بيان الكتب: مؤلف كتاب «تجارب الامم» هو المؤرخ والفيلسوف اللغوي الاديب الشاعر «احمد بن محمد مسكويه» الذي عاش قرابة مئة عام، ووصل كما يقال الى ارذل العمر الذي امتد من سنة 320 هجرية، الى سنة 424 ه. وقد اورد المؤلف مقولة في بداية كتابه «تجارب الامم» حيث قال: اكثر ما احكيه بعد هذه السنة اي بعد 340 هـ فهو عن مشاهدة وعيان. وقد اورد كثير من الباحثين ابياتاً له يشكو فيها اثر الهرم وبلوغه ارذل العمر. واذا عرفنا ان الدولة البويهية قد بدأت سنة 320 ه، فيكون «مسكويه» والدولة البويهية تعاصرا قرناً كاملاً، والسنوات المئة هذه، كانت قمة ازدهار تلك الدولة، اما السنوات المتبقية من عمر الدولة، فهي سنوات تنحدر فيها الاسرة البويهية الى حضيض الضعف والاضمحلال، وبذلك يصبح «مسكويه» وثيقة حية من اوثق وثائق الحقبة التاريخية التي لها خصائص ومميزات في تاريخ الفكر والعلم الاسلاميين، وان كانت بالنسبة للخلافة العباسية، عصر تفكك وتعدد في مراكز الحكم، وهذا التعدد ادى الى تنافس الامراء وتفاخرهم فيما بينهم باجتذاب العلماء والادباء الى بلاطاتهم، فنبغ في غضون ذلك رجال علم وحكمة وادب وسياسة، عاصرهم «مسكويه» وكان على اتصال وثيق بكثير منهم. وقد ترك لنا المؤلف اكثر من خمسة وثلاثين مؤلفاً، يأتي كتاب «تجارب الامم» في طليعتها من حيث الاهمية، فهو مصدر كبير لدراسة التاريخ. وبنظرة الى مقدمة الكتاب، يتضح لنا ان التاريخ في رأي «مسكويه» يشتمل على احداث يمكن للانسان ان يستفيد منها كتجربة في الحياة الفردية والاجتماعية فهي امور لاتزال تتكرر، وينتظر حدوث اشباهها، واذا عرف الانسان تلك الاحداث وقيمتها التجريبية، ثم اتخذها اماماً لنفسه يقتدي به، فهذا يجعله يحذر مما ابتلي به قوم، ويتمسك بما سعدوا به. وقد صرح «مسكويه» بأنه لما قرأ اخبار الامم وسير الملوك واخبار البلدان وكتب التواريخ، وجد فيها ما يستفاد منه كتجربة، وهذا دليل واضح على تعدد المصادر التي اعتمد عليها. جاء الكتاب في ستة اجزاء، الجزء الاول يشتمل على الحوادث التاريخية منذ العصر «الفيشداذي» الايراني وحتى سنة 37 هجرية. الجزء الثاني: ويشتمل على حوادث التاريخ منذ سنة 38 هجرية الى سنة 103 هجرية. الجزء الثالث: ويشتمل على الحوادث التاريخية من سنة 104 هجرية وحتى سنة 191 هجرية. الجزء الرابع: ويشتمل على الحوادث التاريخية من سنة 192 وحتى سنة 233 هجرية الجزء الخامس: ويشتمل على الحوادث التاريخية من سنة 234 هجرية وحتى سنة 326 ه. الجزء السادس والاخير: ويشتمل على الحوادث التاريخية من سنة 326 هجرية الى سنة 369 هجرية. ويلاحظ القارئ ان المؤلف قد حاول ان يخلّص الاخبار التاريخية مما علق بها من شوائب، فهو يقول: وجدت هذا النمط من الاخبار مغموراً بالاخبار التي تجري مجرى الاسماء والخرافات التي لا فائدة فيها غير استجلاب النوم، والاستمتاع بأنس المستطرف منها، حتى ضاع بينها وتبدد في اثنائها، فبطل الانتفاع به، ولم يصل لسامعه وقارئه اتصالاً يربط بعضه بعضاً، بل تنسى النكتة منها قبل ان تجيء اختها، وتنفلت من الذهن قبل ان تقيدها نظيرتها». لذلك جمع المؤلف هذا الكتاب حيث يرى ان اكثر الناس انتفاعاً به واكبرهم حظاً منه، هم الوزراء واصحاب الجيوش وسواس المدن ومديرو امر العامة والخاصة، ثم سائر طبقات الناس، واقل الناس حظاً لا يخلو ان ينتفع به في سياسة المنزل وعشرة الاصدقاء ويستعرض في بداية الكتاب ملوك الفرس واحداً واحداً، ويتعقب نسب كل واحد منهم، واهم الافعال التي قام بها، ومن عاصرهم، حتى ليعتبر هذا الجزء اهم الكتب في تاريخ الفرس وملوكهم، ثم ينتقل الى عصر النبي الكريم «محمد صلى الله عليه وسلم» والخلفاء الراشدين، بادئاً مما جرى في غزوات الرسول الكريم والتدابير البشرية والحيل الانسانية، التي سلكها الرسول الكريم وجماعته للانتصار على المشركين. إعداد ـ محمد سطام الفهد