يتميز منهج الغزالي في تجديد الفكر الإسلامي بسمات وركائز أساسية فبالإضافة إلى ركيزة (الجمع بين القراءتين) التي أشرنا إليها في الحلقة السابقة، هناك عدة ركائز رئيسية أخرى تشكل في مجملها معالم منهج الشيخ الغزالى، يأتي في مقدمتها:الاجتهاد الملتزم والتجديد المتأني. فمن المعروف أن الاجتهاد، إنما هو وليد التفاعل والتعامل مع الواقع، ولايمكن أن يكون إلا بممارسة العمل في واقع الناس، وهذا الذي يجعل كثيراً من العلماء يظنون انغلاق باب الاجتهاد، حيث غاب التفاعل المؤثر واتخاذ القرار عن الواقع.ولكن الشيخ نزل يتعامل مع قضايا العصر تعامل المتفاعل مع الواقع، فوجد نفسه قد اجتهد في أمور كثيرة، كانت له فيها خيارات فقهية، ولكنه كان لا يخرج بالكلية عن التراث. هذه الخيارات يسجلها الدكتور علي جمعة في (العطاء الفكري للشيخ محمد الغزالى)موضحا أن للغزالي رأيا في حد الردة، وله رأى في وقوع الطلاق بمجرد اللفظ بعد شيوع الاستهانة به بين المسلمين، وله رأى في مسائل الميراث، والوصية والزكاة ومصارفها، وغير ذلك كثير مما يعد من اختيارات الشيخ، التي لم يشذ باجتهاده فيها عن الموروث الفقهي عامة. وهذا الجانب من منهجه، هو الذي جعله ينقل موضوع الخطاب الإسلامي إلى قطاعات لم تعهده في الماضى كالبيئة، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع، وأمور الحكم، والسياسة، والاجتماع. وقد انتقد الشيخ الغزالى تضخم فقه العبادات وقال أن فقه العبادات وجوانب من فقه المعاملات اتسع عندنا اتساعاً أكثر من اللازم، وأن الاستبحار التشريعي في أمور العبادات كان أكثر مما يطيقه الفرد المسلم أو المجتمع المسلم، وأن قليلاً من هذا كان يكفى الناس. وأشار إلى أننا مصابون بضمور في بعض المعاملات، فعندنا على سبيل المثال نحو اثنين وخمسين كبيرة من الكبائر لم توضع لها عقوبات، كالتعامل بالربا أو التعصب، أو الفرار من الزحف، أو أكل مال اليتيم أو الغش، وغير ذلك مما يقع من مخالفات كثيرة، فالحدود التي وضعها الله تعالى لا تغنى عن تشريعات ضابطة في الميدان الاجتماعي، ومع أنها عقوبات تعزيرية لكنها لابد من تنفيذها بصورة محكمة..كما أننا لا نزال فقراً جداً في الفقه السياسي بمعناه الإداري والدستوري على حد قول الغزالي في كتابه «مشكلات في طريق الحياة الإسلامية». إلى جانب ذلك يسجل د.على جمعة عدة سمات وركائز لمنهج الغزالي في التجديد، من أبرزها: *الانطلاق من أن خصائص كلمة الله عامة للبشر كلهم في كل زمان ومكان وشاملة لحياة الإنسان، في المادة والروح والعقل.وتخاطب كل الأشخاص، وكل المعتقدات ومن هذه النظرة فهم الغزالى (القرآن)وفهم كيف نطبقه على الواقع، وهذا الجانب أساس في فهم ماذهب إليه في شأن الأخلاق، وفي شأن المرأة، وفي شأن الفقه الإسلامي، وكان وراء قبوله ورده لنتاج الفكر الغربى، وقبوله ورده لنتاج الفكر الإسلامي، فكل ما يؤدى إلى عالمية كلمة الله- إن صح التعبير- قال به، وكل ما يؤدى إلى شخصنة الدعوة في شعب دون آخر أو زمن دون زمن، رفضه ونقده، مرة باللين ومرة بالحدة التي كان يسميها (حرارة الدعوة). *التفرقة بين القطعي والظني، وتحديد مساحة كل منهما، فكان يقبل النقاش