بيان الكتب: يمثل هذا الكتاب اضافة هامة جديدة إلى المكتبة العربية بما يجعله مرجعا لا يمكن الاستغناء عنه لأي دارس للحياة السياسية في سوريا. والميزة الأساسية التي يتسم بها الكتاب انه عمل توثيقي شامل لموضوعه قام عليه مؤلف دؤوب ، هو هاشم عثمان فلم يترك شاردة ولا واردة عن الأحزاب في سوريا. إلا وعرض لها في كتابه من خلال التنقيب في الصحف خاصة الصحافة الحزبية مقدما للقارئ فكرة شاملة عن الأحزاب السورية كاشفا عن الكثير من الخبايا والأسرار. ورغم ما أشار إليه المؤلف ذاته من وجود دراسة أخرى حول الحياة الحزبية في سوريا لمحمد حرب صدرت سنة 1955 غير ان شمولية الكتاب الذي نعرض له فضلا عن تناوله لمسيرة الأحزاب حتى وقتنا الحاضر تجعله الأكثر تميزا. ورغم ذلك فان من الملاحظات التي قد ترد على الكتاب اعتماده طريقة السرد وعدم تجاوزها الى التحليل رغم ثراء الموضوع بما كان يفرض وجود اطار تحليلي لمادة الكتاب، غير انه يبدو ان الكاتب استنفده الجهد الذي بذله في موضوعه ـ وهو بحق جهد مؤسسة يتجاوز اطار القدرات الفردية ـ على أمل أن يقوم بالمهمة آخرون من خلال اعتماد كتابه كمادة أولية يمكن البناء عليها. بشكل عام قسم المؤلف كتابه إلى أربعة أقسام تناول في الأول منها المسيرة التاريخية للأحزاب السورية، أما في الثاني وهو أكبر الأقسام ويمثل 80% من حجم الكتاب فقد تناول نشأة الأحزاب وتطوراتها وتحولاتها عارضا في هذا القسم بالتفصيل لنحو 31 حزبا. في القسم الثالث يتناول المؤلف ما يسميه أحزاب مرحلية ومحلية، أما في القسم الرابع فيتناول الأحزاب الثانوية أو أحزاب الظل. يبقى أن نشير إلى تحفظ على هذا القسم وهو ان المؤلف أورد في نهاية القسم الأول ما يمكن اعتباره تجاوزا تقييما أوليا للحياة الحزبية في سوريا انطلاقا من تناوله لمسيرتها التاريخية، ومن المتصور ان هذا التقييم كان من الممكن ان يكون في خاتمة الكتاب بعد ان يكون القارئ قد تمكن من تكوين صورة كافية عن الاحزاب السورية. العهود الستة يعرض المؤلف خلال تناوله للمسيرة التاريخية للأحزاب السورية لأوضاعها على مدى ست مراحل أو عهود هي: العهد العثماني، العهد الفيصلي، عهد الانتداب الفرنسي، عهد الاستقلال، زمن الوحدة، حكم البعث، وهو استعراض يشير الى ان الحياة الحزبية في سوريا لم تعرف الأحزاب إلا بعد الانقلاب العثماني حيث أرخى الاتحاديون في سني حكمهم الأولى عنان الحريات مما سمح لعدد من الأحزاب بالظهور كان أولها الحزب الاتحادي، ثم تلاه الحزب الحر، ثم الاتحاد العثماني أو الحزب الصادق، غير ان التجربة لم تتواصل حيث تم اصدار قانون يمنع تأليف جمعيات سياسية. ومع تولي الأمير فيصل الحكم سنة 1918 نشطت جزئيا الحياة الحزبية فعاودت بعض الأحزاب نشاطها كما ظهر الحزب الوطني السوري في يناير 1920. أما في عهد الانتداب الفرنسي فقد عملت فرنسا على محاربة النشاط الحزبي والذي تمثل بشكل رئيسي في نشاط حزب الشعب الذي كان شوكة في حلق الفرنسيين، غير ان ذلك لم يحل دون نشأة سبعة أحزاب أخرى جديدة. أما في مرحلة الاستقلال في 46 فقد أسفرت التطورات عن حظر أي نشاط حزبي وذلك في عام 48، ورغم ذلك أيضا ظهرت على الساحة أحزاب جديدة في 49 منها ما كان له تأثيره القوي ونفوذه الكبير في سياسة البلاد ومنها ما كان دوره ثانويا. ويشير المؤلف الى انه في عهد الانقلاب الأول تلقت الأحزاب ضربة قوية حيث قام بطل