مما لا شك فيه ان الانسان بفطرته يحب الحياة ويحب ان يطول عمره فيها بل يحب الخلود فيها لو استطاع ومن باب هذه الغريزة غريزة حب الخلود دخل ابليس الى ابي البشر آدم ودلاه بغروره ليأكل من الشجرة التي نهى عنها «فوسوس اليه الشيطان قال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى» والدين نفسه يعتبر طول العمر نعمة اذا استخدم في نصرة الحق وعمل الخير. سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل فقال: « من طال عمره وحسن عمله» ولكن مما لا شك فيه ايضا ان الموت قد نغص على الناس الحياة فكثيرا ما اختطف الشاب في ريعان شبابه والعريس في اول ايام عرسه والوحيد المدلل من بين يدي اهله والغني المترف من احضان النعمة والرفاهية والحاكم الموهوب من بين حرسه وحشمه ولهذا سمي «هازم اللذات ومفرق الجماعات» واذا كان الموت خاتمة المطاف ونهاية الحياة فالعمر لا ريب جد قصير مهما طال بالانسان الأمل ومد له في الاجل انما هو ايام معدودة وأنفاس محدودة يقطعها الموت بغير استئذان ويترك صاحبها في خبر كان. ففي الحديث الشريف: «عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به ومسئول عنه» ولم يستطع الطب الذي وصل الى زرع قلب مكان قلب ولا العلم الذي وصل بالانسان الى سطح القمر ان يقاوم الهرم ويعيد للشيخ الشباب بعد ان رد الى أرذل العمر وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «ما أنزل الله داء الا أنزل له شفاء إلا الهرم». واذا كان عمر الانسان محدودا بهذه الصورة فأنى له ان يطيله وكيف يستطيع؟ والحق ان العمر الحقيقي للانسان ليس هو السنين التي يقضيها من يوم الولادة الى يوم الوفاة انما عمره الحقيقي بقدر ما يكتب له في رصيده عند الله من عمل الصالحات وفعل الخيرات. ولا غزو ان تجد انسانا يعمر اكثر من مئة سنة ولكن رصيده من تقوى الله ونفع عباده صفر او ما دون الصفر اي ان رصيده مدين اذا تحدثنا بلغة المصارف. وقد يموت انسان آخر شابا ولكن رصيده في سنينه القلائل بعد سن التكليف حافل عامر بجلائل الاعمال يقول صاحب الحكم «رب عمر اتسعت آماده وقلت امداده ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده من بورك له في عمره ادرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الاشارة» واذن يستطيع المرء ان يطيل عمره بمقدار ما يوفق اليه من عبادة الله تعالى والاحسان الى خلقه وكلما توافر لعمله الاخلاص والاتقان كان فضله وأجره اعظم عند الله. وعلى قدر ما يكون لعمله من الفائدة والتأثير في حياة الآخرين تكون قيمته ومنزلته كأن يدلهم على هدى او ينقذهم من ردى او يفرج عنهم كربة او يرفع عنهم ظلما او يدفع عنهم عدوا او غير ذلك من الاعمال التي يتعدى نفعها الى افراد او جماعات من الناس او الى امة بأسرها ومن هنا كان عمل مثل الدعوة الى الله والجهاد في سبيله في قمة الاعمال مكانة عند الله تعالى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا الى هدى كان له من الاجور مثل اجور من تبعه لا ينقص ذلك من اجورهم شيئا» وقال: «ان في الجنة مئة درجة اعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والارض» وحسبنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرج الناس من الظلمات الى النور وغير وجه التاريخ البشري كله الى اليوم والى ما شاء الله في ثلاث وعشرين سنة اقام دينا جديدا وربى جيلا فريدا وأنشأ امة مثالية وأسس دولة عالمية في هذا الزمن اليسير برغم الصعوبات والمعوقات التي اعترضت سبيله من اول يوم ولا تقل: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤيد بالمعجزات فمن مثله؟ وأين نحن منه؟ فالواقع ان حياته صلى الله عليه وسلم في دعوته وجهاده كانت تسير على سنن الله المعتادة ولم تكن معجزته المتحدى بها هي الخوارق الكونية بل القرآن الكريم. ولهذا كان العمل الصالح اعظم اجرا وأرفع قدرا عند فساد المجتمعات واضطراب الاحوال فالعاملون بدين الله ولدين الله هم صحابة جدد. وبالله التوفيق.