قلت للدكتور النجار الذي عرفته انك قمت برصد بعض من تلك الحكايات في كتابك حول اللصوص والشطار. ـ نعم، وسأسوق إليكما حكايتين للتدليل على ذكاء جحا، ذاك الصعلوك التراثي المثير. ـ الأولى: كان مع جحا كيس فيه نقود، فلمحه لصان وتتبعاه حتى خارج البلد، ثم داهماه ومع كل منهما سكين، وهدداه بالقتل ان لم يسلمهما النقود التي معه ففزع جحا ولكنه ما لبث ان استرد شجاعته، فقال: اتركاني لحظة أبلع ريقي، ويتبدد خوفي الذي لحقني من جراء ذلك. اجلسا قليلا لنتفاهم، فجلس اللصان، وعندئذ قال جحا: إن معي نقوداً كثيرة، لكني لن اعطيها الا لواحد منكما، فاتفقا فيما بينكما على من يأخذها منكما. قال اللص الأول: انا الذي آخذها وحدي، فأنا الذي اكتشفت جحا. قال: لا، بل أنا الذي اكتشف كيس نقوده، فيحق لي أخذها وحدي. وعلا بينهما الجدل، فقال جحا: لا تختلفا، فإن الخلاف عاقبته وخيمة، اتفقا بهدوء على من يأخذ النقود. لكن اللصين لم يتفقا، واشتد النزاع بينهما، ولكنه لم يتعد دائرة الخلاف في الرأي والحجة. قال جحا لهما: عندي فكرة لطيفة ربما تروق لكما، سأعطي النقود لأعظمكما قوة. قال اللص الأول: أنا الاقوى. قال اللص الثاني: بل، أنا الاقوى. وشب الجدل بينهما من جديد، فقال جحا: ليبرهن كل منكما على صدق قوله، فتصارع اللصان بعنف وشدّة حتى سقطا على الأرض مضرجين في دمائهما فلما تأكد جحا من عجزهما عن اللحاق به، مضى إلى حال سبيله ومعه أمواله. ـ الحكاية الثانية تقول: كان جحا نائما في منزله بجوار إمرأته فهمس لها: إني علمت أن اللص قد علا ظهر بيتنا فأنا سأتناوم، فأيقظيني وقولي لي: يا رجل من أين جمعت هذا المال العظيم؟ فعلت زوجته ذلك، فقال لها: كنت في شبابي أسطو على المنازل، فاذا تسورت منزلاً صبرت إلى أن يطلع القمر فأتعلق بالضوء الذي ينفذ من المنور وأقول: شولم، شولم، سبع مرات وأعتنق الضوء وأتدلى بلا حبل وأصعد فلا ينتبه أحد من أهل البيت. وكان اللص يستمع إلى هذا الكلام فقال في نفسه: والله لقد غنمت شيئاً كثيراً في هذه الليلة أضيفه الى المال الذي سأسرقه. ولما نفذ ضوء القمر من المنور احتضنه اللص وقال: شولم شولم سبع مرات وانزلق فسقط وتكسرت اضلاعه، فأسرع جحا إليه وصاح في امرأته ان تشعل المصباح بسرعة قبل ان يهرب! فقال له اللص: لا تعجل يا أخي فما دمت تعرف هذه الفائدة العظيمة وأنا بهذه العقلية الحمقاء فلن استطيع الهرب منك بسهولة. انتهت الحكاية لكن ضحكات هانز لم تنته بعد، فقد ظل الرجل يعيد ويزيد على ما قاله الدكتور، وفي كل مرة يكرر مقطعاً من مقاطع الحكاية، ويعلق على تفصيلة من تفاصيلها بشكل أثار دهشتنا. قال هانز بعد ان رأى علامات الاستغراب مرسومة على وجهينا: هذا المدعو جحا عبقري، فلديه اجابة عن أي سؤال ويستطيع ببراعة وسهولة وحسن تصرف ان يخرج من المواقف الصعبة المحكمة، تعتقد انه أحمق فتكتشف انك أمام داهية وحكيم. هنا التقطت طرف الخيط فبادرت بسؤالي للدكتور: كيف تصف جحا، هل هو أحمق أم صعلوك أم ماذا؟ ـ اعتدل الدكتور وقال: لا أعتقد ان جحا كان في يوم من الأيام أحمق أو صعلوكاً، بالامكان ان نصفه بأنه طيب ومتسامح، أو بمعنى آخر يتصرف في الموقف العادي بشكل غير عادي والعكس، فهو صاحب حجة ومنطق معقول في موقف غير معقول! ما دمنا نتحدث يا دكتور عن جحا ومنطقه الصحيح في زمن اختلت فيه المعايير وأصبح الصواب فيه خطأ والخطأ صواباً وأصبح في نظر الآخرين مجنوناً أو أحمق أو صعلوكاً هل نستطيع ان نطلق على من يقول كلمة الحق انه خارج عن جادة القيم والتقاليد والعرف والعادات. .. وغداً نكمل