روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بسنده المتصل إلى محل بن خليفة الطائي قال: سمعت عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه يقول: بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال عليه الصلاة والسلام: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئنا عنها، قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله، وفي رواية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما قطع الطريق، فإنه لا يأتي عليه إلا قليل، حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير. قال عدي رضي الله تعالى عنه: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طييء، الذين سعروا البلاد؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: وأما العيلة، فإن الساعة لا تقوم، حتى يطوف أحدكم بصدقته، لا يجد من يقبلها منه. وفي رواية، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي رضي الله تعالى عنه: ولئن طالت بك حياة، لتفتتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم القيامة، ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، فليقولن له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا وولدا؟ وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلا جهنم، قال عدي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فليتقين أحدكم النار، ولو بشق تمرة، فإن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة. قال عدي رضي الله تعالى عنه: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنور كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة، لترون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يخرج ملء كفه، فلا يجد أحدا يقبله، وروى البخاري رحمه الله تعالى ايضا بسنده المتصل عن صفوان بن محرز، قال: بينما ابن عمر يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا أبا عبدالرحمن، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يدنى المؤمن من ربه، حتى يضع عليه كنفه، فيقول أي الله عز وجل: سترتها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو الكفار، فينادى على رؤوس الأشهاد: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين). الشرح والتعليق قول الرجل في شكوى الفاقة وفي رواية: العيلة: هي الفقر. (وقطع السبيل) أي قطع الطريق على المارين فيه، ويكون من طائفة من المجرمين يترصدون في مكان ما على جانبي الطريق، لأخذ مال من يمر عليهم، أو لقتل النفس، أو لإرعاب الناس وتخويفهم، اعتمادا على قوتهم وشوكتهم، ويكون ذلك في جهات بعيدة لا يمكن المارة الاستغاثة بأحد. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت الحيرة؟ هي بلدة كانت مستقر ملوك العرب، الذين هم تحت حكم الفرس، حيث كان يسكن الحارث بن أبي شمر الغساني، واضرابه، وهم ملوك على قومهم، ولكنهم عمال لملك فارس على العرب. (الظعينة) هي المرأة في الهودج، فعند انتشار الأمن تسير المرأة من الحيرة إلى مكة لتطوف بالكعبة، لا تخاف قطاع الطريق، ولا تخشى من يتعرض لها، وقول عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: فأين دعار طييء الذين سعروا البلاد؟ أي قطاع الطريق الذين ملأوا البلاد شرا، وسعروا البلاد أي أوقدوا الناس نار الشر والفتنة في بلاد طييء. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تخرج العير إلى مكة بغير خفير» العير هي الجمال التي تحمل الطعام ومواد التجارة، التي يحتاج الناس إلى حملها في السفر بعد ظهور الاسلام وانتشار الامن، واستقرار الطمأنينة في النفوس، تسير قوافل المسافرين ناقلة التجارة من سائر البلاد إلى مكة، ليس معها حارس لأن الامن قد ساد. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: وأما العيلة فان الساعة لا تقوم، حتى يطوف أحدكم بصدقته، فيخرج الرجل ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله، فلا يجد أحداً يقبله، إنما لم يجد من يقبله لعدم الفقراء حينئذ، فالكل قد اغتنى، وقد تحقق ذلك في زمن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وذلك لحديث عمر بن أسيد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب الذي رواه البيهقي في سننه قال: لما ولي عمر بن عبدالعزيز ثلاثين شهرا، لا والله ما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، نتذاكر من نضعه فيه، فلا نجده، قد اغنى عمر الناس. ويرى بعض العلماء ان ذلك يتحقق ايضا في وقت نزول سيدنا عيسى عليه السلام، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم ليقض أحدكم بين يدى ربه ليس بينه وبينه ترجمان»، هذا الكلام على سبيل التمثيل، لان الله تعالى لا يحيط به شيء، ولا يحجبه حجاب، وانما يستر عن ابصارنا بما وضع فيها من الحجب، للعجز عن الإدراك في الدنيا، فإذا كان في الآخرة، كشف الحجب عن ابصارنا وقوى ابصارنا. هذا وقد رأى عدي بن حاتم كثيرا مما اخبره به رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الحديث الثاني: يا ابن عمر، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ أي ماذا قال في النجوى التي تكون يوم القيامة، بين الله تعالى، وبين المؤمنين حين حسابهم (إن الله عز وجل يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه)، أي يقربه فيضع عليه سترة، حتى لا يفتضح بين أهل الموقف، فينجو ذلك المؤمن بعد ان يقرره الله عز وجل بذنوبه، فيعترف بها، فيكرمه الله تعالى بقوله: (سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم)، أما غير المؤمن من الكفار والمنافقين، فينادى على رؤوس الاشهاد (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم)، وبهذا يفضحهم الله عز وجل، نسأل الله العفو والعافية، والحديث يدل على ان ستر الله في الآخرة يكون لمن لم يتجاهر بالمعاصي، أما من تجاهر بها فليس أهلا للستر اللهم استرنا ولا تفضحنا. د. محمود عبدالمتجلي خليفة _ عضو اللجنة العليا للافتاء بأوقاف دبي