الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. ضيفنا هو الدكتور محمد على الجوزو مفتي جبل لبنان وحوارنا مع فضيلته ممتد حول واحدة من اخطر القضايا التي تواجه امة المسلمين.. أعني نقل وتوطين التكنولوجيا التي لا تزال بعيدة عن العالم الاسلامي.. ففى عالم اليوم الذي سقطت فيه الحواجز لاسبيل امام بلاد المسلمين سوى الانفتاح على هذه المكتشفات بشرط ألا يبهرنا بريقها وان تحكمها قيمنا واعرافنا الاسلامية المتوارثة. والان إلى تفاصيل ما دار مع مفتي لبنان: سألته: هناك متغيرات عالمية وتحديات فرضتها تكنولوجيا المعلومات بما تحمله من أخطار فما هو تقييمكم لهذا الموضوع والحلول الممكنة لذلك؟ قال الدكتور على الجوزو ان هذه مشكلة لأن تكنولوجيا المعلومات لم تعد تعرف حدودا ولا احتراما للثوابت والقيم والتراث للشعوب الاخرى ولم تعد تأخذ في الاعتبار مساهمات الاخرين في تاريخ قدم الانسانية بل سوت بين شعوب الحضارات القديمة مع الشعوب حديثة التكوين التي لم تسهم سابقا في مسيرة تقدم الانسانية بل ان هذه الهجمة التكنولوجية نادت بمباديء جديدة وسلوك ومنظومة جديدين قضت بهيمنة وسائلها المطلقة والعديدة على مصائر الشعوب وجعلتها عرضة للاختراق الحضاري والايديولوجي والسياسي والاقتصادي الرهيب، بل وسعت إلى تحجيمها تحجيما ساخرا ومذلا في كثير من الأحيان. وقال إن مواجهة مثل هذه الاخطار المتلاحقة بنا بذكاء وفعالية، من شأنها ان تقلل من نتائجها السلبية، فقد استوجب علينا الكثير لإجراء تحول نظري في مخططاتنا ومشاريعنا والتي تتبناها مراكزنا البحثية، وهي المطالبة ان تكون نموذجا ومثالا متقدما وفاعلا بحسن مواكبتها اليومية للمتغيرات الدولية وتوظيف ايجبياتها الكثيرة ودراسة تأثير سلبياتها على هيكلية مجتمعاتنا التي تتعرض إلى هزات عميقة. ولعل أول ما ننادي به هنا. هو العمل على إرساء منظمة مهنية مستقلة تجمع العالمين العربي والاسلامي لتكون منبرا حرا في مجال علوم تكنولوجيا المعلومات يلتقي في إطارها أهم المتخصصين في هذه العلوم ويتدارسون ، بهدوء وبشكل معمق ، هذه المتغيرات ليقدموا بعد ذلك، حصيلة رؤاهم إلى القيادات السياسية والبحثية للعمل على تنفيذها على مستوى مؤسساتنا ومراكزنا وجامعاتنا. فالمعركة القادمة معركة شرسة وهي حضارية واقتصادية بالدرجة الأولى، ولايحق لنا بأي شكل من الاشكال، الهروب من تحمل مسئولياتنا. وأضاف: هناك قضية مهمة يجب ان نقف عندها ونتساءل : هل كتب على الإنسان المسلم ان يظل عاجزاً عن مواكبة التطور العلمي؟ وهل صحيح مايروجه اعداء الإسلام من ان السبب في هذا العجز هو التفكير الغيبي..؟ أو بتعبير ادق هل هو الدين الذي يعطل قدرات الإنسان المسلم ويمنعها من الانطلاق لتحقيق تلك القفزات النوعية التي حققها الآخرون في ميدان الاختراع والابتكار؟ أم ان هناك عوامل اخرى هي التي عطلت مسيرة الأمة الاسلامية؟ والحقيقة أن الأمة الاسلامية تعرضت للاستعمار الذي مزقها شر ممزق، ومنعها من الانطلاق في مسيرة التقدم منذ عهود طويلة، خاصة منذ بداية القرن العشرين التي شهدت اخر الغزوات الصليبية.. وقد عبر عن ذلك الجنرال البريطانى «اللنبى» عندما دخل القدس وقال: الآن انتهت الحروب الصليبية. لقد تمكن الاستعمار من إخضاع الشعوب العربية والاسلامية لسيطرته التامة .. وأخذ يستغل خيرات البلاد دون ان يسمح بقيام نهضة علمية تواكب ما يحدث في الغرب؟! مما اثر تأثيرا بالغا في تخلف الأمة. ولايمكن لإنسان ان ينكر أنه عندما اتيحت الفرصة للشباب المسلم ان يثبت جدراته في ميادين العلم استطاع ان يحقق هذا الشباب انتصارات كبرى في مجال الاكتشافات العلمية وكان آخرها الدكتور أحمد زويل العالم الكيميائى المصري المعروف . الذي حصل على جائزة نوبل. وقد تحدث «جيمس ايروين» قائد سفينة الفضاء الأمريكية «أبوللو» عام 1971 فقال: إن «الدكتور فاروق الباز» لعب دورا مهما في الإعداد لرحلة الفضاء. وقام بتدريب «ايروين» ضمن من دربهم من رواد الفضاء على سطح القمر، وحدد لهم الأماكن التي سينزلون عليها وشرح لهم طبيعتها. ثم قال: ان دهشته كانت كبيرة عندما وجد ان الاماكن التي هبط عليها كانت بنفس المواصفات التي حددها له الدكتور «الباز» على الأرض كما دربهم على التقاط الصخور من على ظهر القمر وكيفية انتقائها. وهناك في أمريكا وأوروبا من الاساتذة المسلمين كثيرون لو أنهم سحبوا من مواقعهم العلمية المهمة لاختل الكيان العلمي والاقتصادى هناك وهناك اعداد كبيرة من اساتذة الهندسة والعلوم المتفوقين في جامعات أمريكا وكندا وأوروبا لاحصر لهم. كما وان المصانع الكبرى في فرنسا وألمانيا وبريطانيا تضم ثمانين في المئة من أصحاب المهارات الفنية من ابناء شمال أفريقيا العرب، ومن الأتراك والأكراد ، ومن مصر ولبنان وغيرها.. وهؤلاء يعملون بأجر زهيد للغاية. مما يؤكد استعداد المواطن المسلم لاستيعاب ادق اسرار الصناعات الحديثة. إذا هيئت له الأجواء المناسبة.. وما يعنى أن لدينا إمكانات هائلة تصلح ان تكون قاعدة لإقامة صناعات متقدمة تستوعب منجزات التكنولوجيا المتطورة. قيم دافعة للتقدم العلمي سألت فضيلة الدكتور محمد على الجوزو: ارجو إلقاء الضوء على ماقرره الاخرون لإنصاف المسلمين؟ ـ قال: إن عملية «الاستغلال البشع» لامتلاك اسلحة الدمار الشامل، والتطور التكنولوجى الكبير لدى الغرب، جعل من الدول الغربية، وعلى رأسها امريكا، «غولا» كبيرا يحاول ابتلاع الدول الصغرى المستضعفة، فاختل ميزان العدالة في العالم اقتصاديا وسياسياً وإنسانياً، وانتشرت الشرور والحروب الصغيرة في كل مكان وساد الفساد وضاعت القيم الأخلاقية والمباديء.. وإن سقوط العالم الإسلامي تحت نير الاستعمار ساعد مساعدة فعالة، على انتصار المذاهب المادية الإلحادية.. وتراجعت المثل الإيمانية والإنسانية والاجتماعية التي جاء بها الإسلام أمام الغزو الثقافي الغربي.. وأضاف : إن الدكتور مراد هوفمان العالم الألمانى المسلم في كتابه «الإسلام كبديل» يقول «إن حركية المسلمين التي ايقظت العالم وجعلته يمضي قدما، شملت آنذاك العلوم والحضارة ، فانطلق علماء الإسلام يحققون نتائج مذهلة في العلوم الطبيعية والإنسانية، حتى لقد غيروا مسار تلك العلوم قروناً وقروناً، كما تشهد بذلك ميادين الرياضيات والبصريات وعلوم النبات وعلوم الطب وفروعه، مثل الجراحة وأمراض العيون وشئون البيطرة والصيدلة والصحة ونشأت وترعرعت علوم المعاجم والنحو والصرف والبلاغة والموضوعات وكتب التاريخ وعلم الاجتماع، وإحياء فلسفة ارسطو التي كان