هذه الرواية يمكن اعتبارها قطعة من ادب المقاومة أو أنها ـ كما يقول نقاد امريكيون محدثون ـ رواية في ادب التمرد او الاعتراض. وهي تحكي عن تعاسة حياة السود في أمريكا ايام كانوا يوصفون بأنهم من فئة «نيجر» وهي تسمية تقصد الزراية بالانسان الملون وتتصرف في قاموس العامية الامريكية الى معنى «زنجي.. او عبد حقير» ظهرت الرواية لأول مرة في عام 1940 واتخذ المؤلف مدينة شيكاغو بالذات مسرحا لاحداث الرواية. ونقول «بالذات» لأن المدينة الامريكية الكبرى كانت ومازالت قاعدة كبرى للسود في أمريكا يسمونهم اليوم باسم «الافرو ـ امريكيين» ولعل هذه التسمية المهذبة وهذا التوصيف الموضوعي المنصف من ثمار مثل هذه الرواية التي فتحت العيون على مأساة السود في أمريكا وافضت مع غيرها عبر عقد الاربعينيات والخمسينيات الى حركة الحقوق المدنية التي شهدها عقد الستينيات التي تفتحت فيها افاق الوعي لدى المواطنين السود في امريكا فاستطاعوا ان ينظموا انفسهم في مؤسسات وحركات نضالية الى ان قضوا على مؤسسات وقوانين التفرقة العنصرية، وان ظل اثار هذا التمييز قائما ـ او بالادق كامنا في بعض الممارسات التي تتم تحت السطح او تشهد بها احصاءات الفرص الاقتصادية او العمالة او المستويات الصحية وما اليها. من حيث البعد الزمني، تقع الاحداث اواخر عقد الثلاثينيات ولا تستغرق في مجموعها سوى بضعة ايام معدودات حيث تنتقل الاحداث بين الجيتو الاسود ـ الاحياء الفقيرة المعزولة التي كان يسكنها السود في شيكاغو وبين احياء الرغد والنعمة الارستقراطية التي يسكنها البيض في المدينة المذكورة. المبدع ريتشارد رايت (1908 ـ 1960) مولود في ولاية مسيسيبي الجنوبية من امريكا وهي الولاية التي كانت من اسوأ مواقع التفرقة العنصرية، واضطهاد ذوي البشرة السوداء والاصول الافريقية في امريكا (يشهد بذلك الفيلم الجيد الذي انتجته هوليوود منذ سنوات بعنوانه الشهير «المسيسيبي يحترق». وكان من الطبيعي الا يكمل ريتشارد رايت دراسته وان ينتقل لكسب الرمق بين اعمال صغيرة شتى وان استطاع ان ينشر أول مجموعة قصصية من تأليفه حين كان في السادسة عشرة. وحين انشب الكساد الكبير في اواخر العشرينيات مخالبه في بنية الاقتصاد الامريكي التحق مؤلفنا بمؤسسة حملت اسم مشروع مسرح الزنوج الاتحادي وفي هذا الاطار كتب الشعر والمقال والقصة القصيرة الى ان نزح الى نيويورك حيث استقر محرر الصحيفة دايلي وورلد لسان حال الحزب الشيوعي الامريكي وقتها وكان ذلك في عام 1937. ويبدو ان الحياة في امريكا ضاقت بهذا المبدع فكان قراره عام 1947 بالهجرة او بالنفي الذاتي الاختياري الى فرنسا التي عاش فيها ما تبقى من سنوات العمر حيث اصدر اعماله الشهيرة ومنها مثلا «القوة السوداء» و«ايها الرجل الابيض.. اسمع» ومعظم هذه الاعمال يركز على كون السود ضحايا لقهر واستغلال البيض وقد خلفت هذه الاعمال تأثيرها العميق على كبار الكتاب الافرو ـ امريكيين الذين جاءوا من بعد من امثال «رالف الليسون» و«جيمس بلدوين» ولقد نضيف ـ على ما تعي الذاكرة ـ ان رؤية «ابن البلد» لها ترجمة جيدة بالعربية صدرت في القاهرة بقلم زميلنا الاذاعي الراحل المرحوم سعد زغلول نصار. أصل الحكاية دقات المنبه في شقة من غرفة وحيدة في ساوث سايد حي الزنوج ـ الجيتو الاسود الفقير بشيكاغو على الدقات تصحو الام مسز توماس وابناؤها الثلاثة، بيجر وبدي وفيرا يرتدون ملابسهم وكل منهم يشيح بوجهه الى ركن