أقام الرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمون بمكة بعد ان فتحها الله عليهم بلا قتال فرحين بنصر الله، وبعد حوالي اسبوع من مقامهم بمكة، وصلتهم الأخبار بأن قبيلتي ثقيف وهوازن قد جمعا جموعهم يريدون اقتحام مكة على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المسلمين، وكانت هوازن تقيم في الجنوب الشرقي لمكة وعلى مقربة منها، ولما علمت بما تم للمسلمين من فتح مكة وتحطيم أصنامها وأصنام القبائل المجاورة لها خشيت ان تدور عليها الدائرة، وان يقتحم عليها المسلمون منازلها. فاجتمع الأشراف منهم للشورى، وقالوا: قد فرغ محمد من قتال قومه، ولا نهاية له عنا، فلنغزه قبل ان يغزونا. وأجمعوا أمرهم على ذلك وولوا رياستهم «مالك بن عوف النضري» الذي أرسل الى حلفائه من هوازن وثقيفة وسعد وجشم ـ وهي قبائل كانت تسكن في الجهات الواقعة في الجنوب الشرقي من مكة، أما قبيلة سعد بن بكر فهي التي منها مرضعة الرسول حليمة السعدية ـ لتجتمع عنده، فاجتمعت ولم يتخلف منها سوى كعب وكلاب من هوازن، وكان ذلك في الأيام الأواخر من رمضان. وكان في القوم (دريد بن الصمة) المشهور بأصالة الرأي وشدة البأس في الحرب، ولتقدم سنه لم يكن له في هذه الحرب الا الرأي، فلما سمع دريد رغاء البعير، وثغاء الشاة، وبكاء الصغير، سأل ابن عوف: لم ساق مع المحاربين أموالهم ونساءهم وصغارهم؟ فأجابه مالك قائلا: سُقتهم مع الناس ليقاتل كل انسان عن حريمه وماله. فقال دريد: هل يحد المنهزم شيئاً؟ انها ان كانت لك، لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه. وان كانت عليك فضحت في مالك وأهلك. ولم يفد احتجاجه ونصحه، ولم يقبل مالك مشورته وعسكر في وادي حنين، وصف جموعه في كمين عند منعطف لمديراه الداخل الى الوادي. وجعل الرجال في المقدمة، وخلفهم النساء والأطفال، وجعل الأنعام في مؤخرة الجيش عند (أوطاس) وهي جزء من الوادي. كما احتل قمم جبل حنين عند مدخل الوادي، حتى اذا نزل المسلمون شدوا عليهم شدة رجل واحد حتى يوقعوا بهم الهزيمة. وكان مالك بن عوف شابا في الثلاثين من عمره قوي الارادة ماضي العزيمة. وكان يستهدف من خطته هذه ان تحدث المفاجأة مفعولها في المسلمين، فتضعضع صفوفهم، ويختلط حابلهم بنابلهم وتدور عليهم الدائرة، ويزول أثر انتصارهم حين فتحوا مكة، ويبقى لقبائل حنين في بلاد العرب جميعها فخار النصر على هذه القوة التي تريد ان تظل بسلطانها بلاد العرب جميعا. فامتثلت القبائل لأمر مالك، وتحصنت بمضيق الوادي وقمم جبل حنين. المسلمون في الطريق الى المعركة لما سمع المسلمون بمسيرة ثقيف وهوازن وغيرها من القبائل اليهم، بادروا بالخروج اليهم وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة وعديد لم يكن لهم من قبل بها عهد قط، فقد كانوا اثني عشر الفا من المقاتلين منهم العشرة آلاف الذي غزوا مكة وفتحوها، والالفان ممن اسلموا بعد الفتح وبينهم ابو سفيان بن حرب، كما خرج في الجيش ثمانون من المشركين منهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وسار المسلمون في هذا الجمع الذي لم تعرف له بلاد العرب من قبل مثيلاً، وأمام كل قبيلة علمها، تمتليء نفوسهم اعجابا بهذه الكثرة، حتى ان بعضهم قال: لن نغلب اليوم من قلة، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يركب بغلته البيضاء، ولبس درعين والمغفر وغطاء الرأس الذي يقال له «البيضة» وسار في المؤخرة وحوله عريش وكبار الصحابة كما كان يوم احد، وجعل خالد بن الوليد على بن سليم في المقدمة. ـ وتوجهت مقدمة المسلمين جهة العدو ولما بلغوا حنين اقبل المساء فنزلوا على ابواب واديها، وفي الفجر تحرك الجيش في عماية الصبح، وانحدروا من مضيق حنين في وادي من اودية تهامة، فخرج اليهم الكمين الذي كان مستترا في شعاب الوادي ومضايقه، وقابلهم كأنه الجراد المنتشر فلووا اعنة خيلهم متقهقرين، وضاق عليهم المهرب، فارتطموا في ظلام الفجر بالصفوف التي خلفهم، فأخذ الخوف منهم كل مأخذ، ولجأ اكثرهم الى الفرار. وكان اسرع الناس الى الفرار اهل مكة من المشركين الذين اسلموا بعد الفتح ـ اي