الحمد لله واهب النعم وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم وبعد.. سورة الكوثر من السور المكية على قول أكثر المفسرين وعدد آياتها ثلاث وهي أقصر سور القرآن كعدد كلمات وعدد حروف، وهي السورة الخامسة عشرة في تعداد نزول السور، نزلت بعد سورة العاديات وقبل سورة التكاثر، سورة «الكوثر» أخذت اسمها من مضمونها والكلمة التي اشتهرت بها وهي الكوثر. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ غفا اغفاءة، ثم رفع رأسه وقال: انزلت علي آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم «إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر» ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربّي عز وجل، عليه خير كثير هو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة. والسورة جاءت بمقاصد أسماء السور، واشتملت على بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أعطى الخير الكثير، ووجه للشكر وبين سبحانه وتعالى حال أعدائه، وان انقطاع الولد الذكر ليس بترا لأن ذلك لا أثر له في كمال الانسان، لهذا قال له ربه أعطيناك، أي أعطيناك من المواهب الشيء الكثير الذي يعجز عن بلوغه العد، ومنحناك من الفضائل ما لا سبيل للوصول إلى حقيقته، وان استخف به أعداؤك واستقلوه، فإنما ذلك من فساد عقولهم وضعف ادراكهم. وفي السورة رد بليغ على العاص بن وائل عندما عاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أبتر لعدم وجود الولد عنده، وخاصة بعد وفاة ابنه عبدالله وانقطع من الذكور، فجاء الرد ان مبغضك كائناً من كان هو المقطوع ذكره من خيري الدنيا والآخرة، وأما أنت فستبقى ذريتك ويبقى حسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، أما شانئوك وحاسدوك ومبغضوك فهم المقطوع أثرهم، الذين لا يبقى لهم ذكر جميل، وقد شبه الله الذكر الجميل بذنب الحيوان لأنه يتبعه وهو زينة له، وشبه الحرمان من الأثر الطيب بقطع الذنب. ومن وجه آخر لو تبصرنا في دلالة الاسم وعملنا نوعاً من المعادلة في معرفة اشارات السور ومقاصدها مع سورة الماعون لتبين لك ان سورة «الماعون» بافصاحها ناهية عن مساوئ الأخلاق كانت داعية إلى معالي الشيم، فجاءت الكوثر لذلك وكانت سورة «الماعون» قد ختمت بأبخل البخلاء وأدنى الخلائق: المنع تنفيراً من البخل، ومما جره من التكذيب، فابتدئت الكوثر بأجود الجود، العطاء لاشرف الخلائق ترغيباً فيه وندباً إليه، فكان كأنه قيل: أنت يا خير الخلق غير متلبس بشيء مما نهت عنه تلك المختتمة بمنع الماعون، فجاءت سورة الكوثر مقابلة لها، يقول تعالى: «إنا» بما لنا من العظمة، وأكد لأجل تكذيبهم «إنا أعطيناك» اي خولناك مع التمكين العظيم ولم يقل آتيناك، لأن الايتاء أصله الاحضار وان اشتهر في معنى الاعطاء. (الكوثر) الذي هو من جملة الجود على المصدقين بيوم الدين، ولما كان كثير الرئيس أكثر من كثير غيره، فكيف بالملك، فكيف بملك الملوك، فكيف إذا أخرجه في صيغة مبالغة فكيف إذا كان في مظهر العظمة، فكيف إذا بنيت الصيغة على الواو الذي له العلو والغلبة، فكيف إذا أتت أثر الفتحة التي لها من ذلك (مثل ذلك) بل أعظم، كان المعنى أفضنا عليك وأبحناك من كل شيء من الأعيان، والمعاني من العلم والعمل وغيرهما من معادن الدارين ومعاونهما الخير الذي لا غاية له، فلا يدخل تحت الوصف فأغنيناك من ان تؤثر بذلك أو توفر مالك بجلب نفع أو دفع ضر ومنه النهر الذي في الجنة ويسقى المؤمن من الحوض الممدود منه في المحشر الذي مثاله في الدنيا شريعته صلى الله عليه وسلم التي عراها وأسبابها عدد النجوم الذين هم علماء أمته المقتدى بهم، فقد اجتمع لك الغبطان: أشرف العطاء من أكرم المعطين وأعظمهم، وقال الإمام أبو جعفر ان الزبير لما نهى عما يتلذذ به من الدنيا وزينتها من الاكثار والكبر والتعزز بالمال والجاه وطلب الدنيا، اتبع ذلك بما منح نبيه مما هو خير مما يجمعون وهو الكوثر، وهو الخير الكثير، ومنه الحوض الذي ترده أمته في القيامة لا يظمأ من شرب منه، ومنه مقامه المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون عند شفاعته العامة للخلق واراحتهم من هول الموقف، ومن هذا الخير ما قدم له في دنياه من تحليل الغنائم والنصر والخلق العظيم إلى ما لا يحصى من خيري الدنيا والآخرة مما بعض ذلك خير من الدنيا وما فيها إذ لا تعدل الدنيا وما فيها واحدة من هذه العطايا: «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون» ومن الكوثر والخير الذي أعطاه الله كتابه المبين، الجامع لعقل الأولين والآخرين والشفاء لما في الصدور. د. سيف الجابري