إن الإسلام يأخذ بيد المرأة فيهذبها ويعلمها ثم يجعلها في مستوى الرجل في كثير من الحقوق والواجبات، ويفرض عليها واجبات شرعية وحقوقا اجتماعية كما يفرض على الرجال كل حسب طبيعته وتكوينه وإذا كان المسجد وسيلة اجتماعية وتربوية وتعليمية فهل تقتصر الاستفادة منه على الرجال فحسب؟ إن حضور المرأة للمسجد يمكنها من سماع الخطب والمواعظ والدروس العلمية والمحاضرات والندوات التي تعقد في المسجد، ولا ينفي أحد ذلك ومن المعلوم أن الله عز وجل لم يوجب صلاة الجماعة على المرأة لكن يباح لها الحضور إلى المسجد للصلاة فيه أو الاستفادة من مناشطه ولكن بشروط معروفة. وقد ورد في صحيح السنة بأن لا تمنع النساء إذا رغبن في الحضور إلى المساجد، فقد صح عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». وقد خصص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للنساء باباً في مسجده، يعرف بباب النساء، وكان لا يدخل منه إلا هن ويشرع للمرأة حضور صلاة الجمعة والعيدين وسماع الخطبة فيهما، روت أم عطية رضي الله عنها قالت: «أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يخرجن في الفطر والأضحى، والعواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين». وينبغي عند بناء المساجد أن يوضع في عين الاعتبار أنها دور تربية وتهذيب وتعليم لعامة المسلمين والمسلمات، فلابد أن تكون أبوابها مفتوحة للرجال والنساء معاً، ولا يوجد سند شرعي لأن يجني الرجال وحدهم ثمرات المساجد، في حين تظل المرأة بمنأى عنه. فمدرسة الدعوة الإسلامية الأولى في المسجد النبوي فسحت صدرها للمرأة، تحضر الجماعة وتشهد دروس العلم في عصر كانت المرأة مخلوقاً لا حق له في العلم وفي المشاركة في الحياة، مدرسة تلقن العلم والعمل وتطهر الروح والبدن، وتبصر بالغاية والوسيلة وتعرف الحق والواجب، وتعنى بالتربية قبل التعليم وبالتطبيق قبل النظريات وبتهذيب النفوس قبل حشو الرؤوس، فلا غرو أن تخرج منها فضليات النساء أمثال: فاطمة الزهراء، عائشة وحفصة وأم عمارة وأم سليم وغيرهن كثير. وإذا كانت المرأة في صدر الإسلام قد عز عليها أن يكون وقت الرسول (صلى الله عليه وسلم) كله للرجال دون النساء، فسألته إحداهن أن يجعل لهن يوماً في الأسبوع، فأجابهن إلى طلبهن فإذا كان اليوم المخصص لهن جلس إليهن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأقبل عليهن يجيب السائلة ويهدي الحائرة ويرشد المرأة إلى النهج القويم. ولقد كان للمرأة لحاق بالرجل في شتى فنون العلم والأدب، والمرأة المسلمة التي تعلمت في المسجد امتازت بالصدق في العلم والأمانة في الرواية، فقد جاء في طبقات الشافعية أن الحافظ بن عساكر المتوفي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وهو من أوثق رواة الحديث حتى لقبوه بحافظ الأمة، كان له من شيوخه وأساتذته بضع وثمانون من النساء، ولن نذهب بعيداً فزوجات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أمهات المؤمنين) أذعن العلم وأمضين في نشر الدين، وكانت السيدة عائشة والسيدة حفصة رضي الله عنهما تعرفان القراءة والكتابة. وإن كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد، كما ورد في الأثر من حديث أبي هريرة (لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن)، فإن الحث والترغيب بتيسير خروج النساء إلى المساجد والمصليات أمر واضح وصريح لما ورد في الصحيحين: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ، و«إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها». ولعل أمر الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) النساء بالصلاة في بيوتهن، لتكون بيوت المسلمين ودور المؤمنين عامرة بالعبادة والذكر والتلاوة، فقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ببناء المصليات في البيوت، فقد روى عن عائشة أنها قالت: «أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ببناء المسجد في الدور وأن تنظف وأن تطيب». كما