من أبرز توجيهات القرآن الكريم توجيه المسلمين إلى الأخذ بالعدل بين أفرادهم وبين جماعاتهم وفيما بينهم وبين سواهم من غير المسلمين والعدل يؤكد دعم الكيان القومي للشعوب وانتظام سياستها وسيادتها. واذا وجدت أمة قوية تجد ان العدل أقوى اركانها يقول الله تعالى: (ياأيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). ويطالب القرآن المؤمنين بأن يكونوا قوامين لله طواعية لأمره وقد فرج القرآن شأنا من شئون دنياهم وهو الشهادة بالقسط أي بالعدل التام فيما يقع بينهم من شهادات وقضايا وما يجري لديهم من خصومات في الأموال والدماء وكل ما يثور بسببه تنازع وخلاف والله يحب من عباده المؤمنين ألا يجعلوا العدالة مجاملة لصديق ولا الانحراف عنها وسيلة إلى التشفي من عدو. واعتبر القرآن عدم العدل جريمة نكراء وأن العدل هو اقرب للتقوى والعدل هو اعتدال بين جانبين لا إلى اليمين، ولا إلى الشمال فهو كميزان قائم لا يميله عن الجادة مساس ولقد أغنانا القرآن الكريم عن تشخيص العدل فضرب له الامثال ومنها الميزان واشترط ان يكون بالقسطاس المستقيم يقول تعالى: (ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة). والعدل يكون منك فيما لك أو عليك وفيما يصدر عنك وعن جوارحك من قول أو عمل وفيما يجري منك لشئون الناس وفيما يقع عليه عينك أو تطول اليه يدك أو ينطق به لسانك ويكون فيما تنطوي عليه سريرتك يقول تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا). وإذا سيطر العدل تجد النفوس تتأخى وتقوى الروابط بين الناس وتردع الجائر وتقوّم المعوج. دخل ذات يوم على النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فيه غلظة وخشونة وطلب منه المزيد في العطاء، وقال له في عنف أعدل يا محمد واعطني من مال الله لا من مالك ولا من مال أبيك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أعطوه من مال الله. خرج الرجل من عند محمد صلى الله عليه وسلم راضي النفس. والظلم انحراف عن الجادة أو ميل من جانب إلى جانب. والظلم كاللهب وعاقبته خساراً وبواراً. والظلم دعوة الشيطان فهو دائما يزينه والمرء بحاجة إلى تبصيره سوء ما يعرضه شيطانه، ويضرب الله لنا المثل الاعلى وهو الحكم الاعلى فيقول تعالى: (إن الله لا يظلم الناس شيئا)، ويقول (إن الله لا يظلم مثقال ذرة)، ويقول أيضاً (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). ويأخذ الله على عباده أن يستنوا بسنته وينزلوا عند ارادته ويقيموا شرائعهم على هذا الاساس من شريعته حتى مع من خاصموا ربهم في دينه ولم يستجيبوا لدعوة رسوله يقول تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). ويخوف الله عباده من الظلم يقول تعالى: (إنه لا يفلح الظالمون) اكدت احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ان دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. وأفادت ان الظلم في الدنيا ظلمات يوم القيامة ويقول الظالم (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله). والله لا يغفل عما يفعله الظالمون يقول تعالى: (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار). والعدل إذن من صفات الله والله يدعونا إلى الاتصاف بصفاته ليستقيم الامر بيننا وحتم علينا القرآن ان نأخذ انفسنا بالعدل ولو مع عدونا ولقد احتكم يهودي مع علي بن ابي طالب رضي الله عنه امام شريح قاضي المسلمين وكان اليهودي اخذ درعا لعلي وادعاها لنفسه وهو يعلم بكذب نفسه ولما وجد من عدل شريح أنه لم يتعصب لأمير المؤمنين وسوّى بينه وبين اليهودي في مواقف القضاء ولم يسمع شهادة الحسن بن علي لأبيه واكتفى بيمين حلفها اليهودي وحكم له بالدرع اهتزت نفسه اليهودي اعجاباً بعدالة الاسلام وأعلن اسلامه. ومن العدل المنشود ألا يتمرد محكوم على حاكم ولا صغير على كبير والاسلام كدين سماوي يأبى ان يكون في ظله شيء من الجور لأن المدنية الصحيحة لا تقوم إلى جانب الظلم وليس العدل خاصا بالحكام بل هو متعلق بكل ما يؤخذ بقوله في خصومه أو يحتكم إليه في رأي أو يتولى رعاية في جماعة ولو في أهله وولده. حسن صلاح عزام