والحوار داخل المذاهب الإسلامية، أو داخل الفكر البشرى مادام في نطاق الظن، ومايمكن أن يكون فيه من رأى، ولايقبل النقاش إن كان الأمر على سبيل القطع الذي لايمكن فيه الخلاف، ومن هنا رأيناه يتمسك بالإجماع الصحيح في كثير من مسائل الفقه، حيث يحول الإجماع النصي وإن كان ظنياً إلى قطعي، وهذا الجانب من منهجه يفسر كثيراً مواقفه من جزيئات الفكر الإسلامي في تراثه أو حاضره، ومواقفه من جزيئات في الفكر الغربي أو الإنساني بعامة . ومن ركائز منهج الغزالى ايضاً -التي يثبتها الدكتور على الصوا، في:«العطاء الفكري للشيخ محمد الغزالى»:الأخذ بالكتاب والسنة معا، فالقرآن هو المصدر الأول المقطوع بثبوته وتواتره اليقينى والسنة هي البيان النظرى والتطبيق العملى له، والبيان لايجوز أن يناقض المبين، لهذا يرفض الشيخ كل سنة تناقض القرآن، ولا يتكلف في تأويلها، ويقول:إذا كان مخالفة الراوي الثقة من هو أوثق منه، وإن كان عدلاً ضابطاً يجعل الحديث شاذاً، أي تنقله عن دائرة القبول إلى دائرة الرفض، أو من دائرة الصحة والحسن إلى دائرة الضعف، فكيف إذا خالف الحديث القرآن؟ بل قد يعد السنة المناقضة للقرآن الكريم مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم . وبناء على منهجه هذا رجح رأى الحنفية في قتل المسلم بالكافر الذمي، قصاصاً إذا قتله عمداً فيقول الغزالي في كتابه«السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»:(إننا لا نحرص على تضعيف حديث يمكن تصحيحه، وإنما نحرص على أن يعمل الحديث داخل سياج من دلالات القرآن، وحديث الآحاد يفقد صحته بالشذوذ والعلة القادحة، وإن صح سنده، وحديث (لا يقتل مسلم بكافر)معلول بمخالفته للنص القرآني (أن النفس بالنفس)(المائدة 44). ويضيف الشيخ:(وعند التأمل نرى الفقه الحنفي أدنى إلى العدالة، وإلى مواثيق حقوق الإنسان، وإلى احترام النفس البشرية دون نظر إلى البياض والسواد، أو الحرية والعبودية، أو الكفر والإيمان، لو قتل فيلسوف، كانس طريق، قتل فيه!فالنفس بالنفس..!!وقاعدة التعامل مع مخالفينا في الدين ومشاركينا في المجتمع أن لهم مالنا وعليهم ما علينا، فكيف يهدر دم قتيلهم؟). ووفقاً لهذا المنهج أيضا نجد الغزالى يقول في التسوية في مقدار الدية بين الرجل والمرأة «إن الدية في القرآن واحدة للرجل والمرأة والزعم بأن دم المرأة أرخص وأن حقها أهون زعم كاذب مخالف لظاهر الكتاب العزيز فإن الرجل يقتل في المرأة كما تقتل المرأة في الرجل، فهما سواء، فما الذي يجعل دية دون دية؟ »فالغزالى في الموضعين السابقين رد العمل بالحديثين حديث (لا يقتل مسلم بكافر)وحديث (دية المرأة على النصف من دية الرجل)لمعارضتهما لظاهر القرآن الكريم، الذي يقضى بالمساواة، ولم يتأولهما على نحو ما فعله الحنفية في الحديث الأول. وانسياقاً مع هذا المنهج رد حديث «بعثت بخراب الدنيا ولم ابعث بعمارتها »الذي اخرجه الطبرانى لمعارضته لقوله تعالى :«ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ». ومن معالم منهج الشيخ الغزالى أخذه بالمصالح المرسلة بشروطها المعتبرة شرعاً وأولها أن لاتعارض نصاً صريحاً.