في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان لليونان والرومان تأثير عميق في ادب اوروبا اذ كان كبار الشعراء والكتاب هناك يقتفون اثار المسرحين اليوناني والروماني، ويتقيدون بما اثر عن هذين المسرحين من مناهج موروثة، وفق تقاليد ملتزمة وقيود محكمة، سنّها الادباء الاتباعيون (الكلاسيكيون)، حتى خيّل الى الفكر الاوروبي آنذاك انه سجين ماض لا ينتمي اليه الا بعض انتماء. ولذلك ضاق شكسبير بوحدات المسرح الاتباعي الثلاث، فكسر القيود، وتفلّت منها، وكان تفلته تبشيراً بمولد مولود جديد، سمي فيما بعد باسم المسرح الابداعي (الرومانسي). وانطلاقاً من هذه النقطة يمكن ان نعلل ظهور الابداعية في اوروبا الغربية اولاً، ثم في العالم الغربي كله بعلل متعددة الاوجه. بعضها سياسيّ هو الميل الى الاستقلال القومي، والتملص من طغيان اليونان والرومان على اعراق اوروبا المتنوعة، وبعضها اجتماعي هو التوق الى الانعتاق من سيطرة التقاليد الموروثة، وبعضها فني هو النزوع الى ابتكار اساليب جديدة في صنع الادب شعره ومسرحياته ورواياته. وبعضها نفسي هو ضجر الشعراء من العبودية المتنكرة في ثوب التقديس للقدماء والسعي الى تغليب الحرية الفردية التي تنزع الى تقديس الذات وجعلها محور الابداع وملهمته. وبعضها صوفي هو التفاني في حب الطبيعة كتفاني العابد في حب المعبود على نحو يوحد الكائنات الحية نباتها وحيوانها وانسانها في منظومة واحدة محورها الكائن الاعلى. وقد كان جان جاك روسو خير معبر عن هذا التيار في كتابه (اميل) الذي ينصح فيه للناس بالعودة الى الطبيعة امهم التقية النقية، ومصدر الفطرة السليمة التي شوهتها حياتهم الاجتماعية بشرورها واثامها. وظهور الابداعية في مكان معين وزمان معين لا ينفي ظهورها في مكان اخر وزمان اخر، فقد شهدت مصر في القرن العشرين انبثاقها لدى علي محمود طه وامثاله، وشهدته سوريا لدى عمر ابي ريشة، وشهدته تونس لدى ابي القاسم الشابي، وهؤلاء جميعاً ابداعيون او تنطوي دواوينهم على اكثر السمات الابداعية. وحينما أستعرض اليوم ديوان (اغلى الرسائل) للشاعر الاماراتي سالم الزمر اجدني بين دفتي ديوان ابداعي يعيش صاحبه في القرن الحادي والعشرين، وفي بقعة عربية قصيّة عن المنبت الاول للمذهب الابداعي، لا لأن الشاعر تعمّد ان يحاكي في شعره الابداعية الغربية، بل لأن الشاعر الابداعي عامة لا شاعرنا الاماراتي خاصة نموذج ادبي وانساني يمكن ان يظهر في كل مكان وزمان على ان تتوافر العوامل الاجتماعية والفردية التي تقتضي ظهوره. وربما كانت العوامل الذاتية التي وجهت شاعرنا الى الابداعية اكثر من الاجتماعية وأظهر. وجلّ اعتمادنا في تصيّد هذه العوامل وتلك على الديوان، ومن يرجع البصر في قصائده يجد يسيراً من عوامل اجتماعية، فيضطر الى تكبيرها حتى يتمكن من قرنها بالعوامل الذاتية الكثيرة، وابرز العوامل العامة النهضة الاسطورية السرعة التي انجزت بها دولة الامارات عامة ودبي خاصة هذه النهضة في العمران والحضارة والتجارة، والارقام المتصاعدة، والخطوط البيانية المتعاظمة، وهي امور لا تحتملها النفس الشاعرة، لانها اكبر من فطرتها الرهيفة. قد تسوغ هذه الارقام في صدر الحاسوب الآلي، ورأس التاجر الكبير او رجل الاعمال، اما الشاعر فانه يؤثر عليها البساطة، ولهذا تراه يفرّ من الحاضر الى الماضي، ومن الاسواق الى اللوحات، فيذكر العهد القديم بالخير، ويغلف ذكرياته بالشعر والسحر: نحيا على بحر بشاطئه سحر، وفي احشائه در ثم يذكر الحاضر مبتدئاً بـ (اذا) الفجائية التي تشير الى السرعة المذهلة في حركة التعمير والتطوير، واحلال الخصب محل الجدب، والخضرة محل الصفرة، والترف محل الشظف، على نحو لا تدرك اندفاعه المتسارع نفس الشاعر المطمئنة المخلصة للموروث، فتصاب بالحيرة والدهشة والذهول: فإذا البلاد يعمّها رغد ويؤمّها وجه الندى النضر وإذا الربا الجرداء مزهرة وإذا الروابي بالمنى خضر وإذا الرعاة السمر قد لبسوا ثوب الحضارة وشيه سحر واما العوامل الذاتية فمجموعة متجانسة العناصر من موروث ومكتسب، واصيل ودخيل، ونحائز وغرائز، وآلام واحلام، وصراع بين التطبّع بآلية العصر والطباع المغروسة في التكوين. وقبل ذلك كله وبعده الميلُ الدائم الى تغليب عاطفة الحزن على كل عاطفة، والاحساس بالألم قبل كل احساس. هذه العوامل كلها تمازجت في صدر الشاعر، وعملت عملها في صمت وقور، وسكينة رزان حتى انجبت نفساً ابداعية هي نفس سالم الزمر، وخلعت ملامحها على ديوان وجداني هو (اغلى الرسائل). ولو نظرت الى انعكاس هذه العوامل والملامح على الديوان لتراءت لك سماته الابداعية التي يقعد لها الناقد كل مرصد ليتصيّدها من فكرة غامضة، وبيت شارد، اما ديوان اغلى الرسائل فإنه يطالعك بهذه السمات قوية جلية في قصائده كلها، فلا تحتاج الى ترصد وتصيد ولا يعوزك الى تحليل وتأويل. والسمة الاولى منها الهرب من الواقع الماديّ الى الطبيعة الوديعة على نحو واقعي او متخيل، والبحث في حضنها عن الطمأنينة، والايغال في كبد الصحراء للتخلص من صخب المدن وهموم الحياة المعقدة، والبحث فيها عن وكر لم تبلغه خطوة انسان، واتخاذه منبراً تلقى من فوقه القصائد المحزونة من لي به عيش راع في الربا سكنا جاب الصحاري يناغي حضنها وطنا يذكي القصائد في صدري منغمةً كرجع ورقاء ابكت في الدجى غُصنا راع يجوب الصحاري طائراً غرداً له ابتسام الاماني والهموم لنا يمسي ويصبح والبيداء وجهته يريق فيها الاغاني، يهجر المدنا وثانية السمات طغيان الالم على مشاعر النفس كلها، والاعتقاد الراسخ بأن الالم هو الحسّ الوحيد الثابت، وان العواطف الاخرى ظواهر عوابر، وكواكب غوارب، اذ لا يكاد بارق السعادة يلتمع حتى ينطفئ. امّا السنة الابدية الخالدة فهي الضياع والاخفاق، والشقاء والعناء، والالم والعدم. ولهذا فعلينا ان نتطهر بالآلام من الآثام كما يتطهر الحديد الصدئ من تفثه وخبثه باصطلاء النار. وعلينا كذلك الا نعلّق ادنى امل على مواعيد عرقوب، فكل وعد يخادعنا به برقٌ خلب، وسراب كاذب: لكنها سنة الدنيا ضياع مُنى وحرقة ومعاناة بغير مدى كم شاطئ لاح لم نبلغ موانئه وموعد ليس يوفيه الذي وعدا وكم ليال سهرناها بغير غد وفرحة بدّلت بعد الصفا كمدا اني اوطّن نفسي لا سبيل الى دنيا بلاحزن، لا لم يكن ابدا والسمة الابداعية الثالثة عناية الشاعر بديباجته، اذ اختار لها ارق الالفاظ، وصاغها اجمل صوغ، واقدره على اثارة العواطف الشجية. اما اختيار الالفاظ الرقيقة فتحكمه مقاييس صوتية ومعايير نفسية، فالصوتية تقضي باختيار احرف الذلاقة كالراء واللام والميم والنون لأن اصواتها احفل من سواها بالايقاع العذب، كما تقضي بالاكثار من حروف المد اللينة وحرف الهاء لأنها تعين على اطلاق الزفرات الحزينة من الصدر، والحسرات الدفينة في القلب. فمن الالفاظ التي ترددت في مسمعك واطربتك: راع، طائر، غرد، الاماني.. ومن الابيات الحافلة بهذه الحروف وبحروف المد: اني بقايا شذى من روضة هجرت أتذكر الان ام مازلت تنساني؟ واللفظة المفردة قد تقصّر عن القيام بما ندبت له من اثارة الاشجان وبثّ الآلام، لكنها حينما تُسلك مع اخواتها في عبارات عاطفية موحية تكتسب بالنظم قدرة اشعاعية مضاعفة، فتبوح وهي في الجملة بما لا تبوح به وهي مستقلة. ولهذا اكثر الشاعر من الجمل الانشائية الحافلة بالامر والنهي والتعجب والنداء والاستفهام، ولوّن الكلام الخبري المسرود بالحوار المسرحي الحيّ، وراح يتنقل في البيت الواحد من اسلوب الى اخر، وكان في كل لون من الوان الاساليب يضرب على وتر من اوتار النفس، فيعزف لوناً من الوان المشاعر المرتبط بالايقاع المعزوف. من ذلك قوله وقد جمع بين النهي والخطاب والحوار وحروف المد: لا تسألن طيوف العمر، تلك اتت تقول: هذي مواويلي والحاني وقوله ـ وفي قوله النداء والتمني: يا ليتنا ما كبرنا يا طفولتنا والعيد ظلّ منى في العمر تنتظر والتعجب والخطاب اجتمعا في قوله: ما اضيع العمر ان تحيا وقد ذهبت احلام عمرك ادراج الرياح هبا وقوله وقد جمع الاستفهام والامر والنداء والخبر واكثر من حروف المد اللينة القادرة على الاثارة والبوح، وقبس من الجناس سرّ التلاؤم الصوتي بين الحروف: علام البكا المكبوت، بوحي وغردي وذوبي نشيداً في صبابات منشد ايا روحي العطشى، دعي عنت الشقا وشقّي اسى امسي وغنّي منى غدي وما اظنك بعد الذي وقفت عليه من ملامح الابداع في شعر الزمر الا معجباً بهذا الشاعر الذي اعتصم من المادية الطاغية بالروحانية الحانية، ومن العجمة الدخيلة بالفصاحة الاصيلة، ومن التجديد المهجن بالسبك المتقن والاسلوب الملوّن، فكان صوتاً ابداعياً بالمعنى العربي للابداعية، لا تسمع الا قليلاً من اشباهه ونظائره في هذا العصر.