القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة وهو المعجزة التي علمت وهدت البشرية إلى الطريق القويم وإضافة إلى ما يحويه من الاعجاز العلمي به من الاعجاز البلاغي ما دفع كثيراً من الباحثين والمستشرقين إلى الغوص في ألفاظ القرآن الكريم، ومحاولة عمل إحصاء لغوي لها وتكرارها وفي مصر ظهرت أول دراسة علمية تكنولوجية من نوعها والتي تعد من البحوث النادرة التي استخدمت الأسلوب الإحصائي لتصنيف ألفاظ القرآن. د. علي حلمي موسى صاحب الدراسة يقول : لقد اعتمدت على القرآن الكريم وهو المعجزة الإلهية التي هدت البشرية وهو يحوى 114 سورة مرتبة كما رتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الترتيب يختلف عن ترتيب نزول السور عليه كما أن بعض أجزاء السور قد نزلت في أوقات مختلفة وقد تمت عملية جمع الآيات لتكوين سورة بذاتها تحت إشراف رسول الله «ص» ويحتوي المصحف الذي بين أيدينا على بعض السور المكية التي تضم آيات مدنية وبعض السور المدنية التي تحتوي على آيات مكية والمعروف أن أول السور التي نزلت على سيدنا محمد هي سورة العلق ثم القلم أما أخر سورة فكانت النصر. كما أطلعت على كتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الذي وضعه محمد فؤاد عبد الباقي والذي قام فيه بمراجعة معجم المستشرق الألماني فلوجل صاحب كتاب «نجوم الفرقان في أطراف القرآن» والذي يحتوي على جميع الفاظ القرآن مرتبة ترتيبا مجانيا أما المعجم المفهرس فيتضمن جميع الأسماء والأفعال والحروف والأدوات وأسماء الإشارة والأسماء الموصلة. إحصاء اللغة ويضيف الباحث: إن معاجم اللغة العربية تضم مفردات اللغة وجذورها على مر العصور وكان علماء اللغة يودون إستخدام الوسائل التقنية الحديثة للبحث عن كنوز اللغة وإتباع المنهج العلمي في تصنيف وتحليل جذورها وإحصائها في جداول ميسرة، وقد حاولت ذلك من قبل فيما يتعلق بمعاجم الصحاح ولسان العرب وتاج العروس وأقدم تلك المعاجم هو معجم تاج اللغة وصحاح العربية الذي عرف بعد ذلك بالصحاح وهو من وضع إسماعيل بن حماد الجوهري وهو أمام في علم اللغة والأدب وقد رحل إلى العراق ثم سعي إلى الحجاز حتى يقابل عرب البادية ويأخذ عنهم اللغة وفي مدينة نيسابور صنف كتاب الصحاح وتوفي عام 370ه. أما معجم لسان العرب فهو من وضع «أبو الفضل منظور وقد اعتمد في جمع مواده على عدد من المعاجم التى سبقته ومعجم تاج العروس وضعه محمد مرتضى الذبيدي الذي جمع فيه أمهات المكتبة العربية من معاجم اللغة وكتب الطبقات والقراءات والنوادر والأشعار وقد تم هذا المعجم حوالي عام 1200ه. وقد فطن قدماء اللغويين العرب إلى أهمية الاحصاء اللغوي في دراساتهم وكان الخليل بن أحمد عالما لغويا له عقلية رياضية فذة وكان الإحصاء أحد الدعائم لإنتاجه اللغوي أما الجاحظ فقد ذكر في «البيان والتبيين» أن الياء واللام والألف وإلراء أكثر الحروف ترددا كما يشير إلى إجتماع الحروف بعضها مع بعض فيقول : «فأما أقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الصاد ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا تأخير. أما عن إحصاءات القرآن الكريم في كتب التراث فكان الحجاج بن يوسف أول من دعا العلماء لعد حروف القرآن وطلب أن يقوم كل عالم بالعد منفصلا عن غيره ولكن ظهرت روايات مختلفة وقد ذكر «القرطبي» ثلاث روايات أخرى عن عدد حروف القرآن اختلفت هي الأخرى. إحصاءات الألفاظ ويشير الباحث إلى