ـ انتفض الدكتور قائماً وقال قاطعاً: لا.. لا.. لكن هناك من نعتقد انهم مجانين أو صعاليك خارجون عن جادة الصواب، وفي الحقيقة هم يملكون عقلاً راجحاً، وحكمة ربما لا تجدها في العقلاء أنفسهم، لكن دروشتهم وبساطتهم أعطتهم حق الخروج الكلامي على ما نعتقده خروجاً، وهم بتلك الصعلكة يتحررون من طوق الرقابة المفروضة فيقولون ما يحلو لهم دون ان يمسهم أحد بكلمة، فهم في نظر القانون صعاليك وحمقى. يبدو ان كتب الأدب تحدثت عن طائفة من هؤلاء الخارجين الذين وصفوا بالجنون أو الحماقة فهل تدلنا يا دكتور على أحد منهم؟ ـ نعم، لكني سأترك هذه المهمة للدكتور أحمد عبدالستار الجواري، فهو خير من سيعرفكم إلى هؤلاء. قلت لهانز بعد ان شكرنا الدكتور النجار على مداخلته ومساعدته لنا.. لنبحث عن الدكتور أحمد في تلك الشبكة العنكبوتية، حتى نتمكن من الابحار في عالم أولئك الخارجين. بسرعة التقطت الشبكة اسم الدكتور أحمد، فبادرته بسؤالي فجاءت اجابته واضحة صريحة. قال الدكتور أحمد: ان الأدب العربي عرف في تاريخه المديد طائفة من الشعراء نسبوا إلى الجنون أو نسب إليهم الجنون على أشكال تتفاوت في الشدّة واللين، وتختلف في المظهر والسلوك، منهم من بلغ به الجنون حد الاضطراب، ومنهم من كان يمسه مساً خفيفاً لطيفاً يبعث الضحك، ويثير الهزء، ويدخل في باب الفكاهة والمرح، ومنهم من كان جنونه ضرباً من الشطط في الخيال والجنوح عن الواقع إلى الوهم والوسوسة. ويبدو ان بعض قبائل العرب كانت، أو هكذا شاء لها الرواه وأهل الاخبار ان تكون، أوفر نصيباً من فنون الجنون، وأكثر حظاً من الموسوسين والمجانين. ومن أولئك يا أصدقاء بنو عامر بن صعصعة، وبنو نمير بن عامر الذين اشتهر منهم المجنون العامري قيس بن الملوح واشتهروا به، وهو الذي يعرف بمجنون ليلى، ذلك العاشق المتيم الذي ذهب حب ليلى بلبه، وغادره هائماً لا يكاد يعي إلا ذكرها، ولا يكاد يرى إلا خيالها، ولا يكاد يعقل إلا ما أصابه من حبها.. ذلك هو القائل: وداعٍ دعا إذ نحن بالخيفِ من مِنَى فهيج أطراب الفؤادِ وما يَدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطارَ بِلَيلَى طائراً كان في صدري وهو أيضاً القائل: واني لأستغشي وما بيَ نعسَةٌ لعل خيالاً مِنْكِ يلقى خيَالياَ وأخرُج من بينِ الجلُوسِ لعَلني أُحدث عنكِ النّفس في السر خالِيا أصلي فما أدري إذا مَا ذكرْتُها أثنتينِ صَليتُ الضحَى أم ثمانياَ ومن مجانين بني عامر رجل يقال له أبو الربيع العامري واسمه عبدالله، وكان ولي بعض منابر اليمامة، يروى انه احتكم إليه في قتل كلب، فحكم لصاحب الكلب المقتول ان يقتل كلب القاتل، فقال فيه أحد الشعراء: شهِدْت بأن الله حقٌ لقاؤه وان الربيع العامري رقيعُ أقاد لنا كلباً بكلبٍ ولم يَدَعْ دِمَاءَ كلابِ المسلمين تضِيعُ وقلت: لكن يبدو لي يا دكتور ان هناك فرقاً كبيراً بين الأحمق والمتحامق، وكما قيل سابقاً: «لكل داء دواء يستطاب به، إلا الحماقة أعيت من يداويها» والذي أعنيه ان هناك أشخاصاً داروا وجوهم خلف قناع الحماقة كي يفلتوا من المسئولية الاجتماعية.. أليس كذلك؟ ـ نعم، ويبدو ان الجنون الذي اشتهر به بنو عامر كان فنوناً ومراتب، تبدأ بحماقة أبي الربيع وتتدرج وتتزايد حتى تبلغ الهلوسة عند قيس بن الملوح.. وبين هذه وتلك منزلة من اللوثة لم يحرم منها بنو عامر ولم يعدموا من يمثلهم فيها.