الحمد لله ينصر من يشاء وأصلي وأسلم على من نصره ربه بالملائكة، محمد صلى الله عليه وسلم، سورة النصر من السور المدنية وعدد آياتها ثلاث وعدها جابر بن زيد السورة المئة والثلاث في ترتيب نزول السور، وقال نزلت بعد سورة الحشر وقبل سورة النور، وهذا جاء على رواية انها نزلت عقب غزوة خيبر. وعن قتادة: نزلت قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين. وجاءت سورة النصر ضمن مقاصد أسماء السور وفيها ما فيها من خير كثير ومن أغراضها الوعد بنصر كامل من عند الله أو بفتح مكة، والبشارة بدخول خلائق كثيرة في الإسلام بفتح وبدونه اذ كان نزولها عند منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر، كما قال ان عباس رضي الله عنه في أحد قوليه، ومنها الايماء إلى انه حين يقع ذلك فقد اقترب انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. ومنها ان الله وعد رسوله بأن يغفر له مغفرة تامة لا مؤاخذة عليه بعدها في شيء مما يختلج في نفسه الخوف ان يكون منه تقصير يقتضيه تحديد القوة الانسانية الحد الذي لا يفي بما تطلبه همته الملكية بحيث يكون قد ساوى الحد الملكي الذي وصفه الله تعالى في الملائكة بقوله (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) والنصر الذي سميت السورة به هو الاعانة على العدو، وخاصة إذا جاءت الاضافة إلى الله، تشعر بتعظيم هذا النصر وانه نصر عزيز خارق للعادة، ولم يختلف أهل التأويل ان المراد بالفتح في الآية هو فتح مكة، وعليه فالفتح مستقبل، ودخول الناس في الدين أفواجاً مستقبل أيضا، وهو الأليق باستعمال (إذا) ويحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم «جاء نصر الله والفتح» على انه استعمال الماضي في معنى المضارع لتحقيق وقوعه أو لأن النصر في خيبر كان بادرة لفتح مكة. هذه السورة الكريمة «سورة النصر» تسمى أيضاً سورة البشارة، وسورة التوديع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه السورة خرج على أصحابه كالمودع لهم، فخطب فيهم فقال في خطبته: ان الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر رضي الله عنه، وقال: فديناك بأنفسنا وآبائنا وأولادنا يا رسول الله. قال الراوي: فعجبنا لبكائه أيخبر الله عبداً من عباده، ويخبر عن الرسول فيبكي له أبو بكر فكان رسول الله هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا.إ ن هذا الفهم الدقيق من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بني على أسس متينة ومنها فهم النص القرآني فسورة النصر جاءت في سياق السور الدالة على القوة والنصر فهي تحمل المعنى الصحيح للنصر وهو المادي الذي يتكون من كثرة العتاد والعدة، ومن النصر المعنى الذي غمر قلوب الصحابة بأنوار الإيمان وصدق المحبة والتزام الاتباع، فهذا الاسم «النصر» الذي جعل عنواناً للسورة لهو شيء عظيم في مقاصد أسماء السور وكأن الآية تقول للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه إذا جاء نصر الله وعونه وهو لابد حاصل، وجاء الفتح للبلاد المغلقة والقلوب المقفلة، إذا جاء هذا وذاك ورأيت الناس يدخلون في دين الله جماعات كثيرة، إذا حصل هذا فالواجب مقابلته بالشكر والثناء على الله بما هو أهله، وإذا حصل هذا فسبح ربك وقدسه تقديساً، ونزهه تنزيهاً يليق بجنابه وسبحه حامداً له فعله الجميل ذاكراً له صفاته المناسبة وأسماءه الحسنى، واستغفر لذنبك واطلب المغفرة مما قد تكون ألممت به وهو لا يليق بك كخاتم الانبياء والمرسلين استغفر الله انه كان توابا كثير القبول لتوبة عباده، انه يقبل التوبة ويعفو عن السيئة، ويعلم ما تفعل، والخطاب في السورة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من يصلح له الخطاب، روى ان هذه السورة كانت بمثابة نعي الله لنبيه، فإنه إذا حصل هذا فقد أدى محمد صلى الله عليه وسلم رسالته كاملة، وإذا أداها فسيلحق بالرفيق الأعلى، ولقد فهم هذا المعنى بعض الصحابة وبكى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن إذ نتعرض لسورة النصر في مقاصد أسماء السور نريد من ذلك ان نقف على هذه المعاني الجليلة في السورة، ونطبقها على واقع الحال حيث ان وعد الله حق ولقد تمت النصرة وجاء الفتح وهؤلاء المسلمون تجاوزوا المئة مليون مسلم. وعند بداية الفتح لم يتجاوزوا المئة ألف، ولكن قضيته ليست قضية عدد وعدة ولكن قضية صدق، يقين وإيمان بما جاء، فاليوم المسلمون كثيرون، ولكن القوة المعنوية ليست عندهم، أما القوة المادية لا تخلو دولة من دول الإسلام إلا وعندها القوة بكل مقاييسها، ولكن ينقص هذه القوة المعنوية والمرتبطة بالإيمان بالله، فنحن اليوم في حاجة إلى فهم معاني النصوص وروح النصوص لا ظاهرها فقط، ولنعلم ان سورة النصر فرح بها المسلمون، لأنهم أخذوا بصدق الوعد فعملوا للوعيد وتجهزوا للقاء وتسلحوا بالعمل الصالح والزاد الحقيقي فعرفوا نصر الله وذاقوا حلاوته ولكن أين نحن اليوم من سلفنا الصالح الذين فتحوا البلاد وقلوب العباد، فتح الله علينا خيري الدنيا والآخرة وإلى اللقاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونلتقي غداً إن شاء الله. د. سيف الجابري