الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. تصور البعض أنه لما كان الإسلام دين التوحيد، فإن التوحيد ينسحب على كل شيء فيه بما في ذلك المجتمع ومظاهره وتجلياته من نظم وأوضاع وفنون وآداب وعادات وسلوك وأزياء الخ.. فلا يوجد إلا نمط واحد في كل مجال من هذه المجالات وهو ما يضع المجتمع الإسلامي في قالب واحد لا يتغير ولا يتطور ولا يتعدد. ويقول الكاتب والمفكر الإسلامي جمال البنا في ندوة عقدها تحت عنوان التعددية في مجتمع إسلامي وذلك في إطار نشاطات جمعية النداء الجديد بالقاهرة ان أي محاولة لفرض قالب واحد مصمت على المجتمع بدعوى التوحيد الإسلامي، أو حتى الوسطية الإسلامية، وأي تجاهل للعوامل العددية التي تؤثر في هذا المجتمع أو تقف في وجه التعددية تكون محاولة محكوم عليها بالفشل، لأنها تخالف البناء الرشيد والقصد السديد وأن الأولى بهما هي قيمة المعرفة، إذ هي تميز ما بين الخطأ والصواب كما تهدينا إلى السبل الموصلة والوسائل الناجحة، فإذا لم تكن لدينا المعرفة بهذا كله تخبطنا وتوزعتنا الطرق وغلبت المماحكة أو أغرتنا الأماني فنمضى طويلا دون أن نصل إلى شيء.. فما هي أصول التعددية، وكيف تكون في مجتمع إسلامي؟ توحيد الله يستتبع التعددية لم يصل دين من الأديان بتوحيد الله إلى الحد الذي وصل إليه الإسلام، فالله في الإسلام هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وعندما يقول الله تعالى عن نفسه إنه الواحد الأحد، فمعنى هذا أن ليس في الكون أو المجتمع أحادية ولكن تعددية يمكن أنه تصل إلى مئات وملايين الصور.ومن هنا - كما يقول الكاتب والمفكر الإسلامي جمال البنا - فإن من يقول ان المجتمع الإسلامي أحادي الطبيعة لأنه يدين بالتوحيد يكون قد خالف الحقيقة، بل والشرك بالله تعالى لأن الإيمان بتوحيد الله يستتبع التعددية فيما سواه، وأن هذه التعددية تصبح أمرا لازما بحكم الواحدية الإلهية، لأن الله تعالى هو الذي أراد هذه التعددية ووضع بها آلياتها، حتى لا يتطرق إليها الخلل، ولهذا نجد التوحيد الخالص بالنسبة لله تعالى، والتعددية المنضبطة بالنسبة للمجتمع. وفي القرآن الكريم العديد من الإشارات إلى التعددية، بل هو من أكثر مصادر التعددية، أو قل أنه الأصل في التعددية الإسلامية، وإذا كان القرآن قد وصف أمه المسلمين بأنها واحدة فهذا يعني أنها واحدة في عقيدتها ولكنه لا ينفي عناصر التميز والاختلاف والتنوع بين شعوب وفصائل هذه الأمة داخل الإطار الفسيح للعقيدة الواحدة.. ومن القواعد التي ترسي التعددية في القرآن الكريم، النص على أن الله تعالى خلق كل شيء من زوجين، وبهذا نفى الواحدية من المجتمع «سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض» وأيضا تقرير مبدأ الدرجات بما يتضمنه ذلك من تفاوت، وبالتالي تعددية وقد استخدم القرآن كلمة «درجة» ليميز بها بين فئات وفئات فقال «ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات»، وحتى بالنسبة للأنبياء «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات» وسنجد أيضا مبدأ استباق الخيرات، وجاء تصوير القرآن لهذا المبدأ متضمنا حرية انطلاق الأفراد من منطلقاتهم الخاصة.. « ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات»، كما سنجد تقرير مبدأ التدافع وهو أقوى من مبدأ استباق الخيرات «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين» وهذا المبدأ يصور المجتمع وفعالياته والصراع ما بين الحق ودعاته والباطل وأشياعه.. وتحدث القرآن الكريم عن الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة أو الذين يستسلمون للمغريات، وتقبل هذا كأمر واقع بحكم