الغرب قد نسيها، وأخذت شمس الحضارة الإسلامية تبدد الظلام الذي ران على أوروبا قرونا، وسطعت خاصة في الفترة مابين القرن التاسع حتى الرابع عشر (الميلادى) وكفي ان نستدل على ذلك بذكر بعض الاعلام «كالرازى والبيرونى وابن رشد وابن سينا وابن خلدون وابن بطوطة والخوارزمي». التحرر الاقتصادى هو البداية سألته: ألا تتفق معي في ان العالم الاسلامي نتيجة الاستعمار شعر بتراجع رهيب في المثل الايمانية والاجتماعية التي جاء بها الاسلام.. فما هو العلاج؟ وماهي القيم الدافعة للتقدم العلمي لدى المسلمين؟ ـ يقول ضيفنا د. الجوزو مفتي لبنان: حرية الشعوب الإسلامية، وكرامة هذه الشعوب، والحفاظ على العدالة الاجتماعية بين أبناء هذه الشعوب، أصبح مرتبطاً «بأسلمة المعرفة» وأسلمة التكنولوجيا، وقيام نهضة علمية وصناعية شاملة، تستطيع ان تحرر إرادة هذه الشعوب، وان تنقذ ثرواتها من النهب والسلب الغربيين المستمرين، والإسلام هو الطريق لتحرير الإنسان، والحفاظ على كرامته، وإقامة العدل في المجتمعات الإنسانية.. فلا يجوز أن توجد ثروات ضخمة في بلاد العالم الإسلامي تقوم عليها الحضارة الحديثة، وأهلها محرومون من الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.. إن أول خطوة في طريق التحرر السياسي هي التحرر الاقتصادى، وهذا الأمر لاسبيل إليه إلا بامتلاك سلاح العصر ألا وهو «التقدم العلمي» و«التطور التكنولوجى» أى امتلاك أسباب القوة..!! يقول الله عز وجل: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) والقوة اليوم لاتتوافر إلا بالمعرفة.. المعرفة التي تتبع المنهج العلمي الحديث.. ومواكبة التطور التكنولوجى.. والمعرفة ضالة كل مؤمن.. والعلم فريضة على كل مؤمن.. ومن نافلة القول ان نتحدث عن أول آيات من القرآن، تطالبنا بالمعرفة، معرفة الانسان، ومعرفة الكون، ومعرفة الخلق للوصول إلى معرفة الخالق.. (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان مالم يعلم) كل أدوات المعرفة.. تتلخص بالقراءة .. وبالقلم.. وبالعلم.. العلم الشمولي الذي يبغي الوصول إلى أسرار الخلق.. فأمام هذا الواقع الذي نعيشه اليوم، لابد ان تتحمل أمتنا مسئوليتها أمام الله وأمام العالم وتتعدد جوانب هذه المسئولية: فهي مسئولية الدولة، ومسئولية المؤسسات الصناعية والتجارية، ومسئولية الجامعات، والعلماء والمتفوقين والنابغين.. أما مسئولية الدولة فهي بتهيئة الأجواء العلمية المناسبة، وتقديم مستلزمات البحث العلمي، من أموال ومختبرات، وحوافز تساعد أبناءنا المتفوقين على التفرغ للبحث العلمي التجريبي، والاستفادة من خبرات الدول المتقدمة والمتطورة في هذا المجال خاصة بعد ان ثبت بالدليل القاطع ان ابناءنا الذين هيأنا لهم البيئة العلمية المناسبة في الخارج واتيحت لهم فرص البحث العلمي اثبتوا نبوغهم وتفوقهم في هذا المجال، وفي مختلف فروع العلوم التي يحتاجها عالمنا الإسلامي.. ولن نضرب الأمثلة على ذلك، وهي كثيرة. وإن واجب الدول الإسلامية الغنية والتي تملك ثروات طبيعية تساعدها على الإنفاق في مجال التقدم العلمي، ان تتعاون فيما بينها من أجل احتضان النابغين من أبناء العالمين العربي والإسلامي، من أجل ان تهيأ لهم فرص العمل لخدمة أمتهم في مجال