لن يكون الإنسان في الجنة منعزلاً في ملكه العظيم (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً) ولكنه مع هذا الملك المترامي الاطراف يرى اخوانه في الجنة ويتسامر معهم، ويتناولون اطراف الحديث وهم في بهجة وسرور، ليس في قلب احدهم مثقال ذرة من غل على أخيه المسلم، كما قال تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين) 47 ـ الحجر. وقال أيضا (ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا ان تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون) 43 ـ الأعراف. وهم في مسامرتهم تلك يتناولون اطراف الحديث حتى إنهم ليتذكرون أحوالهم في الدنيا. ويتذكر احدهم صديقاً من اصدقاء السوء الذي كان يريد ان يضله عن سواء السبيل، وانظر الى الآيات الكريمة كيف تقص علينا هذه المسامرة (إلا عباد الله المخلصين. أولئك لهم رزق معلوم. فواكه وهم مكرمون. في جنات النعيم على سرر متقابلين. يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولاهم عنا يُنزفون. وعندهم قاصرات الطرف عين. كأنهن بيض مكنون. فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قال قائل منهم إني كان لي قرين. يقول أإنك لمن المصدقين. أإذا متنا وكنا ترابا وعظاماً أإنا لمدينون. قال هل انتم مطلعون. فاطلع فرآه في سواء الجحيم. قال تالله ان كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين. أفما نحن بميتين إلا موتتنا الاولى وما نحن بمعذبين. إن هذا لهو الفوز العظيم. لمثل هذا فليعمل العاملون) 40 ـ 61 الصافات. انها مسامرة عظيمة ولكنها ليست غريبة علينا في بعض صورها. وكأننا نشبهها بقوم في الدنيا جالسين قد رزقهم الله المال والبنين والنساء والطعام والشراب، ثم جلسوا يتسامرون في احوالهم، ثم ارادوا ان يعرفوا اخبار العالم ففتح احدهم جهاز التلفاز المباشر الذي ينقل اخبارالعالم بالصوت والصورة. وهم معهم الأجهزة التي يستطيعون ان يوصلوا صوتهم وصورتهم اليهم ايضا. لكن صورة مع الفارق. فهذه صور دنيوية لاتكون إلا بواسطة أجهزة ولا يملكها الا اصحابها. اما في الجنة فالرؤية بلا أجهزة (فبصرك اليوم حديد) وهذا البصر يستطيع اختراق العوالم. فكم بين عالم الجنة وعالم النار؟ انها ملايين السنين الضوئية. ولكن اذا شاء المؤمن ان يرى ادار بصره الى الناحية التي يريدها فيرى اطراف الكون. ويشاهد ملكوت الله، ويكلم ملائكة الله، بل ملائكة الله داخلة عليهم تسلم وتبشر كما قال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار). 23 ـ 24 ـ الرعد. فهد الهاجري