الانقلاب حسني الزعيم بحل الاحزاب وختم مكاتبها بالشمع الأحمر. وعندما أطاح الانقلاب الثاني (أغسطس 49) بالزعيم عادت الحياة الحزبية الى سابق عهدها، غير انها لم تهنأ كثيرا إذ سرعان ما بدأ عهد الشيشكلي زعيم الانقلاب الثالث والذي يعتبر أسوأ عهد مرت به الأحزاب السورية في تاريخها حيث صدر خلاله أكثر من قرار يهدف الى تقييدها وشل فاعليتها. وكانت بداية المتاعب مع صدور مرسوم في 52 يمنع الموظفين من الانخراط في الاحزاب غير ان حكومة الشيشكلي تراجعت عن موقفها وعادت وأصدرت قانون الأحزاب والجمعيات في سبتمبر 53 الذي نص على حق السوريين في تأليف الأحزاب والانتساب إليها، غير ان الاحزاب لم تستفد من هذا التوجه حيث ساد الصراع والتقاتل بينها وهو الأمر الذي استمر في مرحلة ما بعد الشيشكلي والتي استمرت من 54 حتى 58 (بداية عهد الوحدة) والذي اتسم بحظر الأحزاب أو أي هيئات سياسية جديدة. وقد عاشت سوريا طوال هذا العهد حتى 1961 بدون أحزاب. أما حكومة الانفصال فقد شهدت تيارين أحدهما مؤيد والآخر معارض للحياة الحزبية، غير ان ذلك لم يمنع ان تواصل الأحزاب نشاطها بكل حرية وان عادت إلى سيرتها الأولى من التقاتل والتناحر. ومع تولي البعث الحكم (من 63 وحتى اليوم) فانه لم يسمح لأي من الأحزاب التقليدية ذات الماضي التاريخي العريق بممارسة نشاطها. وكان أهم ما تمخضت عند فترة حكم حزب البعث هو الخلاف الحاد بين رؤوس حزب العربي الاشتراكي وانشقاق الحزب الى تيارين متباغضين الأول يتزعمه أكرم الحوراني وأطلق على نفسه حزب الاشتراكيين العرب والثاني يتزعمه ميشيل عفلق وصلاح البيطار واحتفظ باسمه القديم. كما شهدت هذه الفترة انفصال الحزب الشيوعي السوري عن الحزب الشيوعي اللبناني ابتداء من عام 64 بعد أن كانا حزبا واحدا طوال أربعين سنة، ثم انقسام الحزب الشيوعي على نفسه في ابريل 72، وأدى هذا الانقسام الى وجود تيارين في الحزب الأول يضم خالد بكداش وآخرين والثاني يضم رياض الترك، ولم تفلح كل المحاولات التي جرت للمصالحة بين هذين التيارين وعودة الحزب إلى وحدته. كما شهدت هذه الفترة ولادة أحزاب جديدة أعطيت لها حقائب وزارية من دون أن يكون لها تأثير في سياسة الدولة. الأحزاب من الداخل بعد هذه الرؤية البانورامية للمسيرة التاريخية يتناول بشكل تفصيلي مسيرة كل حزب على حدة.. فالحزب الشيوعي حزب غير عربي (تقريبا).. فله احتفالاته التي لا علاقة لها بمناسباتنا القومي والوطنية. أما الحزب الماسوني، فعلى ما يذكر المؤلف نفسه فهو لم يكن حزبا سياسيا ولم يشتغل بالسياسة ويشير الى ان سكوته على ممارسات الاستعمار الفرنسي يثير الشبهات. أما الكتلة الوطنية فهي حزب «نحن وبس» لان رجاله حصروا الوطنية والنضال في أشخاصهم فقط. ثم يعرض ضمن تناوله لحزب الاخوان المسلمين مشيرا الى انه كان من الواضح ان الحكومة لم تكن مرتاحة لنشاطهم ومواقفهم وترى فيه ما يخل بالأمن العام لذلك قامت باغلاق مكاتبهم في دمشق ومختلف أنحاء سوريا في عام 52 وختمها بالشمع الأحمر. أما حزب البعث فقد أدت ظروف سوريا في مرحلة ما بعد حكم الشيشكلي وحتى الوحدة المصرية السورية (أي من فبراير 54 حتى فبراير 58) إلى أن يصبح أحد مراكز الثقل في الساحة بعد ان أزاحت من وجهه ثلاثة أحزاب تفوقه قسوة وشعبية أولها الحزب القومي الذي صفي في أواخر ابريل 55 ثم من بعده الحزب الوطني ومعه حزب الشعب. أما المرحلة من