الحمد لله الذي أنزل الفرقان وصلى الله على النبي العدنان صلى الله عليه وسلم وبعد، سورة الفرقان من السور المكية وعدد آياتها سبع وسبعون آية، وهي السورة الثانية والأربعون في ترتيب النزول، نزلت بعد يس، وقبل سورة فاطر. سورة الفرقان جاءت على نهج السور المكية في الدعوة للتوحيد وعلى صدق من بعث بالفرقان، وذكرت أحوال القيامة وجاءت آياتها في مدح المؤمنين وأعمالهم وهددت الكفار على سوء جرمهم، وعدم اعتبارهم من ذكر قصص الأمم السابقة، وسورة الفرقان أخذت عنوانها من الآية الأولى عند قوله تعالى «تبارك الذي نزل الفرقان على عبده» وهذا العنوان الذي ارتبط بهذه السورة إنما هو ارتباط القرآن بالقرآن، حيث الفرقان اسم من أسماء القرآن الكريم وعنونة السورة بالفرقان لأهمية الدعوة للقرآن الكريم، ولأن القرآن هو الفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، بل فرق بين الحضارة التي تنعم الدنيا في ظلها، وبين الهمجية والجاهلية التي كانت ترزح تحت اثقالها، وانظر إلى وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعبودية حين يضفي القرآن عليه شيئاً يرفعه ويجله لتوضع الأمور في نصابها، وليظل المسلم على نور الحق والصراط المستقيم فلا يرفع المصطفى صلى الله عليه وسلم عن موضع العبودية لله كما فعلت النصارى مع المسيح عليه السلام، ففي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعبودية تكريم له وتشريف، ونزل الله على عبده القرآن فارقاً بين الحق والباطل ومفرقاً في النزول، فكان ينزل منجماً تبعاً للحوادث ليكون ذلك ادعى إلى حفظه، والتثبت منه وفهمه، وليكون النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن للعالمين جميعاً إنسه وجنه في كل زمان ومكان نذيراً وسراجاً منيراً يهدي به الله من اتبع رضوانه ويهدي إليه من يشاء. والحديث عن مقاصد أسماء السور يوضح لنا حقيقة وهي ان الحديث عن أسماء السور، وهو نفسه الحديث عن القرآن، لأن من أسماء القرآن «الفرقان» والذي جعل عنوان لهذه السورة العظيمة، فما المراد من هذا الاسم العظيم لسورة عظيمة يتضح من خلال البحث ان المراد هو توجيه العباد إلى هذا القرآن الذي فرق بين الحق والباطل ويتسع معنى كل كلمة حق وملحقاتها وضد كل كلمة باطل بما تعي أذهان العقال معنى كلمة باطل، لهذا جاءت كلمة «الفرقان» اسم لهذه السورة ليتضح من خلالها عظمة هذا القرآن وعظمة منزله على العباد ليتعظوا بما فيه وينظروا إلى آياته وان الشرك لا ينفع صاحبه، وان الانسان لو سلم نفسه لفطرته لحسُن إيمانه وإسلامه لأنه سوف ينظر بعين الحقيقة فيما حوله والقرآن يدعو إلى ذلك من خلال هذا الفرقان العظيم الذي أصبح حديث المجتمع الجديد في الغرب وما حولها من دول، المجاورة والبعيدة، لتتفكر في كيفية الوصول إلى هذا الأمر العظيم الذي خاطبهم من خلال تحليل اوضاعهم الخلقية وهي كيف خلقوا وماذا يعبدون من دون الله آلهة صنعوها بأيديهم ثم يسجدون لها، هل هذا شيء معقول، طبعاً لا عند أهل الايمان على هذا نهج القرآن الكريم في ايصال المعلومات اللازمة من خلال الفرقان لكي يفرق هذا الانسان بين المعبود الحقيقي المتصرف في خلقه وبين معبود مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. وعلى ما تقدم نصل إلى نتيجة واحدة وهي ان الانسان ملزم بالطاعة والاذعان لرب العالمين، وان الذي كفر إنما كفره خلاف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وان كلمة «الفرقان» التي جُعلت عنوان للسورة فيها إشارة صريحة إلى كل منزلة أدنى إلى فهم ان هذا الفرقان يحول بينك وبين ما تشتهي وتستدل بذلك على دلالة كلمة الفرقان وانها تفرق حتى بين الانسان ونزعاته حيث ان الانسان له شهوات ومآرب، وعند قضية توحيد وإيمان وإما ان يتبع التوحيد والايمان ويذعن لأوامر الله وإما تتغلب عليه شهواته وينتصر عليه ابليس ويضعه في الغواية والضلال. أخي الكريم، ونحن في هذا الشهر العظيم وفي نهاية أيامه المباركة علينا ان نتعرف على الفرقان وان نفرق بين الخير والشر وإذا عرفنا الذي علينا الا نجمعه مع الخير حيث ان الطاعة والمعصية لا يلتقيان وكم منا للأسف من لا يحسن ان يفرق بين الطيبات والخبائث والشواهد على ذلك كثيرة ويكفي ان يقف الانسان مع نفسه ويحاسبها كم هي مع الفرقان وهل في استطاعتها ان تفهم معنا الفرقان. أسأل الله ذلك. أخي الكريم، هذا شهر الخير والبركة قد انتهى وشارفت أيامه على الفراق ولكن على المسلم ان يتخذ زاده من شهره لعامه حتى يصلح الله له الحال وعلينا ان نقوّم النفس ومدى تأثرها بالطاعة ومحافظتها عليها، فذلك يرجع إلى مدى صدقنا مع الفرقان وهل استطعنا من خلال هذه العبادات ان نفرق بين الحق والباطل والتمسنا الحق واتخذناه منهجاً أم اننا نتبع هوى النفس فنكون على ذلك في باب الخسارة وكم من منا سوف وهلك دون التوبة أخي الكريم احرصي على التوبة ونسأل الله لنا ولكم السلامة ونسأل الله ان يتقبل منا الصيام والقيام كما نسأله ان يمدنا بالحياة الكريمة وعلى امل ان نلتقي في رمضان المقبل لنكمل ما تبقى من مقاصد أسماء السور والتي نسأل الله ان يجعل لنا فيه الخير والبركة والصفح عن الزلل وكل عام وانتم بخير، ولكم السلام. د. سيف الجابري