الضعف البشري الذي يستولي على بعض الناس، وأوضح أن عطاء الله ليس محظورا عليهم وأن حسابهم لايكون في هذه الدنيا، وإنما في الأخرة «من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب». وتقرير مبدأ حرية الاعتقاد - ولعل القرآن في تقريره هذا المبدأ - أعظم دليل على تقرير التعددية وقد جاء صريحا لا لبس فيه مثل «لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» و«وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» وأوضح القرآن أن الدعوة إلى الإسلام لا تستتبع قسرا أو إغراء، أو حتى أملا أو يأسا، «ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء». وهكذا نرى أن القرآن الكريم يتفهم المجتمع البشري تفهما صحيحا وعميقا، ويحترم طبيعته وانه لم ير هذه الطبيعة جسما صعبا يستعصي على التطوير وإنما هو كيان معقد مركب متعدد يتفاعل بطريقته الخاصة. وكان يجب أن تؤدي طريقة تعامله مع المجتمع البشري وإشاراته المتكررة التي تصب في بحيرة التعددية لجعل المجتمع الإسلامي مجتمعا تعدديا بمعنى الكلمة تزدهر فيه الآراء وتتلاقح الأفكار ويدلي كل واحد بدلوه ويرفع كل واحد صوته ولكن هذا لم يتحقق إلا في بعض جوانب الحياة، ولفترة محدودة مما جعل الإنسان يتساءل كيف حدث هذا،ولماذا؟! لقد كانت الفترة الذهبية القصيرة في تاريخ الإسلام هي فترة النبوة والخلافة الراشدة، ولو استمر التقدم الحضاري للمجتمع الإسلامي ولم يبتل بما أوقعه لكان من المحتمل أن تصل التعددية في هذا المجتمع إلى مستوى قريب مما وصلت إليه التعددية في المجتمع الأوروبي، ولكن هذا التطور لم يحدث فقد قضت عليه النظم الحاكمة الاستبدادية والتقليد الفقهي المغلق. ويصور الفقه الإسلامي من ناحية تطوره هذه المأساة، ففي فترة الإزدهار طوال القرون الثلاثة الأولى تعددت الاجتهادات تعددا وصل إلى حد البلبلة وتناقضت الأحكام في المدينة الواحدة وبقدر ما كان هذا يدل على درجة عالية من الحرية والخصوبة في الفكر بقدر ما كان يتطلب نوعا من التنظيم ولكن هذا كان صعبا على المجتمع وقتئذ فالتجأ الفقهاء إلى إغلاق باب الاجتهاد، وكانت تلك بداية النفق المظلم الذي سار فيه الفكر الإسلامي قرابة عشرة قرون فقد تجمد الفقه ومن ثم الفكر الإسلامي، وشيئا فشيئا أصبح الفقهاء هم رجال القانون الذين يحفظون النظام القائم ويعبرون عن سياساته، وبذلك فقد المجتمع الإسلامي حريته الفكرية بعد أن فقد حريته السياسية. أما في القضية الحساسة (المرأة ) التي كان يمكن أن تكون اصلا لعدد كبير من التعدديات فإن إشارات القرآن إلى تحريرها ومساواتها، وممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم المتعاطفة مع المرأة، لم تنجح كلها في اقتلاع حمية الجاهلية التي انتقلت من المهد الجاهلي حتى العصور التالية، وكان المجتمع الجاهلي يقوم على السلب والنهب ولا يعترف بالمرأة لأنها لا تحارب ولا تأتي بغنيمة وترسب هذا المعنى في نفسية المسلمين حتى بعد أن تغير المناخ الاجتماعي. تعددية الأديان يصل القرآن إلى الغاية في التعددية عندما يقرر - وهو الذي يختلف عن المسيحية واليهودية وبقية الأديان الأخرى - قبول وجود هذه الأديان والتعايش معها ولاجدال أن في إرادة الله تعالى وجود الأديان الثلاثة جنبا إلى جنب حكمة كبيرة فقد أراد لها أن تتحد في الأب وتختلف في الأم فتكون (ابناء علات) كما قال الرسول ليتحقق فيها عنصر من الوحدة وعنصر آخر من التميز، كما لم يشأ أن ينفرد بها واحد منهم بالبشرية، فهذا يتعارض مع التعددية التي هي في طبيعة المجتمع البشري.. فوجود أديان ثلاثة التي هي الحد الأدنى للجمع واتصاف كل منها بمعالم مميزة يمثل تعددية الأسرة