أن دراسته تناولت إحصاء الفاظ القرآن وكانت أهم النتائج أنه ورد ذكر 66 من أسماء الأعلام والأقوام والأماكن وبلغ مجموع ورود هذه الاسماء 978 مرة. أما الألفاظ المركبة من أكثر من ثلاثة أحرف فبلغ عددها 40 لفظا وردت في مجموعها 90 مرة. وقد أظهرت نتائج الحاسوب أن عدد الفاظ القرآن الكريم هو 51884 وإذا أرجعنا كل لفظ إلى حرفه الأول فإننا نجد أن أكثر الألفاظ ورودا في القرآن هي الألفاظ التي تبدأ بحرف الهمزة وعددها 8351 بنسبة 16.1% مثل الله وآدم وأتى والإيمان والأخرة ويليها ما تبدأ بحرف القاف بنسبة 7.88% مثل القرآن ومنقلبون والقيامة ثم ما تبدأ بحرف الكاف بنسبة 7.44% مثل كفروا والكتاب ،أما الكتب السماوية التي وردت في القرآن فهي القرآن 70 مرة والتوراة 18مرة والإنجيل 12 مرة والزبور 3 مرات علما بأن القرآن قد أشير إليه بألفاظ أخرى مثل «الكتاب» و«التنزيل». كما تبين أن موسى عليه السلام هو أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن إذ ورد ذكره 136 مرة أكثرها في سورتي الأعراف والقصص وورد ذكره مع هارون عليه السلام في 12 آيه يليه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام الذي ورد ذكره 69 مرة في 25 سورة من سور القرآن أكثر ما ورد في سورة البقرة «15 مرة » أما نوح عليه السلام فقد ورد ذكره في القرآن 43 مرة في 28 سورة أكثرها سورة هود أما سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فقد ورد اسمه في القرآن أربع مرات فقط إلا أن الله سبحانه وتعالى يخاطبه يا أيها النبي 13 مرة ويا أيها الرسول مرتين ويا أيها المزمل مرة ويا أيها المدثر مرة كما ورد في القرآن « الرسول » للإشارة إلى سيدنا محمد عشرات المرات. وفيما يتعلق بالملائكة فقد ورد اسم « جبريل » ثلاث مرات و« ميكال » مرة واحدة أما الأقوام والأماكن والبلدان فقد ورد ذكر مصر خمس مرات وبني إسرائيل 43 مرة وورد ذكر قوم ثمود 26 مرة وقوم عاد 24 مرة وقوم مدين عشر مرات وورد ذكر كل من قريش ويثرب وبابل ومكه وبكه والصفا والمروة وطور سيناء وطور سنين مرة واحدة. الاعجاز البلاغي هناك الفاظ وردت مرة واحدة فقط في جميع سور القرآن وهو نوع فريد من الاعجاز البلاغي وعدد تلك الألفاظ 19 وهي بالترتيب الهجائي كما يلي : حلقوم - خرطوم - دراهم - رمضان - زمهرير - زنجبيل - سرادق - سلسبيل - شرذمة - ضفادع - عبقري - عرجون - تقشعر - قطمير - قمطرير - نمارق - هدهد - ياقوت - يقطين. وهذه الألفاظ تنتمي إلى مجموعة الألفاظ ذات الأصول والمصادر غير الثلاثية والقرآن الكريم يحتوي على 371 جذرا ثلاثيا، وهي لم ترد مرة واحدة فقط من بين مجموع جذور القرآن الكريم الثلاثية البالغ عددها 1620 جذرا أي أن نسبة الجذور التي ترد مرة واحدة فقط في القرآن هي 23% من مجموع جذور القرآن الثلاثية أي الألفاظ التي يتكون مصدرها من ثلاثة حروف وهي نسبة تمثل قيمة بلاغية كبرى لأن إستخدام اللفظ مرة واحدة من بين أكثر من خمسين ألفا من الألفاظ هو قمة البلاغة وإذا علمنا أن الروس يفخرون بأديبهم تولستوي لأنه في روايته الحرب والسلام وردت كلمة واحدة فقط لمرة واحدة ويعتبرون ذلك إعجازا غير عادي ولسنا في مجال مقارنة رواية بكتاب الله العظيم فالقرآن الذي نزل من عند الله تبارك وتعالى على مدار أكثر من عشرين سنة « زمن الوحي » يحتوي على الفاظ فريدة في بداية نزول الوحي لا تتكرر طوال هذا الزمن وتظل الألفاظ الفريدة في نسيج القرآن