يتميز المجتمع الإسلامي بأنه مجتمع الأخوة والمساواة والايثار وهو ما يفرض على المسلمين أن يسود بينهم التكافل في المشاعر والأحاسيس فضلا عن التكافل في الحاجات والماديات، وتشريع الوقف في الإسلام يدل دلالة واضحة على أن صلة العقيدة الإيمانية أقوى من كل الصلات القائمة على الجنس واللغة والموطن، وأنها مناط الحضارة الإسلامية وأساس تقدم الأمة الإسلامية. وأول من نادى بتأصيل الوقف وتقنينه وكما ورد في الدراسة التي أعدها د. عبد العزيز فرج محمد موسى تحت عنوان أحياء الوقف الإسلامي ودوره في توفير فرص عمل جديدة، هو النبي صلى محمد الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة المنورة ووجد بئرا يمتلكها يهودي ويبيع لاحتكاره منها ومستغلا ندرة المياه لبيعها بأغلى الاسعار، فنادى النبي من يشتري بئر رومه فيجعل فيها دلوه من دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه وجعلها وقفا على المسلمين جميعا، وكان ثاني أعظم وقف في عهد النبي هو ذلك الوقف الذي أوقفه عمر بن الخطاب وهو نصيبه في أرض خيبر والتي قال فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: اني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فبماذا تأمرني فيها؟ قال صلى الله عليه وسلم إن شئت حبست أصلها أي وقفته وتصدقت بها وقال ابن عمر فتصدق بها عمر لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولايوهب، ثم تطور الوقف في حياة الصحابة حتى بلغ حدا وازداد فجعل له الخلفاء الراشدون ومن بعدهم على عهد عمر رضي الله عنه وحتى اليوم ولاية مستقلة عن أموال الدولة سميت بزمام الوقف وجعل لها واليا ناظرا يتولى إدارتها وتعريف شئونها حسب ما شرط الواقفون. بصفة معلومة والوقف حسب التعريف الذي أورده الباحث هو عند أهل اللغة قيل هو الحبس والمنع، يقال وقفت الدابة وقفا ووقوفا، إذا جلست في مكانها وسكنت فيه وعند الفقهاء بالنسبة للحنفية هو حبس شئ معلوم بصفة معلومة وهو حبس العين على مالك الواقف والتصرف بالمنفعة، وعند المالكية عرف بأنه وقف منفعة مملوك ولو بأجره، أي وقف غلته لمستحق مدة ما يراه المحبس، وعند الشافعية هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود، في حين أنه عند الحنابلة هو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وعند الظاهرية الإحباس، وعند الزيدية هو حبس مخصوص على وجه مخصوص بنية القربة، وعند الإمامية هو تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة، والتعريفات المختارة للوقف منها تعريف الحنابلة بأن الوقف عبارة عن تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة لكونه أبين لحقيقة الوقف ولاتفاقه مع قول الرسول الكريم لعمر بن الخطاب «إحبس أصلها وسبل ثمرتها». والوقف نوعان أولهما الوقف الخيري وهو الذي يكون لجهات البر والخير العامة مثل المدارس والمساجد والجامعات والمستشفيات والملاجئ وعلى الفقراء والمساكين وابن السبيل، والنوع الثاني وهو الوقف الأهلى يقول عنه الباحث هو الذي تقصد به تحقيق نفع خاص لبعض الأفراد كالوقف على بعض الأبناء دون البعض الآخر، أو الأقارب دون غيرهم وفي ذلك يقول الإمام مالك ليس لولد البنات شئ أي من الوقف إذا قال الرجل هذه الدار حبس على ولدي فهي لولده وولد ولده وليس للبنات شيء وهو الوقف الاهلى، ومن هنا يتبين أن الفرق بين الوقفين هو أن الوقف الخيري يكون على جهة عامة مستمرة لا تنقطع، وعلى فرض تلك الجهة