الغرفة كي يتيح للاخر قدرا ولو ضئيلا من ستر الخصوصية. يلمحون فأرا مذعورا يمرق عبر ارضية الغرفة ويسارع بيجر الى قتله بمهارة يحسد عليها. بعد افطار فقير يخرج الى الشارع لزوم الصعلكة مع رفاق يشاركونه البطالة والتعاسة والاحباط.. يلعبون قليلا ثم يخططون لسرقة محل البقالة الذي يملكه رجل ابيض.. يحتسب بيجر للعواقب لكنه يوافق على المشاركة في الخطة حتى لا يزري به الرفاق الاخرون. يذهب بيجر الى السينما كي يقضي بضع ساعات الى ان يحين موعد التنفيذ يشاهد فيلما يشحن وجدانه على مدى الكراهية المشتعلة بين موسري البيض وبين افراد يوصفون بأنهم «شيوعيون» ويجهز بيجر مسدسه وينتظر صديقه جوس الذي يتأخر.. كم يشعر بيجر بخوف وتوتر لكنه يحاول تفريغ هذا الخوف حين يلوم صديقه على التأخير بل ويشرع مديته ليجبر صديقه على ان يلعق نصلها.. ورغم ان المسألة ليست اكثر من خوف يتملكه ويحاول ان يخفيه الا ان العنف يلقي الرعب في قلوب الرفاق. بعدها ينبهونه الى حلول موعد لمقابلة تفضي الى ايجاد وظيفة لبيجر.. سوف يشتغل سائقا خصوصيا عند احد وجهاء المدينة ـ من البيض طبعا ـ ولكن الوجه الموسر متعاطف مع قضايا السود ودائم التبرع لمشروعات البر والخير والاحسان اليهم. في سيارة السيد الوجيه تقبع الانسة ماري ابنة الاسرة الشابة المدللة.. التعليمات ان يوصلها الى الجامعة ولكنها تعطيه تعليمات اخرى حيث يوصلها الى حيث يلتقطان صديقها العزيز جان الذي يركب معها في المقعد الخلفي ولانهما عشيقان فقد حرصا على التودد الى السائق الاسود.. يدعوانه الى طعام وشراب.. يتصوران انه سوف يسعد بهذا التوود من السيد الابيض الى الحسود الاسود والحقيقة ان بيجر السائق يشعر بارتباك ازاء هذا الامر بل وبغضب عارم.. اين هذا الشعور المؤلم بالعاشقين يتبادلان القبلات في الاريكة الخلفية من السيارة وقد اسكرهما الشراب ينزل العاشق الولهان مترنحا ويتعين على السائق الاسود ان يحمل مخدومته الشابة حملا وقد غابت عن وعيها بفعل الخمر كي يودعها في غرفتها دون ان يثير ضجة الآخرين.. وفي لحظة طيش يجد نفسه وقد لثم شفتيها.. في نفس اللحظة تدخل والدتها العمياء تلتمس ابنتها ويصاب الفتى الاسود بالرعب.. فالجريمة رهيبة والويل له ان وجدوه في حجرة امرأة بيضاء في غمرة الهول يريد ان يسكت صوت ماري فيضع على فمها وسادة صغيرة.. وبعد ان ينجلي الموقف وتغادر السيدة الكفيفة يكتشف الفتى الزنجي حقيقة افظع واشد هولا.. لقد ادت فعلته دون قصد الى ان اختنقت ابنة مخدومته ولفظت انفاسها الاخيرة. ثم تمعن القصة في رواية سلسلة من الاحداث المريعة التي تحدث للفتى بيجر وهو يحاول التهرب من ذيول جريمة قتل الصدفة التي ارتكبها.. نراه وهو يضرب صديقته السوداء الى حد الموت.. ونتابعه وهو يلوذ بالهرب مطاردا من عدد كبير من قوات الشرطة.. وحين يقبضون عليه يستبد به الغضب وتشتعل بين جوانحه نيران الحقد على ما آل اليه حاله.. خاصة وهو يقرأ في زنزانته عناوين الصحف التي تصفه بأنه وحش آدمي يقتل البشر ويغتصب النساء وينحدر من اسرة لا اصول لها ولا اخلاق.. ثم تتناهى اليه عبر جدران السجن اصوات الجموع من البيض تطلب بأن يكون مصيره الاعدام. خلال المحاكمة تطوع للدفاع عنه المستر «ماكس» الذي يتبنى افكار الشيوعية ويقال عنه انه نصير السود المظلومين.. لكن ما اتعس هذا الدفاع ففي حين استدعى وكيل النيابة 60 شاهدا للاثبات لم يستدع المحامي الهمام شاهد نفي واحد