امس، اتم اديب العربية الاكبر نجيب محفوظ العام التسعين من عمره الخصيب المديد باذن الله، وتلك مناسبة عزيزة، من الطبيعي ومن الحب والوفاء وحسن التقدير ان تحتفي بها الاوساط الادبية والاعلامية والثقافية بعامة، في مصر والوطن العربي، فصفحة الرجل هي في صدر الصفحات المشرقة والمشرفة في سجل الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، حيث تزخر باكثر من خمسين رواية ومجموعة قصصية، هي ـ بدون منازع ـ ابرز الدرر في عقد الابداع العربي في فن الرواية، بل ان نجيب محفوظ هو صاحب الفضل الاول والاكبر في تأسيس هذا الفن في ادبنا العربي، وبلورة ملامحه العربية الخاصة، كما انه ـ بمضمون فنه الرفيع، والافكار والقضايا والقيم التي عالجها ـ ساهم مساهمة جليلة في رسالة تنوير الوعي العربي واثراء الوجدان العربي. لكل هذا، كان فنه العبقري جديراً باعظم الجوائز العربية والعالمية التي توجتها جائزة نوبل، الامر الذي اتاح للأدب العربي ان يأخذ بعض حقه، وبعض مكانته بين الآداب العالمية الرفيعة. المناسبة جليلة وعزيزة، وهي ـ بحق ـ عيد لفن الرواية والروائيين، وعيد للتنوير والثقافة. وعيد ـ وهو ما يهمنا هنا ـ للغة العربية، او «الجميلة»، ذلك ان رحلة نجيب محفوظ الحافلة، هي في جانب من جوانبها العديدة، رحلة حب للغة العربية والتزام بها، وخدمة لها. في مرحلة الطلب والتكوين، نهل نجيب محفوظ، على يد اساتذته ومعلميه وبمجهوده الذاتي، ما مكنه من التضلع من اللغة العربية: قواعدها وفنونها وتراثها الغني. واهم من ذلك انه وجيله ـ كما يقول ـ «لقن عشق الكلمة المكتوبة في المدرسة». وفي ذكرياته التي كتبها عنه جمال الغيطاني، وهو من اقرب اصفيائه اليه، يقول: «من روافد قراءاتي الهامة التراث العربي، وقد عرفته في سن مبكرة، عندما درست في المرحلة الثانوية بعض عيون التراث العربي، مثل (الكامل) للمبرد، و(الامالي) لأبي علي القالي، وكان ذلك بفضل مدرسي اللغة العربية المعممين، وظهر اثر ذلك في موضوعات الانشاء». وفي حواراته التي اخرجها رجاء النقاش في كتابه البديع «نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته واضواء جديدة على ادبه وحياته» يقول: «كان الشيخ عجاج من اوائل الذين لفتوا انتباهي الى جمال التراث العربي وروعته وثرائه، ففي دروس (البيان) كان يستشهد بأبيات شعرية، واغلبها من شعر الغزل، وبحوادث ليست في المقرر المدرسي، وكنت اسأله عن مصادرها، فيدلني على عيون التراث العربي، مثل (البيان والتبين) للجاحظ. وذهبت الى مكتبات خان الخليلي، وبحثت عن هذه الكتب طويلاً حتى اهتديت اليها، فنفعتني قراءتها كثيراً فيما بعد.. ولهذا الرجل فضل كبير في اتقاني لقواعد اللغة العربية، والملاحظة الجديرة بالذكر هي ان اساتذة اللغة العربية في تلك الفترة كانت لديهم مقدرة هائلة على تبسيط قواعد اللغة العربية للتلاميذ، ولذلك نجد اغلبية تلاميذ تلك الايام لديهم تفوق واضح في قواعد اللغة العربية، اذا ما قورنوا بمستوى التلاميذ الان. كان عندي اهتمام خاص باللغة العربية في سنوات دراستي الاولى، وانعكس ذلك في موضوعات الانشاء التي كنا نقوم بكتابتها، وفي اجادتي لقواعد النحو والصرف.. والى وقت قريب كنت احرص على وجود قواميس اللغة العربية وكتب النحو بجواري اثناء الكتابة، حتى استعين بها اذا اختلط على الامر بين الكلمات الفصحى والعامية». ويضيف نجيب محفوظ الى تلك المناهل، منهل القرآن الكريم، فيقول: «.. قرأت القرآن الكريم منذ الصغر، وتعلقت به، ومازلت اقرأ فيه بشكل يومي، ولو اجزاء قليلة.. وتوطدت علاقتي به اكثر بعد تعلقي بأصوات كبار القارئين في ذلك العصر.. وقد كان للقرآن واسلوبه وموسيقاه العذبة اثر كبير في اسلوبي في الكتابة، وظهر ذلك بشكل واضح في (احاديث الصباح والمساء). اما المناهل الحديثة التي اثرت في لغة نجيب محفوظ، فكان اهمها المنفلوطي، بأسلوبه السلس الفريد الذي اثر حتى في جيل الاساتذة: طه حسين والزيات وغيرهما. على ان المهم، ان نجيب محفوظ افاد من كل تلك المناهل بدون ان يظل اسيراً لها، وانما راح يطور لغته، مختاراً بوعي الالتزام باللغة الفصحى في فنه، وفي ذلك يقول: «احاول توحيد الفكر واللسان في الكتابة. احياناً استخدم الفاظاً يعتقد البعض انها عامية، وهي فصيحة.. يبدو لي ان هناك روحاً للغة، وانا اكتب بالعربية الفصحى حقاً، ولكنها العربية الحية بالروح المصرية، وذلك بالمجاهدة الذاتية التي اخذت وقتاً لانها مضت ببطء، والتطور اللغوي في اعمالي يتم ـ اذا تم ـ دون وعي او تعمد من جانبي». تمسك نجيب محفوظ باللغة الفصحى يعبر عن حب لها واعتزاز بها وايمان بقدرتها على التعبير عن روح فنه وشخصياته، كما يرجع الى «انها لغة عامة وقومية ودينية وغير ملفقة.. ولكن كان علي ان اعطيها نوعاً من الحياة، واعمل على تقريبها الى اذهان الناس، وابتعد عن الالفاظ الصعبة التي تزخر بها، حتى تصلح للاستخدام الادبي الروائي». والحق، لقد نجح في ذلك اعظم النجاح.