العامة فإن المال الموقوف لا يرجع إلى الواقف بل يصرف إلى جهة أخرى من جهات الخير بينما الوقف الأهلي قد تنقطع جهته أولا تنقطع ما اذا انقطعت الجهة الموقوف عليها عاد المال للواقف أو لورثته، وقد اتفق الفقهاء على وجود نوع ثالث للوقف وهو الوقف المشترك أي يكون للذرية أولا ثم يؤول بعد زوالها إلى الغير من جهات البر. شتى مناحي الحياة يقول الباحث أن الوقف باعتبار أن له دورا فاعلا في التنمية الشاملة فقد كان من اللازم والحتمي على الأمة الإسلامية أن تعيد صياغة وفاعلية الوقف بإحيائه حتى يقوم بدوره السابق ويساهم في ازدهار الحضارة الإسلامية في شتى مناحي الحياة ومن ثم يمكن إزالة معوقات الوقف وإيجاد سبل إحيائه من خلال الغاء كافة التشريعات التي الغت الوقف الأهلى في الدول الإسلامية واستعادة دوره في التنمية وصدور نظام تشريعي يحترم الأحكام الشرعية، وكذلك يتفق مع رغبات الواقفين حتى يمكن لهم تحقيق وظيفة العمارة والإجارة وتحصيل الغلة وكي تتزايد الأموال الموقوفة دون تقييد، وكذلك تحفيز الناس إلى الوقف وبعث الوعي بينهم لكافة الوسائل باعتباره صدقة يتميز عن الصدقة العادية باعتباره صدقة جارية ينتفع بها الواقف في حياته وبعد مماته، فضلا عن الاهتمام بالولاية على الوقف وإدارته بوجود إدارة كفؤة للأوقاف مع توفير كل ضمانات المراقبة من قبل الواقف باعتباره مالكا للمال من جهة والمجتمع من جهة أخرى والدولة من جهة ثالثة، والأخذ بالأساليب الحديثة في استثمار أموال الواقف، وأخيرا التزام الدولة برد الأوقاف الخيرية إلى أوجهها التي حددها أصحابها لها وكذلك رد أراضي الأوقاف المرصودة على الجمعيات الخيرية والإسلامية كي تتمكن من استعادة نشاطها واستثمار هذه الأوقاف استثمار جيدا. وعن دور الوقف في توفير فرص عمل جديدة يشير الباحث إلى أن ذلك يمكن أن يتم من خلال الاستفادة من قدرات العاطلين القادرين على العمل بتدريبهم على بعض الحرف والمهن التي فتلاءم مع إمكانياتهم بتمويل من الوقف وإقامة مراكز للتدريب المهنى والفني والإداري وبذلك يفتح الوقف لهم بابا لدخول سوق العمل، ايضا تمكين الجمعيات الخيرية من دورها في استثمار أموال الوقف وذلك بإعفاء الأنشطة المختلفة من أعباء الضرائب والرسوم باعتبار أن استثمار الوقف يؤدي إلى إيجاد مشروعات اقتصادية إنتاجية تؤدي بدورها إلى النهضة الشاملة ورفع مستوى الناتج القومي، حيث أن الوقف لا يقتصر على المشروعات الخدمية بل يمتد إلى المشروعات التجارية، كما أنه يمكن إنشاء صناديق وقفية للإنفاق من ريعها على استصلاح وتنمية الصحراء وتمكن الشباب من تملكها واستثمارها ويعد ذلك خلقا لفرص عمل جديدة من أجل القضاء على البطالة بينهم. زيادة الأموال الموقوفة وينتهي الباحث إلى أن للوقف دورا بارزا في اتساع دائرة التنمية الشاملة بالمجتمع في شتى مناحي الحياة، إذ يمكن عن طريق تفعيل دور الوقف والعمل على زيادة الأموال الموقوفه والتي يستتبعها زيادة الاستثمار الاقتصادي لها أن توفر العديد من فرص العمل الجديدة والمتنوعة وبذلك لا يوجد عاطلون ويمكن القضاء على البطالة التي انتشرت في الآونة الأخيرة وإحجام الناس عن وقف أموالهم نتيجة تدخل المشرع بالغاء الوقف الأهلى الأمر الذي ترتب عليه قلة الموارد وزيادة الأعباء في كافة المجالات ومن ثم يجب إعادة النظر بالنسبة لاعادة الوقف الأهلي لكي يسهم بدوره في زيادة الموارد وتنمية القدرات البشرية والعمل على زيادة الناتج القومي للمجتمع.