أن لضرورة وجود القدوة الصالحة في تربية النشء على الصلاة والعبادة كان استحباب صلاة المرأة في بيتها حتى يقتدي بها أطفالها، فلو اندفع الرجال والنساء إلى المساجد لأداء جميع الصلوات لخلت البيوت من ذكر الله، وقد يشب الفتى في بيته وهو لا يعرف معنى الصلاة. أما الرخصة في صلاة المرأة في المسجد وعدم منعها من ذلك فقد كان سبباً أساسياً في تعليم المرأة وتفقهها في دينها، ومن هنا نؤكد لما أشار إليه (خير الدين زنكي) بأنه لا بأس بأن تكون لكل مسجد أو عدد من المساجد مدرسة مختارة من ذوات الاختصاص بالشريعة الإسلامية، تجمع نساء الحي في يوم أو أيام معينة في المسجد تعظهن وترشدهن وتعلمهن أمور دينهن، وتقتلع من أفكارهن الخرافات والأوهام والعادات الجاهلية. فالمرأة المسلمة إذا كان الشارع الحكيم قد سمح لها بالذهاب إلى المسجد لتسمع الموعظة وتتعلم شئون دينها، فقد فرض عليها ألا تمس الطيب، فقد روى مسلم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» وقال (صلى الله عليه وسلم): «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً». وقد طلبت النساء من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يجعل لهن يوماً للسماع في والإجابة عن استفساراتهن وتم لهن ذلك، ففي صحيح مسلم: أن أسماء بنت يزيد الأنصارية خطيبة نساء العرب ورسولهن إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد بايعت النبي (صلى الله عليه وسلم) عند مقدمه إلى المدينة وتلقت عنه الكثير من العلم، وتخرج عليها كثير من التابعين وكانت من أبين الناس وأفصحهم لساناً وأجرئهم في مواطن الحق حتى دعيت خطيبة النساء، هذه المرأة أتت النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو بين أصحابه فقالت: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك.. إن الله عز وجل بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، إنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم وحاملات أولادكم وأنكم معاشر الرجال فضلتم بالجُمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في هذا الأجر والخير؟ فالتفت النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: هل سمعتم مسألة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟ قالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي (صلى الله عليه وسلم) إليها وقال: افهمي أيتها المرأة واعلمي من خلفك من النساء أن حُسن تبعل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله. إن القاعدة الأساسية للمرأة التحشم والوقار والحجاب، فلا تبرج ولا اختلاط ولا سفور، وحينئذ لابد من تهيئة الجو الشرعي المناسب لمشاركة النساء في المساجد وذلك بإعداد مكان خاص في المسجد يكون مأمون المداخل والمخارج، حصاناً عن الأعين سواء أكان خلف المسجد أو فوقه أو بجانبه، بصورة تؤدي إلى استفادة النساء مما يُلقى فيه من الخطب والدروس والعظات والمحاضرات والندوات، فضلاً عن أداء الصلوات ويمكن في ذلك الاستفادة من ناقلات الصوت ومكبراته. وهذه الرعاية مفقودة اليوم في أكثر البلاد الإسلامية، فعند بناء المساجد لا يلاحظ أن يكون للمرأة المسلمة أي نصيب من هذه المساجد، مع أنهن في الوقت الحاضر ومع ازدياد الفتن والمفاسد، هن في أمس الحاجة إلى التوجيه والإرشاد والتعليم والإعداد والنساء كن في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) يشاركن الرجل في كثير من أمور الخير والعبادة وفي مقدمة ذلك الحضور إلى الصلاة وخاصة العشاء والصبح لأنها أستر لهن وقد أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) الرجال إذا استأذنهم نساؤهم الحضور إلى المسجد أن يأذنوا لهن. وقال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». وكان مكانهن من المسجد معلوما للصحابة إذ كان آخر الصفوف، كما في حديث أبي هريرة: «خير صفوف النساء آخرها وشر صفوف النساء أولها» ، وحديث أم سلمة قالت: د. سالم سعيد غبار الشامسي