العظيم حتى قرب إنتهاء الوحي. وقد تبين من الإحصاء أن الألفاظ التي لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن وردت في أول ما نزل من القرآن سورة العلق وهما « لنسفعا بالناصية » وبها الجذر سفع أي أخذ و«سندع الزبانية » وبها الجذر زبن بمعنى دفع ويليها سورة القلم هماز مشاء «نمنم» فلفظ «نم » بمعنى النميمة لم يرد ذكره أو أي من مشتقاته في أي سورة أخرى وبها أيضا تحل بعد ذلك زنيم بها الجذري زنم ومعناه اللئيم. وفي سورة التوبة نجد القيمة البلاغية نفسها بل أعظم القيم البلاغية في احتواء السورة على تسعة جذور ترد قبل ذلك تاريخيا في القرآن الكريم كما يوجد من الألفاظ العربية كثيرة الاستعمال ما ورد منها في القرآن العظيم واحدة فقط مثل بعث في سورة المائدة «فبعث الله غرابا يبحث في الأرض » وبلع في سورة هو : «وقيل يا أرض أبلعي ماءك». أسماء الله والعبادات أما لفظ الجلالة فقط ورد في سورة البقرة أكثر من غيرها 282 مرة تليها سورة النساء 229 مرة ويلاحظ أن ثلاثين من الأسماء الحسنى لم ترد لفظيا في القرآن الكريم وإن وردت بالمعنى كما نجد أن القرآن الكريم يحتوي على بعض أسماء الله الحسنى غير المتداولة مثل الأكرام وقد وردت في أول سورة نزلت على الرسول الكريم والاعلى في سورتي الأعلى والليل والشاكر في سورتي البقرة والنساء والخلاق في سورة الحجر ويس ويضم القرآن الكريم بعض الأسماء الحسنى المركبة وهي «علام الغيوب» و«أحسن الخالقين» و«أحكم الحاكمين» و«أرحم الراحمين» و«خير الراحمين» و«خير الرازقين» و«خير الغافرين» كما يوجد اسم من أسماء الله الحسنى لم يرد في القرآن وهو الأكبر وهو يرفع خمس مرات يوميا في كافة المساجد وقت الأذان أما أركان الإسلام الخمسة فقد ورد ذكرها وأكثرها الصلاة وقد ورد اللفظ ومشتقاته 99 مرة ولفظ الزكاة ومشتقاته 59 مرة ولفظ الصوم ومشتقاته 14 مرة ولفظ الحج ومشتقاته 12 مرة. تفسير فواتح السور وفواتح سور القرآن هي مجموعات الحروف التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم مثل« الم ، حم» ويبلغ عدد هذه الفواتح 14 فاتحة بعضها تكرر أكثر من مرة بحيث بلغ مجموع ورودها في القرآن 30 مرة في 29 صورة وقد حاول عدد كبير من المفسرين تناول معاني هذه الفواتح ، فقد جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني أن ابتداء السورة بالحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن هذا القرآن فعند سماعهم الفاظا غير مألوفة في تخاطبهم يجعلهم ذلك ينتبهون إلى ما يلقي إليهم من آيات بينات وفي هذه الحروف تنبيه على إعجاز القرآن ويقول العلامة ابن كثير أن ذكر هذه الحروف في أوائل السور بيانا لاعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله رغم أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وهو قول جمع من المحققين وقد قرره الزمخشري في تفسيره الكشاف وقام ابن كثير بجمع تلك الحروف العربية المشتركة في الفواتح ونظمها في جملة مفيدة هي نص حكيم قاطع له سر وقد بدأت فواتح السور في النزول اعتبارا من سورة القلم تليها سورة ق ثم سورة ص وكانت الفاتحة في هذه السور عبارة عن حرف واحد فقط كجزء من الآية الأولى وقد سميت سورتا ق وص بهذا الحرف وبعد سورة ص بدأت الفواتح تمثل الآية الأولى من السور. وتبدأ سورة ص بمعالجة قضية التوحيد وقضية الوحي والحساب في الآخرة وقصص الرسل لذا قد يكون هذا الحرف «ص» الذي بدأت به السورة للدلالة على ورد أسماء الأنبياء بكثرة بها أما سورة الاعراف وتبدأ بالحروف «المص» وبها أسماء ثمانية من الأنبياء لذلك كانت الأحرف الثلاثة الأولى تشير إلى حروف القرآن كثيرة الورود بتلك السورة حيث أن كثرة عدد الفاظ اللغة العربية يرمز لها بالحرف الأكثر ترددا في اللغة في حين يدل حرف الصاد على ورود أسماء الأنبياء. القاهرة ـ فيصل حماد وفي سورة مريم التي تبدأ بالحرف ك.. هاء.