التي تعلم أبناؤها قواعد التعامل والأخذ والعطاء وما يكون لها وما يكون لغيرها وأداب الإئتلاف والاختلاف وأن يكمل ما لدى الواحد ما ينقص لدى الآخر. فاليهودية بتوحيدها الصلب والمسيحية بمحبتها والإسلام بعدله كلها تمثل التكامل المطلوب في عالم القيم.. والتعددية الدينية بما تتضمنه من اختلافات هي إرادة إلهية لا مناص عنها، ولما كان الاختلاف مطلوبا، فإن الله تعالى خص نفسه بالفصل فيما كانوا فيه يختلفون يوم القيامة وبهذا حسم القرآن شأفة الخلاف وحرم على كل فريق أن يدعي الافضلية وأن يرى أن الاخرين ليسوا على شيء ولأن يدعي الجنة لنفسه والنار للمخالفين فهذا ليس من حقه وفيه افتيات على حق الله تعالى. وحكمته سبحانه في هذا كله أن الأديان رغم اختلافها تنتهي كلها إلى حقيقة واحدة هي الألوهية الواحدة. ولما كانت السنة مبينة للقرآن ومطبقة لتوجيهاته فإن الرسول ما ان وصل إلى المدينة حتى وضع وثيقة وحد فيها بين كل من يسكن المدينة واعتبرهم أمة دون الناس لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصحية والبر دون اثم.. الخ. وهناك أثر له دلالة عميقة هو ما جاء في مشكاة المصابيح مرويا عن عبد الله بن عمر قال كنا نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فمر بقوم فقال من القوم قالوا نحن المسلمون، وأمرأة تحصب «أي توقد» بقدرها ومعها ابن لها فإذا ارتفع وهج النار تنحت به فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أنت رسول الله قال نعم قالت بأبي أنت وأمي اليس الله أرحم الراحمين قال بلى قالت ان الأم لا تلقي ولدها في النار فأكب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي ثم رفع رأسه اليها وقال ان الله لا يعذب من عباده إلا المارد المتمرد الذي يتمرد على الله وأبى أن يقول لا إله إلا الله رواه ابن ماجه. فهل هناك تعددية دينية دون حساسية مثل هذه؟ الحكمة يعجب الإنسان، كيف فات على الأئمة الاعلام أن يجعلوا من الحكمة أصلا من أصول الإسلام ومصدرا من مصادر الفقه بعد أن ذكر القرآن الكريم الحكمة مرارا وتكرارا وقرنها بالكتاب، وأغلب الظن أنهم عزفوا عن الاعتراف بأصل ومصدر مفتوح غير محدد أو منضبط يسمح بالانفتاح والتعددية وهي صفات يضيق بها الفقهاء عادة لأنها تفتح عليهم بابا لا يمكنهم التحكم فيه وقد ذكر القرآن الكريم الحكمة في آيات عديدة منها «ويعلمهم الكتاب والحكمة» «واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به» و«وأذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة، إن الله كان لطيفا خبيرا». وكان إيراد القرآن للحكمة بهذه الصفة مما دفع الشافعي أن يذهب إلى أن الحكمة هي السنة وهو أمر كان يمكن قوله لولا أن القرآن استخدم الحكمة في آيات أخرى بمعنى ينفي أن يكون المقصود بها السنة، فقد أتى الله داود الحكمة «وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب»، كما أتاها لقمان «ولقد آتينا لقمان الحكمة أن أشكر لله»، كما أتاها عيسى والنبيين، كما تكلم عن الحكمة بصفة مجردة «يؤتي الحكمة من يشاء» و«أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة». وإزاء هذه الآيات التي تجعل الحكمة جزءا من رسالة الرسل وشريكة للكتاب يكون علينا أن نرد على سؤال ذي شقين : الشق الأول هو ماذا يعنيه القرآن بتعبير الحكمة؟ والثاني هو لماذا ذكر الحكمة جنبا إلى جنب الكتاب ولم يقتصر على الكتاب وحده؟! لعل أقرب تعيين لمعنى الحكمة في القرآن هو العقل الخير والقيم العليا، والعلم الهادي الذي يستبعد الخرافة ويحول دون أن يضل المؤمنون. ويعزز هذا نصوص في القرآن تحث على التفكير وإعمال العقول والتدبر فيما خلق الله.. ان هذا التفسير لمعنى كلمة «الحكمة» التي ترددت في القرآن يعيننا في الرد على الشق الثاني من السؤال والرد هو أن الكتب السماوية سواء أكانت قرآنا أو إنجيلا أو توراة هي بالدرجة الأولى كتب هداية وقد تضمنت أصول وقواعد ومبادئ هذه الهداية ولكنها لم تتضمن تفاصيل وجزئيات ذلك، كما لم تتناول جوانب أخرى عديدة في الحياة الإنسانية، وفي الوقت نفسه لايمكن تجاهلها أو إغفالها فهناك الآداب والفنون والفلسفة، وهناك قبل هذا كله العقل الإنساني الذي يستبد به الفضول والاستشراف للمعرفة ونشوة الكشف عن الآفاق المجهولة.. ولعل الله تعالى وهو العليم بذات النفوس لم يشأ للمسلمين أن يوغلوا فيما وجههم اليه القرآن من تقوى وورع بحيث يحيف هذا على حق الحياة الدنيا وما تتطلبه من مقتضيات فتذهب حياتهم الدنيا بدعوى الحرص على الحياة الآخرة والله تعالى يريد التوازن وأن لا يفقد حياتهم ووجودهم الدنيوي فنص على الحكمة بجانب الكتاب وأورد ذلك في الكتاب نفسه حتى لا يظن ظان أن الأخذ بها أي الحكمة يخالف الكتاب.. ومن هنا تتضح حكمة الله تعالى في النص عليها مرجعا وأصلا من أصول الاسلام لأنها هي أداة التعددية والانفتاح والافادة من كل معارف العالم وهو ما يحقق العزة والمنعة والقوة للمسلمين، وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم توجيه القرآن عندما قال «الحكمة ضالة المؤمن إذا وجدها فهو أحق بها. وقال: «اطلبوا العلم ولو في الصين». الاختلاف والإئتلاف الإئتلاف والاختلاف هما قوام كل مجتمع بما في ذلك المجتمع الإسلامي الذي هو جزء منه، حتى على مستوى الأسرة أو الفرد ذاته، والالتزام والتسليم بهذا الأمر هو الضمان لأن لا يتحول الاختلاف الذي هو جوهر التعددية إلى الخلاف الذي هو جوهر الاحادية، فالاختلاف يحتمل الرأي الآخر، ولكن الخلاف يضيق به وبالتالي يسد المنافذ والطرق أمام التعددية لينتهي إلى سيادة الرأي الواحد ونعتقد أن هذا من أكبر المخاطر التي تتعرض لها التعددية في المجتمعات الإسلامية خاصة وأنها في أغلبها قريبة عهد بالحرية، والكثير منها يؤمن بالإسلام قولا واحدا وأن الحق هو مايراه هو والآخر نوع من الضلال.. ان الذين يرون - كالمودودي - أن المجتمع الإسلامي الأمثل هو المجتمع الذي لايوجد فيه إلا إمام واحد وفكر واحد وحزب واحد يقودون اتباعهم إلى نفق مظلم ويؤخذون بفكر نظري يناقض الطبيعة والأشياء ولو قدر لهم الانتصار لجنوا على بلادهم أعظم الجنايات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وما على هذا تبنى النظم وتستخلص الاحكام. ويعطي ما جاء في القرآن الكريم تحت مادة اختلف دلالات ثمينة تناقض الانطباع السائد، لأنها ترى أن الاختلاف ظاهرة طبيعية يقوم عليها الكون والمجتمع والفرد، ويرى القرآن أن الإختلاف هو أمر لا مناص عنه، وأن الاتفاق مستبعد، بل مستحيل، وأن محاولة فرض رأي معين على الآخرين يثير العناد ويدفع للتمسك بالرأي الآخر ويصيب العلاقات في المجتمع بسم العداوة، ولهذا فإن القرآن أحال البت في الإختلاف إلى الله تعالى يفصل فيه يوم القيامة وهو ما يغني الفرقاء عن الصراع والعمل بكل وسيلة لحمل الآخرين على التسليم لهم «ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون». وكما اقر القرآن الكريم الاختلاف، أقرت السنة أيضا الاختلاف وذلك عندما ارتأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن للمجتهد المصيب أجرين، وللمخطأ أجر، فأثاب المجتهد الذي يخطئه التوفيق وهذا أقصى ما يمكن أن يصل إليه الاعتراف بالتعددية وبحرية الفكر لأنه يجاوز إطار الإقرار إلى درجة التشجيع ومعلوم جيدا أن الصحابة كانوا يختلفون