التكنولوجيا. ومن العار ان يقوم في بلادنا جسم غريب هو اسرائيل، وان يمتلك كل أسباب التقدم العلمي والتكنولوجى، ويهدد امتنا سياسياً واقتصادياً في المستقبل، دون ان يكون هناك عمل جاد من قبلنا لمواجهة هذا الواقع المؤلم مع الفارق الكبير بين إمكاناتنا البشرية والمادية وإمكاناته.. وإن أبناءنا الذين يحصلون على درجات علمية رفيعة في الخارج، لايفكرون في الرجوع إلينا لأنهم لايجدون الفرص المناسبة لمستواهم العلمي في بلادنا، ولا يجدون العمل الذي يتفق مع ما وصلوا إليه من مكانة علمية ومعرفة واختصاص. ـ سألته: لماذا يتقن أبناؤنا العمل في الخارج ولايتقنونه في بلادهم؟ ـ قال مفتي لبنان :ان فرص التفوق والتقدم متاحة بشكل كبير في الخارج، بينما تكاد تكون معدومة في بلادنا، ولقد عشت تجربة من هذا النوع، فقد خسرت ولدا من أولادي، درس هندسة الكمبيوتر وعلوم الكمبيوتر، ولما عاد إلى بلاده، لم يجد عملا مجزياً يتناسب مع ما بلغه من مرتبة علمية، فعاد إلى امريكا، ليصبح من أهم العاملين في مجال الكمبيوتر والمعلومات، وليحمل الجنسية الأمريكية، ويصبح مواطنا أمريكيا لا صلة له بأهله إلا من خلال الكمبيوتر أو الهاتف.. وكم من الكفاءات العلمية التي خسرها العالم العربي والإسلامي بسبب عدم وجود الفرص المناسبة أمام المتفوقين من أبنائنا، وعدم الجدية في استغلال هذه الطاقات، بل ربما أهملت إهمالا شديداً، يدفع الانسان إلى اليأس من بلاده واللجوء إلى الهجرة.. إن هجرة الادمغة العربية والإسلامية مأساة بكل معنى الكلمة، لذلك علينا معالجة هذه الظاهرة بما يتناسب وحجم الخسارة المادية والمعنوية التي تترتب عليها.. فإذا اردنا من أبنائنا ان يتقنوا العمل ويحملوا مسئولية النهوض بالشأن العلمي فعلينا ان نهييء لهم الأجواء، والبيئة والظروف، التي يجدونها في الخارج، وإلا فمن العبث ان نطالبهم بالعطاء، ونحن لانفسح لهم السبيل إلى هذا العطاء. {أخيرا سألت الدكتور محمد على الجوزو: ماهي مسئولية مؤسساتنا وجامعاتنا في اكتشاف واعداد هذه الكوادر؟ وهل انت راض عن مناهجها واساليبها التربوية؟ ـ يقول: «إن التفوق في العلم، إنما ينشأ من الارتقاء في التربية، والتقدم في التعليم ـ والعلم في الجملة يبدأ من تطويع ملكة الفهم والاستيعاب والتعقل والتبصر، وصقلها صقلا يفجر طاقتها، والتربية تسبق التعليم في مرحلة، ثم يتوازيان فيما يستقبله المرء من مراحل التحصيل والتكوين والتأهيل. ولن يؤدي التعليم وظيفة كاملة، وعلى النحو الذي يؤثر إيجابياً وعميقا في المجتمع، إذا لم يكن مقرونا بالتربية التي ليست هي دائما، وفي جميع الأحوال، التربية الدينية، أو التربية الأخلاقية، أو التربية الوطنية، فحسب، وإنما هي ذلك كله، التربية العقلية ، والتربية النفسية، والتربية العلمية، إذا صح التعبير. وهو صحيح فيما نرى من الوجوه كافة. وهذا الضرب من التربية الشاملة البانية الهادفة، هو الذي يهييء لنا الأجيال المؤهلة للإسلام في العملية التي نسميها تجديد البناء الحضاري للأمة الإسلامية». ولسنا في حاجة إلى القول إن المناهج التعليمية والنظم التربوية في معظم اقطارنا، في مسيس الحاجة إلى التجديد والتحديث والتطوير، حتى يكون العلم منتجا، ومجديا، وفاعلاً ومؤثراً في حياة المجتمع».