اكدت الابحاث العلمية مؤخراً ان الانسان المتحضر عرفته افريقيا قبل اوروبا. فقد سكن اناس كهفاً على ربوة عالية تطل على المحيط الهندي في جنوب افريقيا منذ سبعين الف عام. كانوا يعيشون على الاسماك من المياه التي تقع اسفلهم. كان هؤلاء السكان في الكهوف متقدمين الى حد ما من حيث حجم المخ والجسم. وقد وجد الباحثون الاثريون ادلة على ان هؤلاء الناس كانوا في طريقهم للتحديث، فقد حولوا عظام الحيوان الى ادوات وصنعوا منها اسلحة، وهو تفكير على اعلى مستوى من استخدام الادوات الحجرية. كان هؤلاء السكان يرسمون اشكالاً ايضاً على جدران الكهوف في صورة تجريدية تدل على التقدم الفكري وكانوا يتصلون عن طريق الاصوات. وكان المعتقد ان الحياة البشرية الحديثة نسبياً جاءت بعد ذلك بآلاف السنين، اي منذ نحو 40 الف عام. ورغم ان هناك بعض الافتراضات بوجود حياة وسلوك افريقي متقدم منذ القدم، لم يكن هناك دليل على ذلك، على الاقل يقارن ما عثر عليه الاثريون مؤخراً من ادوات. يقول الدكتور ريك بوقس مدير برنامج الاصول البشرية في معهد سميث انه كان يقبل نظرية الانفجار الابداعي في تطور السلوك البشري الحديث، لكنه يعتقد الان آن هذه النظرية بدأت في التداعي. فهم يعثرون على ادلة حياة حديثة في افريقيا تطورت قبل ذلك بكثير وبشكل تدريجي. واحد الاسباب الذي جعل الطفرة الاوروبية الابداعية تلفت الانتباه لأنها كانت فيما قبل التاريخ، هو انه لم يكن هناك منافس آخر لها. ولم يبحث الاثريون جيداً في المواقع الافريقية خلال تلك الفترة، في الوقت الذي كانوا يعثرون فيه في اوروبا على ادلة جديدة كل يوم. وربما لم يكلف الباحثون نفسهم عناء البحث اكثر في مناطق ابعد. لكن بعد عقد من الجدل حول الانفجار الابداعي البشري في اوروبا اتضح الآن ان الاعمال والادوات التي عثر عليها في افريقيا هي اقوم دليل على السلوك البشري الحديث. وهذا يثبت ان الانسان الاول الذي سار على قدمين قد جاء من افريقيا ليس فقط بصفات تشريحية حديثة تماماً بل مع خبرة تزيد على 30 الف عام على الاقل من السلوك المتحضر الحديث. ويقول الدكتور بوتس ان بداية التطور التدريجي للسلوك البشري قد تعود لاكثر من 200 الف عام. وقد شمل البحث 28 اداة من العظام التي كانت تستخدم لاغراض الزينة واغراض اخرى. وقال الدكتور كريستوفر هنشليوود من جنوب افريقيا في تقرير حول هذا الكشف انه مع اضافته الى اكتشافات اخرى انه يثبت ان بداية السلوك البشري الحديث كان في افريقيا وفي زمن ابعد كثيراً مما كان يعتقد. وقال باحثون آخرون في تطور السلوك البشري ان الكشف الجديد عن هذه الادوات في كهوف جنوب افريقيا يقضي على الشكوك السابقة في قدم واصالة القطع اليدوية التي تم العثور عليها، ويثور حولها الجدل منذ العثور على اول قطعة عام 1992، فقد كان المتشككون يقولون ان الادوات المتقدمة التي عثر عليها ربما تكون انتقلت الى موقع الكهوف وترسبت عليها الرواسب فظهر انها عهد اقدم من الحقيقة. وكانت اقدم قطعة اثرية عثروا عليها في افريقيا يعود تاريخها الى 25 الف عام، وتشير التقديرات الى ان الاجداد البشريين الاوائل عاشوا منذ ما بين خمسة ملايين وسبعة ملايين عام في افريقيا، اما الانسان الحديث تشريحيا فقد عاش في افريقيا منذ ما بين 150 و100 الف عام. وقال الدكتور هنشليوود انهم متأكدون من تاريخ تلك الادوات وان تحليلها جعلهم واثقون ان ما بين ايديهم هو دليل على عصر صناعة الادوات العظمية؟ وليس مجرد بعض القطع المتناثرة بالصدفة.