في فتاويهم، ولم يثر الاختلاف عداوة إلا عندما ارتبط - فيما بعد- بالسلطة، كما لم يجد الفقهاء الاعلام الأوائل جرحا في اختلافهم مثل مالك والشافعي والليث الخ، بل كانوا يأمرون الناس بانعام النظر والتدبر وينهون عن التقليد. وبالإضافة إلى هذه الضرورية الأصولية للإختلاف في المجتمع، فقد كان هناك عاملان أديا إلى التعددية في المجتمع الإسلامي هما هداية الأنبياء وغواية الشياطين، ونقر بأن المجتمع الإسلامي لا يختلف في خضوعه للضعف البشري واستسلامه لإغراء الشيطان عن المجتمعات الأخرى إلا في الدرجة، لأن الإيمان الإسلامي يعصمه من السرف والشطط ولكنه قد لا يمنعه من الاستسلام لما هو دون ذلك، ومن ثم لا غرابة أن يوجد في المجتمع الإسلامي صور عديدة من الممارسات التي تجافي القيم والمثل الإسلامية لأن مجرد وجودها ليس نهاية المطاف فهناك عمل الحسنات التي تجب السيئات، والتوبة والاستغفار وغيرها. آليات ضبط التعددية قد يبدو أن التعددية ليس في حاجة إلى آليات لضبطها لأن طبيعة التعددية تسمح بكل التوجهات والتيارات، ولكن لابد من تنظيمها وأن نستمر في علاجها لضمان حسن التطبيق واكتشاف المآخذ عند التطبيق. ولابد من توافر قدر من الوعي الرشيد بالإسلام التي ترشد التعددية وتجنبها الانحراف نحو اتجاهات قد تكون سليمة موضوعيا، ولكنها غير مواتية في مجتمع إسلامي أو أنها تؤدي إلى إذابة أو طمس لخصوصية تمثل إضافة وتمييزا.. ويعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد ضمانات التعددية لأنه ليس إلا ترخيصا بحرية الفكر وتأكيد عليها، ولو انعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان من المحتمل دخول منكرات لاعدادها دون احتجاج أو نقد ولكن - للأسف - سنجد أن الصورة في أذهان «الإسلاميين سواء القدامى والمحدثين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تختلف عما أمر به القرآن وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم مما يوحي بأن ما يجاوز الأمر باللسان أو النية في القلب إلى ممارسة تغيير باليد منسوخ بنص الآيات القرآنية باستثناء حالات الضرورة التي يؤدي فيها الموقف السلبي إلى مشاركة في جريمة، وهو أمر تجرمه معظم القوانين الوضعية. وإذا أردنا من باب التحديد تعيين ما تستتبعه التعددية في مجتمع إسلامي لقلنا ان أول قاعدة تنبثق منها التعددية نفسها هي الحرية كمنطلق لكل خطوة في النشاط الفردي والجماعي، والإسلام لا يتناقض مع فكرة الحرية كأصل والتعددية كمظهر وتطبقة لها لأن توحيد الله تعالى لا يحتمل تأويلا ويستتبع التعددية في كل ما عدا ذلك، ونطاق الحرية في الإسلام في مجال الفكر والاعتقاد لا يحده إلا تحول ممارسة هذه الحرية إلى ممارسة قذف وسب أو جعلها وسيلة ابتزاز أما أي حرية تقوم على منطق وتستند على حجة فلا يجوز أن يوضع عليها قيد وبالنسبة للحريات الاقتصادية والسياسية فإن التحفظ الوحيد عليها هو إقرار العدل حتى لا يتحول إلى استعباد للناس أو التحكم في الشعوب والأخذ بالتعددية في المجتمع يستتبع وجود صور من التعددية في المجال السياسي كتداول السلطة وحرية المعارضة وتقييد صلاحيات الحاكم بإرادة الشعب الخ. وهي تستتبع في المجال الاجتماعي ظهور منظمات المجتمع المدني وهيئات الإصلاح وكل ما يرى بعض الناس أنه جدير بأن يعالج عبر هيئة تنظم هذه المعالجة وتعطيها طابعا اجتماعيا، كما يجب أن تكون هناك صحافة حرة تماما باعتبارها رسالة فكرية بحيث لايجوز حتى للمؤسسة الصحفية نفسها أن تحد من هذه الحرية أو تضع القيود عليها، كما يفترض أن توجد المنظمات النقابية طبقا لما يراه العمال أنفسهم باعتبار أن هذه مؤسسات للدفاع عن حقوقهم.