في فصل عقده الغزالي لفضيلة مجالس الذكر روى عن أبي هريرة رضي الله عنه انه دخل السوق وقال: اراكم هاهنا، وميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقسم في المسجد؟! فذهبت الناس إلى المسجد، وتركوا السوق فلم يروا ميراثا، فقالوا: يا أبا هريرة، ما رأينا ميراثا يُقسم في المسجد! قال: فماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا قوما يذكرون الله عز وجل، ويقرؤون القرآن. قال: «فذلك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم». فالميراث هاهنا مجازيّ معنوي يختلف عن معنى الإرث المعلوم والمشهور. ـ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه بعث ابن مربع الأنصاري إلى أهل عرفة فقال: اثبتوا على مشاعركم هذه فإنكم على إرثٍ من إرثِ إبراهيم عليه السلام). قالوا أبو عبيد ـ والنص في اللسان ـ الإرث أصله من الميراث وكأن معنى الحديث: إنكم على بقية من ورث إبراهيم الذي ترك الناس عليه بعد موته، وأنشد قول الشاعر: فإن تك ذا عزّ حديثٍ فإنّهم لهم إرْث مجد لم تَخُنْهُ زواجِرُهْ ـ وقال تعالى إخبارا عن زكريا عليه السلام ودعائه إياه (رَبّ هَبْ لي من لدنك وليّاً يرثني ويرث من آل يعقوب) أي يبقى بعدي فيصير له ميراثي. قال ابن سيده الأندلسي: إنما أراد يرثني ويرثُ من آل يعقوب النبوة. ولا يجوز أن يكون المعنى: خاف أن يرثه أقرباؤه المال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة». ـ وفي سورة مريم (فَهَبْ لي مِن لَدُنْكَ وَلِيّا)، وقد نقل القرطبي قول المفسرين، ووقف عند قول من قال: إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وليا يقوم بالدين بعده، فلم يسأل من يرث ماله لان الانبياء لا تورث، وقال القرطبي معقبا وهذا هو الصحيح، وانه أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال، لِمَا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة»، وفي كتاب أبي داوود: إن العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً. ورّثوا العلم». ـ وفي الحديث أيضا: العلماء ورثة الأنبياء. ـ فالأثر المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه يشير الى المعنى العام للوراثة عن الأنبياء وهي العلم والحكمة في ظلال الدين القويم. ـ والذكر الذي أشار إليه ذلك الأثر منصوص عليه في كتاب الله الكريم وفي الحديث النبوي الشريف مما هو معلوم مشهور. سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذِكر الله».