ي.ع.ص نجد أن حرف الكاف في زكريا وحرف الهاء في إبراهيم أما حرف الياء فالإشارة إلى يحيي والعين إلى عيسي والصاد إلى أسماء الأنبياء في السور وبصفة عامة من خلال ومحاولة تفسير فواتح سور القرآن الكريم نتوصل إلى 21 «ص، ط» للإشارة إلى ورود أسماء الأنبياء بكثرة «كهيعص» للإشارة إلى زكريا وهارون ويحيي وعيسي عليهم السلام و«طسم» للإشارة إلى موسى عليه السلام و« طس» للإشارة إلى سليمان عليه السلام و«الم. الر. المر» للإشارة إلى حروف القرآن الكريم الورود و«حم » للإشارة إلى الوحي « ق» تعني القرآن «ند» لتسير حفظ القرآن أو ترتبط بنهايات الآيات في هذه السورة وهي النون. قصة العدد 19 ويناقش الباحث في نهاية دراسته البحث الذي قدمه الدكتور رشاد خليفة وهو باحث مقيم بالولايات المتحدة حول القرآن عام 1982 وتضمن كتابه حسابات أجراها على الحاسوب توصل منها إلى عدد من الاستنتاجات سماها «معجزات» كما يدعي المؤلف أنه قام بحساب موعد يوم القيامة على الحاسوب حيث اعتمد المؤلف على ما جاء في سورة المدثر وقدم حسابا ليوم القيامة. ويفند الدكتور علي حلمي موسى هذه الحسابات قائلا: إن المؤلف اعتمد على ما جاء في سورة المدثر «سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر» كانت هذه الآيات قد بدأت بوصف جهنم وحراسها من الملائكة وعددهم تسعة عشر وتبع ذلك أن هذا العدد سوف يصبح فتنة للكافرين وهذا ما وقع فيه الباحث فقد حاول عد لفظ «بسم» في القرآن ويقول أنها ترد ثلاث مرات وهذا صحيح ولكنه يضيف إلى هذا العدد أرقام السور وأرقام الآيات التي وردت بها وهذا خطأ كبير يلجأ إليه حتى يمكنه التوصل إلى أحد مضاعفات الرقم 19 ويدعوة المؤلف أن لفظ الجلالة «الله» يرد 2698 مرة في القرآن الكريم وهو من مضاعفات العدد 19 وواقع الأمر أن لفظ الجلالة يرد 2699 مرة وهذا العدد ليس من مضاعفات العدد 19 وقصة يوم القيامة التي يدعيها المؤلف تتلخص في أن يهود المدينة ذهبوا إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وقالوا له ما معناه إنك تدعونا إلى دين يعيش في الأرض 71 سنة فقط فسألهم الرسول : لماذا؟ فأجابوا لأن صورة البقرة تبدأ بالفاتحة «الم» والقيمة العددية لحرف الألف من واحد وقيمة حرف اللام ثلاثون وقيمة حرف الميم أربعون فيكون المجموع 71 سنة وهذه القيم العددية للحرف تنسب إلى اليهود وتعرف بحساب أبي جاد وتقول القصة أن الرسول أجابهم بأن القرآن به أيضا «الر» و«الر» و«المص» و«حم» و«كهيعص» وغير ذلك من الفواتح ويقول الباحث أنه قام بإستخدام الحاسوب لحساب القيمة العددية لجميع فواتح السور وقال أن هذا العدد هو سنوات عمر الدين الإسلامي وبالتالي تأتي القيامه في نهاية هذه المدة ولكني أري أن القصة غير مقبولة منطقيا لاستبعاد أن الرسول يرد على اليهود بنفس منطقهم فالنظام العددي المذكور هو نظام يهودي مبني على اللغة العبرية والقصة بوضعها المذكور تبين أن أي إنسان من أيام الرسول «ص» كان بإمكانه حساب يوم القيامة.