بل اكتفى بخطبة عصماء حول تاريخ استغلال البيض للسود.. وطبعا لم تقنع الخطبة أحداً وصدر على الفتى الاسود «بيجر» حكم الاعدام. ولشدة ما كانت دهشة بل صدمة المحامي حين اسر اليه موكله في اللحظات الاخيرة انه لم يشعر بأنه انسان له كيان وحياة الا بعد ان ارتكب جريمته.. و هكذا ذهب بيجر الزنجي الى حتفه وهو في حالة قبول لشخصيته وقدره ومصيره. الافكار.. الرموز.. الدلالات يعبر هذا العمل عن مدى عمق الشرخ الخطير الذي كان يصيب بنيان المجتمع الامريكي ومازالت اثاره متبقية من حيث العلاقات بين البيض والسود وهي علاقات تتقاطع على صعيدها عوامل الاستعلاء العنصري والتمييز اللوني والحقد الطبقي والعزلة المخيفة بين مواطنين يعيشون في مجتمع واحد. ويوغل المؤلف في تحليل نفسية الاسود ليقول انه لا يحركه العنف ازاء الابيض قدر ما يحركه الخوف من الضياع والفقر والعوز وبطش القانون الذي وضعه مجتمع البيض.. يشير العمل ايضا الى ان تاريخا من الاضطهاد والقهر والسخرة والاستغلال من جانب البيض بحق السود يؤدي بالضرورة الى شرور وجرائم وانحرافات.. ويحرص على لسان المحامي «ماكس» على ان يؤكد ان هذا الاستغلال هو القاتل الحقيقي للفتاة ماري.. وبرغم ان ماري قد اختنقت بوسادة في حادثة مأساوية الا ان المتهم الاسود بيجر ظل طول حياته التي كانت قد دامت 21 عاما يشعر باختناق الفقر والتعاسة والشعور بالاضطهاد والضياع. ثم هناك السعي الدؤوب بحثا عن الهوية لقد ادت عقود بل قرون من الاضطهاد الابيض الى تمييع بل وضياع هوية الاسود. وهذه المأساة تزداد عمقا وقتامة عندما ندرك كقارئين للرواية ان الفتى الاسود لم يشعر بكيانه الا وهو في زنزانة السجن.. يرفض استقبال هذا الزائر ويقبل بأن يجتمع الى من يريد.. اصبح بمقدوره ان يتخذ قراراته بغير ضغط الحاجة او املاء من جانب السادة البيض الموسرين ولكن للاسف لم يحدث هذا كله.. لم يشعر الفتى بذاته وبهويته كمواطن وكانسان الا وهو في طابور الاعدام.. و قبلها كم كان «بيجر» يغشى صالات السينما.. يتفرج على اطياف وخيالات كانت كلها تشكل عالما موهوما ومصطنعاً كان يهرب اليه ويلوذ به فرارا من واقعه الكئيب الذي عمل المؤلف على ان يرمز اليه في مفتتح الرواية بذلك الفأر الذي كان يعايشهم في الغرفة الوحيدة التي كانوا يأوون اليها ـ غرفة حرص المؤلف على ان يصورها مظلمة قاتمة فيما كان يصور سراي الوجيه الامثل في شيكاغو بأنها كانت تتلألأ بالانوار لكن ما اعجب المفارقات.. ان الظلام ساتر رحيم يخفي الفقر والقبح في حين الاضواء المشعة في القصر لا تخفي شيئا ولا تكشف حقيقة.. فأهل القصر لايدركون ما تصنعه ابنتهم من خلف ظهورهم بل ان سيدة القصر بجلالة قدرها عمياء لا تدري من امرها شيئا. العمل في ذاكرة الانسانية لغة الرواية تتسم مع الفصول الأولى بأنها لغة التقرير والاوصاف واحيانا لغة الشارع التي يستخدمها سوقة السود.. ثم لا تلبث ان ترتفع على لسان المحامين واهل القانون خلال مرافعات الادعاء والدفاع.. ورغم ان من النقاد من عابوا على الرواية جنوحها الى البروباجندا الدعائية او الخطابية فقد حرص المؤلف ريتشارد رايت على ان يمهد لنشرها بمقالة عن ظروف ميلاد البطل الاسود «بيجر» موضحا ان هذه الشخصية لا تصور فردا واحدا بل انها مزيج من عدة شخصيات عرفها المؤلف وعايشها وكانوا افرادا من الزنوج الامريكيين الذين كانوا يؤمنون بحق ان البيض استأثروا بكل شيء وما تركوا لنا شيئا.