الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. منح الإسلام المرأة كافة حقوقها وأعطاها الحرية في ممارسة الأنشطة المختلفة والإندماج في المجتمع في إطار الحفاظ على القيم والاخلاقيات الإسلامية، وقد شغلت المرأة في المجتمعات الإسلامية الأولى مختلف المناصب ومارست أنشطة في مختلف المجالات، ولم تكن هناك عقد اجتماعية أو تقاليد موروثة تمنعها من القيام بدورها والمساهمة في الرقي بمجتمعها. ورغم هذا يتهم الإسلام في العصر الذي نعيش فيه بأنه حرم المرأة من كل حقوقها وظلمها وجعل للرجال كل وسائل الهيمنة والسيطرة عليها. وتناقش هذه القضية في الحوار التالي مع الدكتورة عبلة سلطان استاذ التاريخ الاسلامي بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر. ـ يزعم البعض أن المرأة في المجتمع الإسلامي لم يكن لها شخصية مستقلة وعاشت مغلوبة على أمرها فما ردك على ذلك؟ ـ المرأة في العصر الإسلامي كانت لها شخصيتها، وكانت تعرف حقوقها وواجباتها ولم تكن ضعيفة أو مغلوبة على أمرها، ولم تكن مهضومة الحق فالإسلام كفل لها حقوقا كثيرة بلغت أقصى حد ممكن في العصور الإسلامية، ولكن مع التغيرات السياسية في العصر الحديث بدأت تتداخل عوامل كثيرة أغلبها سياسية واجتماعية وهذه العوامل أفقدت المرأة الكثير مما كانت تتمتع به في الحياة الاجتماعية التي عاشتها في ظل العصر الإسلامي. حرية المرأة ـ هل معنى ذلك أن المرأة المسلمة كان لها دورها في الحياة الإسلامية بشكل أفضل مما هو عليه الآن؟ ـ المرأة في العصر الإسلامي كان لها دورها في الحياة الأدبية والعلمية والثقافية وكانت لها مواقف كثيرة في ساحات القضاء وفي الحياة السياسية، فالمرأة المسلمة قادت المظاهرات وقدمت اعتراضات بصوت مرتفع لتحصل على بعض حقوقها أو تنادي ببعض متطلباتها، وكانت تتمتع بقسط وافر من الحرية منذ بداية العصر الإسلامي، ففي عهد الخلفاء الراشدين كان النساء يختلطن بالجمهور ليسمعن خطب الخلفاء، وفي هذا العصر ساهمت المرأة المسلمة في جميع المجالات السياسية والأدبية والاجتماعية وشقت طريقها وأنارت حياتها بنور الإسلام، وفي العصر الأموي نبغت بعض النساء في مجال الأدب مثل أم البنين زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك التي كانت تحضر مجالس الأدباء وتلقي الخطب وتجادل وتحاور في شتى الموضوعات وكذلك كانت عائشة بنت طلحة من النساء النجيبات اللاتي نبغن في الحقل الأدبي والتاريخي والعلمي في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، ومن شهيرات هذا العصر أيضا السيدة سكينة بنت الحسين بن علي التي كانت تجالس الأجلاء من قريش ويجتمع إليها الشعراء وكانت أحسنهم شعرا وكانت تنقد الشعراء وتفاضل بينهم، وفي العصر العباسي تمتعت المرأة بقسط وافر من الحرية وبلغت مبلغا عظيما من الثقافة وكانت تنظم الشعر وتنافس الرجل في عهد الخليفة هارون الرشيد وفي عهد المأمون وكانت السيدة زبيدة شاعرة مثقفة وكثيرا ما كانت تبعث برسائلها الفياضة إلى زوجها الرشيد، وفي هذا العصر أيضا كان للمرأة شأن كبير في بلاد الأندلس. وكانت حواء زوجة بن تاشافين لها دور بارز في الحياة الأدبية، وفي مراكش وفي أشبيلية بالأندلس كانت تحضر مجالس الشعر والأدب والكتاب وتشارك فيها بالشعر فقد كانت أديبة وشاعرة ذات نباهة واختصها الشعراء والأدباء بالرعاية وامتدحها شعراء الأندلس مثل الطليطلي بعدة قصائد، وفي المغرب اشتهرت بعض النساء برجاحة العقل والحمكة مثل زينب النزاوية. أشعار العرب ـ وهل صور الشعراء حياة المرأة وتعرضوا لدورها في المجتمع المسلم؟ وكيف كان ذلك؟ ـ من يتتبع أشعار العرب يدرك أن المرأة العربية كانت تتمتع بقسط وافر من الحرية فكانت تشارك في مختلف الأمور، وشاركت الرجل في كثير من أعماله وكانت علاقتها بزوجها على درجة من الرقي أكثر مما يخيل إلينا، يدلنا على ذلك افتخار الرجل بنسبه لأمه في النسيب إذا بدأوا به قصائدهم التي يفتخرون فيها بمحامدهم وأعظم أفعالهم ناهيك عما كان للمرأة العربية من الأثر الصالح في الإسلام. مجتمع محافظ ـ وماذا عن دور المرأة في مجال التعليم؟ وما المساهمات العلمية التي قدمتها المرأة في المجتمع الإسلامي؟ ـ قبل القرن الرابع الهجري - العاشر الميلادي ـ لم تكن المدارس في مصر والشرق العربي قد ظهرت بصورتها المعروفة، وبناء على ذلك كان التوجه إلى حلقات الدرس يكاد يكون مقصورا على الذكور لأن المجتمع الإسلامي باعتباره مجتمعا محافظا كان لا يبيح للمرأة من العامة الخروج بصورة دائمة حتى يمكنها التعلم. حتى ان المرأة كانت إذا أرادت أن تراسل زوجها أملت قولها على أحد الرجال، وكذلك إذا تلقت خطابا فإنها تطلب رجلا يقرأه لها، لكن بداية من القرن الرابع الهجري طالبت المرأة بالمشاركة في الكتابة والخطابة وهناك نساء عديدات اشتغلن بالنحو ونظم الشعر في عصر المماليك مثل ستيتة بنت القاضي كمال الدين محمود. وفي مجال العلوم الدينية كانت هناك فقيهات مثل أم زينب فاطمة بنت عباس التي انتفع بها كثير من نساء دمشق ودأبت الكثيرات على التنقل بين الشام ومصر للإستماع إلى كبار العلماء والمحدثين والمحدثات، وكان كثير من فقهاء عصر المماليك الرجال قد أخذوا فقههم عن بعض الفقيهات الشهيرات اللاتي أجزن لهم، وكان هؤلاء الرجال يفخرون أنهم سمعوا من فلانة وفلانة مثل شمس بنت ناصر الدين. وبالنسبة للحياة الدينية كانت مشاركة المرأة في الحياة الدينية كبيرة، ففي العصر الفاطمي كان النساء يذهبن لحضور المجالس الدينية التي كانت تعقد في الجامع الأزهر لدراسة ما يتعلق بأصول المذهب الشيعي وكانت هناك سيدات يقمن بعمل حلقات للدرس في جامع عمرو بن العاص وفي العصر العباسي أيضا كانت المرأة تحضر مجالس الوعظ في المساجد، وهذا يدل على مشاركتها للرجل في إقامة الشعائر الدينية وفي ميادين العلم والثقافة، ومنذ بداية العصر الفاطمي اشتهرت نساء من الأثرياء والأميرات بإنفاق الأموال في بناء المساجد والأربطة والقصور كجامع القرافة التي أنشأته السيدة تغريد زوجة الخليفة المعز. مشروعات تجارية ـ ما مدى الحرية التي كانت متاحة للمرأة المسلمة في مجال التجارة والبيع والشراء بصفة عامة؟ ـ كانت المرأة منذ العصر الإسلامي تتمتع بالحرية الاقتصادية خاصة فيما يتعلق بالتصرف في أموالها وفي كتابة العقود والوثائق وتمكنها من إدارة تجارتها والسيطرة المستقلة على شئونها المالية وممارسة عمليات البيع والشراء في العقارات وتقديم القروض وإقامة مشروعات تجارية، وكانت المرأة تقوم باقراض زوجها وتشترك مع الآخرين في استثمار الأراضي الزراعية وكانت تقوم بعمليات الرهن أو تكون وكيل دائن لسيدة، وكان لجوء المرأة للقضاء مظهر من مظاهر تمسك النساء بحقوقهن وربما ذهبت المرأة بمفردها للقاضي، أما المنازعات الزوجية فكانت تتم في حضور الزوجين، وكانت المرأة تتقدم أيضا بشكواها إلى قاضي المظالم وغالبا كانت المرأة تترافع في القضايا التي تخصها، فقد قام السلطان أشرف قايتباي بنصرة امرأة رفعت إليه قضية تشكو فيها بدر الدين القرافي أحد نواب قضاة المالكية وأمر بإحضاره وغرمه مالا كثيرا بعد أن عقد عدة مجالس بينه وبين المرأة التي رفعت إليه الشكوى، وفي مصر استطاعت سيدة أن ترفع دعواها إلى الوزير المختص تشكو فيها من القاضي الذي تطلع للزواج منها طمعا في مالها فرفضته فطمع في أملاكها وحقوقها وحجر عليها وأعلن سفهها، وأعاد لها الوزير كل حقوقها. الاختلاط بالرجال ـ هل كانت المرأة تستطيع المشاركة في الحياة العامة في المجتمعات الإسلامية؟ ـ المرأة طوال العصور الإسلامية كانت تتمتع بقدر كبير من الحرية فكانت تختلط بالرجال في الأسواق والمنزهات وفي زيارة القبور وقضاء المصالح بالدواوين الحكومية، وكان للرواج الإقتصادي الذي شهدته المجتمعات الإسلامية مظاهره المتمثلة في الشوارع المضاءة ليلا والدكاكين المفتوحة للبيع، وكانت النساء تخرج في معظم الوقت ليشترين كل شيء بدءا من شراء الجارية إلى شراء الطعام، وفي أوقات كثيرة من النهار، ومع ذلك قلما يتعرضن للوم أزواجهن، وكانت المرأة تباشر معظم أمور الشراء من الأسواق حتى ملابس زوجها بينما المحتسب يراقب النساء تذهب إلى الحمامات وكانت المرأة تخرج إلى الحمام محجبة ومعها أفخر ثيابها وأحسن حليها لتلبسها بعد الاستحمام وتراها الآخريات وتقع المفاخرة والمباهاة، وكانت النساء تخرج إلى المقابر في الليالي المقمرة وليالي المواسم والأعياد وليالي الجمعة من كل أسبوع ومعهن الريحان والزهور والياسامين وهناك يدعون الأهل والأصدقاء ويقمن الولائم ومعهن أولادهن وأزواجهن، وكانت النساء في نزهاتهن يستمعن إلى ألوان من الموسيقى والغناء مما اشتهرت كثيرات من نساء هذا العصر المملوكي الذي ذاع فيه اهتمام السلاطين بهذا الفن، ومع الثراء وزيادة النشاط الاقتصادي وتعقد الحياة في المدن الإسلامية تنوعت أزياء للنساء فأسرف بعضهن في لبس الثياب والحلي مما أفزع الحكام فتدخلت الحكومات لتحديد ملابس النساء في المدينة ومنعهن من الإسراف على أن عامة النساء كان لهن بعض العذر في الخروج أحيانا عن المألوف والمبالغة في الملبس لأن المدينة الإسلامية في تلك العصور عرفت المستحدثات - الموضة - فأولعت نساء كل طبقة بمحاكاة الطبقة التي تعلوها. الصدارة ـ بماذا تردين على الإتهامات التي توجه ضد الإسلام وتزعم أنه لم يمنح المرأة حقوقها وظلمها؟ ـ الإسلام كما نهض بالدولة الإسلامية ووضعها في مركز الصدارة على مستوى العالم، وكان له الفضل في خلق أمة ودولة وتاريخ وحضارة. وكذلك رفع الإسلام من شأن المرأة واعترف بكرامتها الإنسانية وكفل لها أن تتمتع بحقوقها في المجتمع وضمن لها العدالة والمساواة في المعاملة وهذا جعل المرأة المسلمة تتميز بوصفها في منزلة كبيرة بعد أن تلاشت الموروثات الوثنية التي كانت تسلب المرأة كافة حقوقها، وعندما وصلت الدولة الإسلامية إلى عصور التقدم والإزدهار كان للمرأة نصيبها من ذلك من خلال تعدد أدوارها في الحياة العامة وقد جذب ذلك الدور انتباه المؤرخين فكتبوا عنه في المجالات المتعددة التي كان للمرأة فيها دور رغم التقاليد الاجتماعية الشائعة في ذلك الوقت والتي كانت من الممكن أن تحد من أدوارها التي قامت بها في مختلف الأنشطة الاجتماعية والسياسية والعلمية والاقتصادية والدينية، وهكذا فإن تقدير المجتمع الإسلامي واحترامه للمرأة أتاح لها حق الشراكة في الإرتقاء الحضاري وأصبح رقي أي مجتمع من المجتمعات يقاس بمدى تقديره واحترامه للمرأة، وقد تمتعت المرأة في ظل المجتمع الإسلامي بحريتها ونيل حقوقها في التعليم وإدارة شئونها المالية والعائلية، كما حقق لها للإندماج في المجتمع نضجا فكريا ووعيا سياسيا حتى أصبح لها دور مميز في إدارة الأزمات ومواجهة ما يطرأ على المجتمع من متغيرات أو سلبيات. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد