الزمان والمكان شاغل الإنسان منذ الأزل ولكل امرئ مايهوى. وأنا أهتم بالزمان ربما على حساب المكان والسبب؟ ولو انني حاولت ان أرصد الأسباب لأفنيت صفحات وصفحات وبالتأكيد لدي حكايات كثيرة عن الزمن، وربما أكون قد حكيت لك في هذا المكان عن (بلدياتي) القروي الذي كانت تحكي المنطقة كلها عن قوته البدنية الخارقة وقصته مع حصانه تتناقلها الاجيال، فعندما حرن الحصان ورفض ان يتحرك ضربه برأسه فسقط صريعا وحتى إذا كانت هذه القصة من نسج المعجبين فهناك قصص أخرى رأيت بعضها بنفسي ثم لما كبر صاحبنا في السن وذهبت لزيارته طلب مني أن أمسك بيده لأساعده على الوقوف. وفي الأيام القليلة الماضية لمعت ملاحظة تكشف سطوة الزمن الصائبة، فلقد وجدت رسالة من احدى الجهات الثقافية تطلب مني كلمات عن نجيب محفوظ لأنهم سيصدرون كتابا عنه وعرفت فيما بعد أن ذلك في ذكرى ميلاده التسعين! ولمعت تلك الملاحظة التي ذكرتها لك فعندما قابلت نجيب محفوظ لأول مرة كنا نعتبره من شباب الأدب أما شيوخ الأدب فكان طه حسين والعقاد وسلامة موسى وأمين الجندي ومحمود تيمور الآن يحتفلون بالعيد التسعين للشاب وهكذا مر الزمن! ولقد تعرفت على نجيب محفوظ أول ما تعرفت قبل أن أراه بسنوات وكنت في احدى المدن الصغيرة في الصعيد طالبا في المدرسة أبحث عن كل شئ من الممكن قراءته. ووقع في يدي، ولا أدري كيف، رواية لنجيب محفوظ ربما كانت اسوأ رواياته هي السراب لكنني كنت قادرا على أن اكتشف الكاتب من هذه الرواية. أدركت انني امام كاتب من نوع آخر واعلنت لأصحابي الذين يشاركونني متعة القراءة اكتشافي لكاتب جديد وعادة نحتفل بمثل هذه المناسبات، لكنهم في هذه المرة رفضوا اكتشافي ولم آبه لهم وبحثت بطاقتي المحدودة فوقعت في يدي رواية ثانية هي خان الخليلي وادركت انني أمام مذاق أدبي جديد لم يسبق لي أن استمتعت به، انه شئ غير المنفلوطي وطه حسين ومحمود تيمور انه ينتزع الواقع ويصوره أبدع تصوير حتى يقنعك بأنه يتحدث عما حدث فعلا ولأن بطل القصة مريض بالصدر، فلقد توحدت بالرواية حتى أعتقدت أنني مثله، وظللت أعاني أوهام المرض سنوات وقابلت الشخص الوحيد الذي كان يقرأ لنجيب محفوظ ولا أذكر منه الآن الا انه كاتب له لثغة في لسانه تقلب الراء غينا وكان يحب أن يقرأ صفحات من الرواية بصوت عال وكنت استمتع بسماعه الى حد أنه اصابتني نفس اللثغة فلما اكتشفت ذلك داويتها بالاعتدال. ولم يكن يدرك قدر نجيب محفوظ آنئذ الا قلة وكان قد بدأ الكتابة منذ الثلاثينيات فلقد عدت الى مجلة الرواية التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات فوجدت له عددا كبيرا من القصص القصيرة وكان ينتقي منها لمجموعاته القصصية، فلما اتسعت شهرته أخذ ينشر كل ماكتب أو لعل هذا ماقام به الناشرون، وحتى الخمسينيات كان نجيب محفوظ كاتبا كأي كاتب، بل لعله كان دون ذلك من وجهة نظر الادباء وأذكر مقالا ربما كان منشورا في أوائل الخمسينيات تمنيت ان يكون امامي الآن حتى لا أعتمد على الذاكرة، كاتب المقال كان محمد عبدالغني حسن وكان شاعرا كبيرا، وكانت قصائده تنشر في الصفحة الأولى من «جريدة الاهرام» لذلك كان يلقب بشاعر الاهرام وكان موضوع المقال ـ وأنا هنا أعتمد على الذاكرة ـ مفاضلة بين روايتين الأولى هي زقاق المدق أما الرواية الثانية فكانت احدى روايات محمد عبدالحليم عبدالله، وربما كانت هذه الرواية بعد الغروب ولا أظنها لقيطة، ونشر المقال في مجلة الهلال وانحاز الناقد الشاعر بشدة الى رواية عبدالحليم عبدالله واعتبرها من روائع الابداع الأدبي وانقلب على رواية نجيب محفوظ واعتبرها عملا بذيئا لا يليق نشره أو حتى الحديث عنه. وفيما بعد كنت أفكر في نجيب محفوظ وقد قرأ هذا المقال، وكيف انه كان كافيا للقضاء عليه. وكان زميله عادل كامل قد اعتزل الكتابة لانهم رفضوا اعطاءه جائزة عن روايته الرائدة سليم الأكبر. وكتبت ـ وكنت تلميذا كما ذكرت لك ـ الى نجيب محفوظ - وفوجئت في البداية برسالة يرد على فيها وكلما تقاعست الآن عن الرد على أديب شاب أتذكر مافعلته في رسالة نجيب محفوظ. وعندما ذهبت الى القاهرة لأول مرة في أواسط الخمسينيات كانت لدي أمال محددة منها أن أرى نجيب محفوظ. وكان الوصول اليه يسيرا، فلقد كانت هناك ندوة أسبوعية تعقد كل أربعاء في نادي القصة وكان يحضرها طه حسين وتوفيق الحكيم واحسان عبدالقدوس وعبدالرحمن الشرقاوي، ومحمود تيمور ويوسف السباعي وحسين فوزي وعلي أحمد باكثير وعباس خضر وايضا نجيب محفوظ وكان المتحدث الوحيد في هذه الندوة هو طه حسين فمن يستطيع التحدث وطه حسين موجود وربما شارك الاخرون بجملة أو جملتين وكان الصامت الوحيد هو نجيب محفوظ لكنه لم يكن صامتا لا تلاحظه فإذا أعجبته ملاحظة قهقه حتى يسمع الذين في خارج المكان واذا أبدى دهشة بدت الدهشة هائلة على وجهه لكنه أبدا لم يعط تصريحا صريحا في قضية ما. ولم نكن نعرف أن نجيب محفوظ الذي انجز في تلك الفترة ثلاثيته كاتب مظلوم نقديا فالنقاد القدامى كانوا مثل الشاعر محمد عبدالغني حسن أما نقاد اليسار وكان لهم تأثيرهم الهائل في تلك الفترة فلقد رأوه بعيدا عن نموذج الكاتب الذي يريدون، وقالوا أن نجيب محفوظ كاتب طبيعي، في حين انهم يدعون الى الواقعية، والتي يؤكدها بعضهم بالواقعية الاشتراكية وكنا نحن الذين ننتمي الى اليسار نعاني حبنا لنجيب محفوظ سرا وعلنا، كما كنا نسخر من الواقعية الفجة في الأدب المصري والروسي. وأحدنا كان يحفظ منها نصوصا كاملة، يرويها فنضحك جميعا. وعظمة نجيب محفوظ انه استطاع ان يتحمل هذا التجاهل النقدي وربما ايضا العدوان النقدي ومما لم ينتبه اليه الكثيرون ان لويس عوض الذي كان واحدا من أكبر نقاد جيله لم يكتب حرفا عن نجيب محفوظ الا بعد منتصف الستينيات وكان قد صار نجما في عالم الكتابة. وكنت في تلك الأيام أعرف نجيب محفوظ عن قرب وذات مرة كنت أزوره في مكتبه لسبب ما، وانتهى ماكنت أريده فيه، وأردت أن أنصرف لكنه تشبث ببقائي وبعد لحظات نظر في ساعته خلسة ففهمت من ذلك ان لديه موعدا، فسارعت بالوقوف، وسألني مندهشا هل أنصرف لسبب. فلما قلت انني أراه مشغولا أنكر هذا. لكن بعد لحظات نظر إلى ساعته وتكرر هذا عدة مرات وفي النهاية قلت له انني كنت أقوم لأنه ينظر في ساعته، وضحك ضحكته الصافية وقال انه كان ينظر في الساعة متعجلا لموعد سيجارته التالية فلقد كان منظما في كل شئ حتى التدخين. وكنت أظن أن الكاتب لا يشغل نفسه الا بابداعه خاصة اذا احتل مكانة رفيعة كما فعل نجيب منذ بداية الستينيات وذات مرة التقيت به في ميدان التحرير ماشيا، وكان أشهر المشائين في زمانه وألح على أن أصحبه في رحلة المشى وسألني عن الرواية التي يكتبها يوسف أدريس وكان يوسف أدريس موهبة صارخة وكان بيني وبينه صداقة يعرفها نجيب وكان يوسف يكتب رواية (البيضاء وادركت من اسئلة نجيب قلقه من الموهبة الصاعدة وسألني عن الرواية، ولم أكمل قراءتها، وقلت انها ليست رواية بقدر ماهي قصة طويلة وعندما قلت هذا لم يعد يلح علي في أن أسير معه. وكان المذيعون والصحفيون يسألونه رأيه في الكتاب الشبان، ومن يراهم موهوبين أو ـ أحيانا ـ من يخلفه؟! وبالطبع كان يتهرب من هذه الاسئلة ولكن احيانا كان يجيب وكانت اجابته صدمات للوسط الأدبي فلقد كان يذكر اسماء لا يعرفها أحد أو لا يعرف أحد انهم بلا مواهب وعندما كنت أقول أن من حق نجيب أن يرشح من يريد، فهو ليس ناقدا ـ كانوا يقولون انه يقصد عدم القاء الضوء على موهبة شابة. واذا كان هذا صحيحا فهو يدل على مدى المعاناة التي يعانيها بعض الكتاب. وتعرض الكاتب الوديع الذي لم يدخل أبدا معركة عنيفة للذبح بيد أحد المتأسلمين على زعم انه كفر في روايته، أولاد حارتنا وعندما قبض على الشاب بعد ذلك قال انه لم يقرأ الرواية فكان هذا اشارة الى زمن جديد يقتل فيه شاب غضبا لكلام لم يقرأه. نجانا الله من هذا الزمن وكل عام وأنت بخير ياعمنا نجيب.