التوحد هو اعاقة في النمو الاجتماعي تتصف بكونها مزمنة وشديدة. وهي تظهر في السنوات الثلاث الاولى من العمر. وهو محصلة لاضطراب عصبي يؤثر سلباً على وظائف الدماغ. والتوحد يصيب الذكور اكثر من الاناث بحوالي اربعة اضعاف ونسبة انتشاره قليلة جداً وهي (3 الى 4 بالعشرة آلاف) هو يحدث لدى الاطفال من كل الشرائح الاجتماعية والعرقية. وهناك استعداد ارثي للمرض حيث يشاهد بين افرادالاسرة الواحدة بنسبة اعلى من المعدل العام لانتشار المرض وقد لوحظ ترافق هذا المرض مع التشنجات عند الاطفال وهنالك عدة نظريات حول اسباب المرض منها حدوث اذية دماغية، اضطراب تطوري في اساليب التواصل والتخاطب، عيوب عصبية في بعض المراكز العصبية في المخ والمخيخ، تأخر في التطور العصبي النفسي. ولقد كان يظن سابقاً بأن التوحد ينتج عن انماط سيئة من التعامل الاسري، ولكن وبعد البحوث والدراسات التي اجريت فقد تبين بأنه اضطراب عصبي بيولوجي، وتختلف مستويات الشدة من طفل الى اخر ويبقى العنصر المشترك بين الاطفال الذين يعانون من التوحد هو الافتقار الى مهارات التواصل في مضمون اجتماعي. فعدم التواصل البصري، والتفكير المتمركز حول الملموس، والعجز عن معالجة المعلومات، والمشكلات الحسية، والقلق، والكلام الذي لا يعدو كونه صدى لكلام الاخرين، كل هذه العوامل تعيق قدرة الطفل على المبادرة الى بناء علاقات اجتماعية متبادلة. والتوحد اضطراب مربك لانه يعبر عن نفسه بشكل مختلف في كل حالة. فبعض الاطفال المصابين بالتوحد يعانون من ضعف عقلي شديد في حين ان اطفالاً اخرين يظهرون قدرات متميزة في الحساب او في الذاكرة او في الفن ولكنهم يفتقرون الى اية مهارات اجتماعية. وبعض الاطفال لا يتكلمون في حين ان بعضهم الاخر يتكلم ولو ان كلامهم غير واضح للآخرين من حولهم. وينزعج معظم الاطفال المصابين بالتوحد من التغير في بيئتهم، وكذلك فهم يظهرون حركات من نفس النمط مثل هز الجسم او اللعب بنفس الطريقة وهم بشكل عام يعيشون في حالة انفصال عن البيئة والناس فيها. الاعراض منذ الطفولة المبكرة يلاحظ الاهل بأن الطفل الرضيع لا يتواصل مع امه وابيه فالتواصل من خلال النظر يكاد يكون معدوماً او في اقل درجاته، والرضيع لا يتفاعل مع البيئة من حوله فهو لا يبتسم لمن حوله رغم محاولتهم لاستمالته. ومع مرحلة الطفولة المبكرة يكون الطفل منعزلاً عن المجتمع ويفضل اللعب لوحده ويلاحظ تأخر الكلام وافتقاده للمنطق. تبعاً لدليل الجمعية الامريكية للطب النفسي لتشخيص الاضطرابات العقلية، فان تشخيص التوحد يعتمد على المعايير التالية والتي تظهر عادة منذ مرحلة الطفولة المبكرة: اولاً: قصور نوعي في التفاعلات الاجتماعية المتبادلة حيث يكون الطفل المصاب بالتوحد لا يهتم بمشاعر الاخرين ولا يفهم حاجة الاخرين للخصوصية ولا يشعر بالحاجة الى مساعدة الاخرين له. ويبدي مريض التوحد قصوراً كبيراً في القدرة على بناء علاقات صداقة مع الاخرين فهو غير قادر على فهم اصول التفاعل الاجتماعي وهو لا يشارك بالالعاب الجماعية بل يفضل ان يلعب لوحده. ثانياً: قصور نوعي في التواصل اللفظي وفي النشاط التخيلي: حيث يظهر مريض التوحد اسلوباً شاذاً في التوصل حيث انه لا يرحب بالزوار ولا ينظر الى الشخص الذي يتفاعل معه ولا يبتسم له ويحملق بطريقة ثابتة في المواقف الاجتماعية، وهو يبدي قصوراً واضحاً في القدرة على تقليد الاخرين او التحدث معهم رغم امتلاك الطفل القدرة على الكلام فهو احياناً يكرر التحدث في موضوع معين على الرغم من عدم استجابة الاخرين له. وقد يقوم مريض التوحد باخراج الكلام بطرق شاذة سواء من حيث شدة الصوت او علوه او معدله. ثالثاً: اظهار مدى محدود من النشاطات والاهتمامات حيث يبدي الطفل اصراراً غير معقول على اتباع نفس النمط في النشاطات مثل الاصرار على اتباع نفس الطريق عند التسوق او الاصرار على حمل شيء معين او خيط او لبس شيء معين او لمس شيء معين بشكل متكرر. رابعاً: ويبدي طفل التوحد حركات جسمية نمطية بعينها كهز الرأس بشكل متكرر او ثني اليدين بطريقة معينة، ويظهر انفعال شديد عند حدوث اي تغيرات بسيطة في بيئته مثل تغيير مكانه في الصف الدراسي او حتى تغيير مكان وضعه لكتابه او اي قطعة من ملابسه. التشخيص يعتمد الاخصائيون في تشخيص التوحد على ملاحظة الخصائص السلوكية لكل فرد ويجمع معظم الخبراء على ان تشخيص التوحد ليس امراً سهلاً