مارس 63 وحتى نوفمبر 1970 فتعتبر أهم مرحلة في حياة البعث، فبعد 23 سنة من ظهور الحزب إلى دنيا الوجود وصل الى الحكم بانقلاب عسكري أطاح بحكومة الانفصال في الثامن من فبراير 63 لتبدأ سوريا مرحلة جديدة من حياتها. وينتهي من عرضه لتجربة الحكم الى ان البعث حزب نظريات ويبدو ذلك جليا من مقارنة أقواله المنشورة في جريدته قبل تسلم الحكم بأفعاله وهو في السلطة، فقد تنكروا لكل ما جهروا به من آراء وأفكار. وفي تقييمه لمسيرة الحياة الحزبية السورية يشير هاشم عثمان الى ان الاحزاب كانت متقاربة في المبادئ والمناهج والأساليب وان ما كان يميزها عن بعضها البعض أشخاص القائمين عليها فقط. فضلا عن غياب الايمان بالديمقراطية لدى الاحزاب نفسها فحسبما يشير فان الحزب القوي لم يكن يتقبل أي نقد وكان الحزب المعارض ينظر الى الحزب الحاكم نظرة كراهية وعداء.. فكانت الاحزاب تتقاتل على الحقائب الوزارية. الى جانب ما سبق فان الملاحظ ان «الاشتراكية» و«القومية» و«الوطنية» كانت القاسم المشترك في مسميات الاحزاب. ومن مجمل تاريخ الاحزاب نلاحظ انها تعرضت للتصفية والحل خمس مرات. واذا كان البعث مستمر في الحكم منذ 63 فان القراءة التاريخية تشير الى ان سوريا لم تعرف حكم الحزب الواحد إلا في فترة أخرى ثانية هي حكم الشيشكلي. أما على صعيد المقارنة بين الاحزاب فان الواقع يشير الى ان الاحزاب القديمة كانت أكثر شعبية من الجديدة بما لا يقاس، وكانت صحافة الاحزاب القديمة من خيرة الصحف التي عرفتها سوريا في تاريخها في حين ان صحف الاحزاب الجديدة ـ حسبما يقول ـ هي نشرات هزيلة توزع على أعضاء الحزب فقط. وأخيرا فان أكثر الاحزاب التي عرفتها سوريا ظهرت زمن الانتداب الفرنسي، وأما في عهد الاستقلال فلم يظهر من الاحزاب إلا العدد القليل وهو أمر له دلالته. أحزاب من ورق وبعد هذه الرحلة مع الكتاب فان الانطباع الذي يخرج به القاريء هو الانتهاء الى اننا «نسمع ضجيجا ولا نرى طحنا» بمعنى انه رغم كل هذه الاحزاب بتياراتها المختلفة الا ان المسيرة الديمقراطية ما زالت ـ أو كانت ـ تحبو، مع انه من المفترض العكس، فثراء الحياة الحزبية يعد بالضرورة من مظاهر ازدهار الديمقراطية، غير ان ذلك التضاد قد يجد تفسيره في ان كل هذه الاحزاب التي عرض المؤلف لم تكن على الساحة في فترة واحدة، بمعنى ان الثراء الحزبي السوري هو ثراء تاريخي ان صح التعبير، أي انه نتاج تراكم فترات متتالية وليس نتاج فترة واحدة. من ناحية ثانية فانه من الواضح ان عثمان قد توسع في مفهومه للحزب فلم يقتصر في تناوله على ذلك التنظيم السياسي الذي يسعى ـ حسب الأدبيات السياسية ـ الى الوصول إلى السلطة وانما توسع في تناوله فضم اليه تنظيمات أخرى ليست حزبية من وجهة نظرنا ومن ذلك مثلا الحركة الماسونية. من ناحية ثالثة فان حرص المؤلف على الشمولية جعله يدرج أحزابا ـ قد يكون هو نفسه وليس القارئ فقط ـ سمع بها للمرة الأولى لدى تأليفه الكتاب. وقد أوضح ذلك ضمنا في معرض تناوله للأحزاب بالاشارة الى ان هذا الحزب أو ذاك عرف به من خلال خبر صغير في صحيفة. ويعزز ذلك فرضية ان الاحزاب السورية احزاب من ورق أو على الورق، وهو ما يؤكده انه بعد ان انفض المولد الحزبي لم يبق أمامنا على الساحة سوى ثلاثة أحزاب هي: الشيوعي والبعث والسوري القومي الاجتماعي.. فهل نأمل خيرا في المقبل من الأيام؟ دعونا نفعل ذلك. مصطفى عبدالرازق