فيقول:«إن المصلحة لابد من رعايتها ومعنى النص الشرعي أن المصلحة قد ارتبطت به أبداً فهو دليلها وضمانها وأي تعطيل له فهو خدش للمصلحة أو تطويح لها. والفقه الصحيح أن نتعرف على المصلحة حيث لا نص، وأن نجتهد في تفهمها، ثم في تحقيقها ناشدين إرضاء الله وخير الأمة ».مشيراً إلى أن المساحات التي يمكن إيجاد أحكام لها على أساس المصلحة المرسلة كثيرة في العقوبات التعزيزية، وفى أسلوب الحكم. وفى ضوء منهجه هذا يمكن فهم بعض ترجيحاته كقوله بأن الجهاد دفاعي وليس هجوميا، وقبوله بمبدأ الديمقراطية ومناداته بها، إذا كان البديل الآخر هو الاستبداد وحكم الفرد. وقد كانت المعاصرة هي السمة الرئيسية التي غلفت كل هذه الركائز التي اعتمد عليها الغزالى في هذا المنهج ومن ثم فإن تجديد الفكر الإسلامي في تجربة الغزالى لا يقتصر على مجال واحد ، وإنما كما قال :«إن تجديد الإسلام ليس نشاطاً في ميدان واحد بل في ميادين شتى، وليس صموداً أمام عدو واحد، بل أعداء كثيرين، لعل أشدهم بأساً يكمن في داخل بلادنا !» وقد إقترح عشرة مباديء لترشيد مسيرة الإصلاح وتجديد الفكر الإسلامي، وضمنها في كتابة «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين»وهى: -النساء شقائق الرجال وطلب العلم فريضة على الجنسين كليهما، وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وللنساء - في حدود الآداب الإسلامية - حق المشاركة في بناء المجتمع وحمايته. -الأسرة أساس الكيان الخلقي والاجتماعي للأمة، والمحضن الطبيعي للأجيال الناشئة، وعلى الآباء والأمهات واجبات مشتركة لتهيئة الجّو الصالح بينهما، والرجل هو رب الأسرة، ومسئوليته محدودة بما شرع الله لأفرادها جميعاً. -للإنسان حقوق مادية وأدبية تناسب تكريم الله له، ومنزلته الرفيعة على ظهر الأرض، وقد شرح الإسلام هذه الحقوق ودعا إلى احترامها. -الحكام - ملوكاً كانوا أم رؤساء - أجراء لدى شعوبهم، يرعون مصالحهم الدينية والدنيوية، ووجودهم مستمد من هذه الرعاية المفروضة ومن رضا السواد الأعظم بها، وليس لأحد أن يفرض نفسه على الأمة كرهاً، أو يسوس أمورها استبدادا. -الشورى أساس الحكم، ولكل شعب أن يختار أسلوب تحقيقها وأشرف الأساليب ما تمحض للّه وابتعد عن الرياء والغش وحب الدنيا. -الملكية الخاصة مصونة بشروطها وحقوقها التي قررها الإسلام، والأمة جسد واحد، لا يهمل منها عضو، ولا تزدرى فيها طائفة، والأخوة العامة هي القانون الذي ينتظم الجماعة كلها فرداً فرداً، وتخضع لها شئونها المادية والأدبية. -أسرة الدول الإسلامية مسئولة عن الدعوة الإسلامية، وذود المفتريات عنها، ودفع الأذى عن أتباعها حيث كانوا، وعليها أن تبذل الجهود لإحياء الخلافة في الشكل اللائق بمكانتها الدينية. -اختلاف الدين ليس مصدر خصومة واستعداء، وإنما تنشب الحروب إذا وقع عدوان أو حدثت فتنة أو ظلمت فئات من الناس. -علاقة المسلمين بالأسرة الدولية تحكمها مواثيق الإخاء الإنساني المجرد. - يسهم المسلمون مع الأمم الأخرى - على اختلاف دينها ومذاهبها - في كل ما يرقى ماديا ومعنوياً بالجنس البشرى، وذلك من منطلق الفطرة الإسلامية والقيم التي توارثوها عن كبير الأنبياء، محمد عليه الصلاة والسلام. د. محمد يونس