حديثو الاسلام. وشمت بعض هؤلاء وأولئك في رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه فقال ابو سفيان لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقال شيبة بن عثمان بن ابي طلحة: اليوم ادرك ثأري من محمد ـ وكان ابوه قد قتل في غزوة احد. وقال اخ لصفوان بن امية: الان بطل السحر. ولكن صفوان على الرغم من بقائه على الشرك رد عليه قائلاً: اسكت قضى الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش احب الي من ان يربني رجل من هوازن. صمود رسول الله وصحابته وقد وقعت هذه الاحداث من فرار مقدمة جيش المسلمين الذي كان يختال عجباً بقوته وكثرته، وانكشاف خبايا النفوس المريضة، بينما كان الرسول في مؤخرة الجيش حيث كانت تمر القبائل عليه واحدة بعد الاخرى مولية الادبار وهو ثابت في مكانه ومعه عدد قليل من المهاجرين والانصار، وصار ينادي في الناس اذ يمرون راجعين: الى اين ايها الناس؟ هلموا الي انا رسول الله؟ وهنا تظهر شخصية الرسول القائد، واثرها الحاسم في تحويل الهزيمة الساحقة، والفرار بلا هدف الى صمود وصلابة حتى تحولت الهزيمة الى نصر مبين. فبينما الناس فيما هم فيه من هول الفزع لا يسمعون الى شيء، وضاقت بالمنهزمين الارض بما رحبت ،وكان العباس بن عبدالمطلب اخذ بلجام بغلة الرسول، فأمره صلى الله عليه وسلم ان ينادي في الناس، وكان العباس رجلاً جسيماً قوي الصوت، فنادى بما اسمع الناس جميعاً، فقال: يا معشر الانصار، يا اصحاب بيعة الرضوان. وصار يكرر هذا النداء حتى اسمع كل من في الوادي، ومس النداء شغاف قلوبهم، فتوقفوا عن الهرب واجابوا: لبيك.. لبيك. فكان الرجل يريد ان يثني عنان بعيره فيمنعه من ذلك كثرة الاعراب المنهزمين، فيأخذ سلاحه وينزل عن بعيره ويؤم ناحية الصوت حتى ينتهي الى رسول الله. ولما سمع الانصار نداء العباس: يا معشر الانصار الذين اووا ونصروا تذكروا تضحياتهم، فعادوا ملبّين: لبيك.. لبيك. وبذلك اجتمع على الرسول صلى الله عليه وسلم نحو مئة رجل من الفدائيين الذين بايعوا على الموت دفاعاً عن دينهم ونبيهم وشرفهم، فاستقبل بهم العدو، وقاتلهم قتالاً شديداً، وكان النبي ينشد قائلاً: انا النبي لا كذب ـ انا ابن عبدالمطلب ويقول: الآن حمي الوطيس، وهو اول من قالها، ثم قال لبغلته ـ وكانت تدعى دلدل ـ البدي دلدل، فوضعت بطنها على الارض، فأخذ حفنة من التراب فرمى بها في وجه العدو. وانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وانزل جنوداً لم يروها. وكانت هوازن وثقيف قد نزلت من رؤوس الجبال تطارد المسلمين، واضاء نور الصبح المكان، ووقف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه هذه القلة في وجه سيل المشركين العارم، فقاتلوهم قتال طلاب الشهادة. وبدأ المسلمون الفارون يعودون الى رشدهم فيعلمون ان رسول الله وحده مع فئة قليلة امام جحافل الاعداء، فيعودون الى المعركة، ويزداد عدد المسلمين تباعاً. ويلقون بأنفسهم على الاعداء طالبين الموت اعتذاراً عن فرارهم. فانهزم المشاركون وتفرقوا في كل وجه لا يلوون على شيء من الاموال والنساء والذرية، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وزادهم اغراء وحماسة في مطاردة العدو، اعلان الرسول ان من قتل قتيلاً فله سلبه، حتى ليروى ان ابا طلحة الانصاري قتل يوم حنين عشرين رجلاً وحده، وأخذ سلبهم، فكان عدد القتلى من الكثرة بمكان لم تحصه كتب السيرة. اما عدد الاسرى من الرجال والنساء والاطفال فكان نحو ستة آلاف، واما الغنيمة من الابل والغنم والفضة، فكانت اعظم غنيمة حصل عليها المسلمون، حتى تلك اللحظة، حيث تقدر بحوالي 24.000 من الابل، 40.000 من الغنم، والفضة حوالي 4000 اوقية. وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بارسال جميع الغنائم الى وادي الجعرانة، حيث بقيت بها الى ان عاد الرسول عليه الصلاة والسلام من حصار الطائف. وهكذا نزل نصر الله، واستطاعت شخصية الرسول القائد ان تحول الهزيمة الى نصر مبين، فقد فرت هوازن ومن معهم من المعركة، بعدما وجدوا الرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمين يلقون بأنفسهم على الموت، واكتشفوا انه لا قبل لهم بهؤلاء المقاتلين. فقد دفع المسلمون في هذا النصر ثمنا غالياً، حتى قيل ان قبيلتين من المسلمين قد فنيتا عن اخرهما. وانزل الله عز وجل في هذا الموقف. «لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين اذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الارض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين، ثم انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وانزل جنوداً لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين، ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم». جاء الرسول عليه الصلاة والسلام وفد من هوازن قد اسلموا يرجونه ان يرد عليهم اموالهم ونساءهم وابناءهم. وكان الرسول قد تربى في صغره في هوازن، فذكروه بذلك، فرق قلبه. فقد كان عرفان الجميل بعض شأنه، والبر من شأنه ان يلين القلب. فرد الرسول عليه الصلاة والسلام الى هوازن نساءها بعد اسلامهم. كما امر الرسول هوازن ان تبلغ مالك بن عوف النضيري. وكان مازال بالطائف ـ انه اذا اتاه مسلماً رد عليه اهله وماله، ولكنه فضل التحصن في الطائف مع بقايا جيشه، وقبيلة ثقيف. ولما وزع الرسول عليه الصلاة والسلام الغنائم، اعطى من (خمسه) الذين كانوا الى ايام قلائل اشد الناس عداوة له، نصيباً على نصيبهم، فأعطى من الابل لكل من ابى سفيان وابنه معاوية، والحارث بن الحارث بن مكده، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبدالعزى.. والاشراف ورؤساء العشائر ممن تآلف بعد فتح مكة، واعطى غيرهم الكثير، مما جعل اعداء الامس تنطلق السنتهم بجميل الثناء عليه، ولم يدع لأحد من المؤلفة قلوبهم حاجة الا قضاها. كثرت مقالة الانصار عن ذلك، حيث اعطى الرسول لقريش وللعرب من نصيبه (الخمس) الكثير حتى نفد، ولم يعط منه الانصار شيئاً، حتى قالوا: لقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، ان هذا الحي من الانصار قد وجدوا عليك في انفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي اصبت، قسمت في قومك، واعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الانصار فيها شيء. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: فأين انت من ذلك يا سعد؟ قال يا رسول الله ما انا الا من قومي، فقال الرسول: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. فخرج سعد، فجمع الانصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، واثنى بما هو اهله، ثم قال: يا معشر الانصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في انفسكم؟ الم ايكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، واعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، والله ورسوله امن وافضل، ثم قال: الا تجيبونني يا معشر الانصار، قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: اما والله لو شئتم لقلتم، فأصدقتم واصدقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأعطيناك، اوجدتم يا معشر الانصار في انفسكم لعاعة من الدنيا تآلفت بها قوماً ليسلموا، ووقائكم الى اسلامكم. الا ترضون يا معشر الانصار ان يذهب الناس بالشاه والبعير، وترجعوا برسول الله الى رحالكم؟ فوالذي نفسي محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار، ولو سلك الناس من شعب، وسلكت الانصار شعباً، لسلكت شعب الانصار. اللهم ارحم الانصار، وابناء الانصار. فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا رضينا برسول الله قسما وحظاً. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا، وعادوا الى مكة. وبعد ان ارضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفوس الجميع، خرج الرسول من الجعرانة معتمراً الى مكة، فلما قضى عمرته استخلف (عباب بن اسيد) على ام القرى، وخلف (معاذ بن جبل) ليفقه الناس في دينهم ويعلمهم القرآن، وعاد هو والانصار والمهاجرون قافلين الى المدينة، فدخلوها قبل حلول شهر ذي الحجة بثلاثة ايام من السنة الثامنة للهجرة. لواء أ. ح. حسام سويلم