ويتطلب مشاركة فريق متعدد التخصصات يشمل الاخصائي النفسي، اخصائي الاطفال، اخصائي تربوي، اخصائي قياس سمعي. ان التخلف العقلي والاضطراب اللغوي حالتان يجب التأكد من عدم وجودهما قبل تشخيص الاضطراب على انه توحد. ويلعب الوالدان دوراً حيوياً في عملية التشخيص من خلال تقديم المعلومات عن التاريخ التطوري للطفل وانماطه السلوكية وكذلك يجب فحص الطفل فحصاً سريرياً وعصبياً دقيقاً ويجب استبعاداً بعض المشكلات الجينية والوراثية ويجب اجراء بعض الفحوص المخبرية لاستبعاد بعض المشاكل الطبية مثل متلازمة الفينيل كيتون يوريا المعروف اختصاراً بـ )PKU( حيث يصاب الطفل وبشكل تدريجي بالتأخر العقلي الشديد الذي يترافق مع القيء. والاطفال الكبار يعانون ايضاً من فرط النشاط الحركي والحركات غير الهادفة. ويجب التمييز بين التوحد ومتلازمة الكروموسوم الهش، وهو اضطراب جيني في الكروموزوم الانثوي )X( حيث يصاب الطفل بتخلف عقلي بسيط الى متوسط يتظاهر مع استجابات حركية تكرارية وحساسية مفرطة للصوت مع اضطرابات في الاداء اللفظي. وقد يلجأ الطبيب الى اجراء تخطيط كهربائي للدماغ وتصوير طبقي محوري، او التصوير بالمرنان لاستبعاد اي عيوب عصبية بالاضافة الى اجراء تقييم لمعدلات الذكاء، والتي يكون هنالك صعوبة في اجرائها وذلك نتيجة الصعوبات اللغوية التي يعاني منها الطفل وصعوبات التواصل وغالباً ما تكون اختبارات الذكاء اقل من المعدل الطبيعي، ويجدر الاشارة الى ان حصول الطفل على معدل مقبول في اختبار الذكاء مع قدرته على الكلام بشكل منطقي عند عمر 5 سنوات يعطي مؤشراً جيداً لامكانية التحسن في المستقبل. العلاج ان التدخل السريع والمكثف لعلاج التوحد قد يكون له نتائج جيدة في حال تضافر جهود الاسرة والفريق الطبي والمدرسة التأهيلية ويلجأ الى استعمال العقاقير الطبية للتخفيف من بعض الاعراض المحددة المرافقة للانفصال التوحدي، وقد تشتمل هذه الاعراض على ايذاء الذات والسلوك العدواني والنشاط الزائد والاكتئاب والسلوك القهري. ويجدر الاشارة الى ان اعطاء العقاقير الطبية بمفردها ليس العلاج الاوحد للانفصال التوحدي فالاطفال الذين يعانون من هذه الحالة بحاجة الى علاج مكثف ومستمر يتضمن العلاج السلوكي والعلاج التخاطبي لتحسين الكلام والتعديل البيئي. وتشمل العقاقير الطبية المستعملة العقاقير المهدئة والتي تستخدم بمعالجة السلوك العدواني والايذاء الذاتي ومن هذه العقاقير: الميلاريل مثلاً. وفي حال وجود تشنجات عصبية فقد تعطي بعض الادوية مثل التجرتول والديباكين، وادوية القلق مثل الفاليوم، والليبريوم. وفي حال وجود مشكلة النشاط الزائد ومشكلات التشتت والتركيز فقد يلجأ الى استعمال بعض العقاقير المنشطة مثل الريتالين، والدكسدرين. ويجب التنبيه الى ان كافة الادوية العصبية يجب ان تعطى تحت اشراف طبي صارم وتحتاج الى متابعة مستمرة من قبل الطبيب بتعديل جرعات الدواء حسب استجابة الطفل وحاجته. ويجب تزويد الآباء الراغبين في تجريب العقاقير الطبية بالمعلومات اللازمة للحفاظ على مستوى غير خطر من الجرعات ولادراك المخاطر المحتملة والتأثيرات الجانبية السلبية المتوقعة لهذه العقاقير. وهناك بعض المدارس الطبية التي وجدت بان اعطاء الفيتامينات، وبشكل خاص فيتامين ب 6 ومعدن المغنيسيوم وفيتامينات ومواد معدنية اخرى، حيث يفيد الفيتامين ب 6 في جعل الموجات الدماغية طبيعية وفي تحسن السلوك العام للطفل وتحسين المستوى الصحي والقدرة على الانتباه والتركيز في الدراسة وتقليل القابلية للتهيج العصبي وتحسين نمط النوم والكلام ويفيد اعطاؤه لمدة 2 الى 3 شهور ويراعى تجنب الاغذية المعلبة المحتوية على المواد الحافظة والملونات الكيميائية. وقد لوحظ تحسن العديد من الاطفال باتباع حمية غذائية تحتوي على القليل من السكر والشوكولاته والقمح والطحين ومحاولة الحد الى اقصى درجة ممكنة من المواد الغذائية غير الطبيعية والملونات والاعتماد على الغذاء الطبيعي المنشأ. العلاج التأهيلي يعتمد على الحاق الطفل في احد المراكز الخاصة للتأهيل حيث يحضر الاولاد خلال ساعات النهار ويتم تدريبهم على اساليب تربوية خاصة من خلال ممارستهم اللعب، بالاضافة الى العلاج التخاطبي ويتم كذلك اجراء التحليل النفسي للطفل وتحليل الاتجاه السلوكي للطفل ليتم بعد ذلك تطبيق اساليب تعديل سلوك الطفل. د. صفوان موصللي _ اخصائي طب الاطفال والرضع