعوا النجاة من قدرهم المحتوم ويظل القاريء مصدقا انهم كذلك حتى يثبت له فورد انهم غير ذلك وكل ذلك يأتي في صورة قصص وحكايات محملة بجرعات من الحزن والكآبة الموشاة بالسخرية التي يستقيها من موروثه الثقافي في المدن الامريكية الصغيرة التي تنعم بالعزلة