الزلازل والانهيارات الترابية والولادات السابقة لأوانها وانهيارات اسواق الاسهم وعمليات الانقراض الطبيعية.. كلما عرفنا عنها اكثر كلما بدت اقل قابلية للتنبؤ. فعلى امتداد سنوات، يحاول الناس ان يفهموا ما الذي يسبب احداثا كارثية كهذه.. ولكن لماذا تحدث الكارثة على نحو غير متوقع، عندما يكون كل شيء يسير على ما يرام؟ أليس هناك حقا علامات تحذير تتيح لنا الاختباء في مكان آمن؟ معظم الباحثين يأسوا.. وهم يقولون ان هذه الاحداث الكارثية تحدث لأن قشرة الارض والاسواق المالية والانظمة البيئية العالمية هي جميعها «انظمة حرجة» دائما تسير على جبل مشدود.. وهي امور غير قابلة للتنبؤ بشكل متأصل لأنه من غير الواضح كيف ستتفاعل مع هزة ما، ففي بعض الاحيان تحافظ على توازنها بينما تسقط عن الحبل في احيان اخرى. لكن ديديير سورنيت، وهو عالم فيزياء جيولوجية يقسم وقته بين جامعات في كاليفورنيا ولوس انجلوس ونيس بفرنسا، يعتقد أنهم يئسوا بسهولة. ويزعم انه عثر على اشارة دقيقة كامنة، شائعة في العديد من الكوارث، يمكنها ان تطلق التحذير قبل فوات الاوان. وحتى الآن، فان هذه الهمسات، كانت تمضي دون ملاحظة، لكن سورنيت يعتقد انها قد تكون المفتاح للتنبؤ بكارثة معينة.. انه ادعاء مثير للخلاف كثيرا وقد استدعى الانتقاد من خبراء في جميع المجالات حيث اعلنه سورنيت. الامر كله بدأ في بداية التسعينيات عندما كان سورنيت يطور نموذجا نظريا للتنبؤ بالتشققات في مواد مثل الاسمنت والالياف الكربونية وبعض الصفائح المعدنية. وصور الانهيار نموذجيا كشبكة من الشقوق الصغيرة المتنامية والمتداخلة والتي ينشأ عنها في النهاية تصدعات.. ووجد سورنيت ان السرعة التي تحرر فيها هذه الشقوق المتنامية الطاقة مرتبطة بالزمن المتبقي قبل ان تعاني دمارا كارثيا. وبعبارة اخرى، فان الشقوق ـ وحتى تلك التي لا تبدو مهمة ـ تمنحك عدا تنازليا لحدوث الكارثة. اذن ذلك هو النموذج، ولكن هل ينطبق الشيء نفسه على المواد الحقيقية؟ من خلال العمل مع مهندسين من شركة الفضاء الفرنسية «ايروسبيسيال» قام سورنيت بمد خزانات الضغط، بينما قامت مايكروفونات حساسة بتسجيل الفرقعات او اصوات صرير المواد.. واظهر التحليل الدقيق لجميع الترددات وجود اصوات وارتعاشات لم يلحظها احد من قبل. وقد كرر العلماء التجربة باستخدام جميع انواع المواد المختلفة، والنمط نفسه ظهر في كل مرة. وظهر تردد صغير على فترات فاصلة في التسجيل، وكان اشبه بالكورال في اغنية ما، باستثناء انه اخذ يعلو ويعلو مع ثغرات صغيرة بين مرات حدوثه حتى انكسرت المادة فجأة. دمار كارثي وباجراء عملية حسابية استطاع سورنيت ان يتنبأ بالفترة التي ستمضي قبل ان تعاني المادة من دمار كارثي. ومع تقدم التجارب، اصبح سورنيت واثقا على نحو متزايد ان بمقدوره التنبؤ على نحو دقيق بالخلل الكامن في المادة. واصدرت «ايروسبيسيال» براءة اختراع بالاسلوب ذاكرة سورنيت كأحد المبتكرين واستخدمته في اختبار الضغط في الخزانات المصنوعة من نسيج الكربون على متن الصواريخ أريان 4 وأريان 5 الفضائية. ولا يبدو سورنيت مقنعا بترك الامور عند هذا الحد لانه يبدو الآن وكأن التنبؤ بأحداث كارثية معينة قد يكون ممكنا في نهاية المطاف. وقد قام، على سبيل المثال، بدراسة الانهيارات الترابية لمعرفة الترددات التي ترسلها. في البداية، قام مع متعاونين من جامعة جرينوبل بفرنسا بتحليل قياسات ليزرية وبيانات زلزالية أخذت قبل الانهيار الترابي الذي وقع في عام 1987 على وادي تيني في جنوب فرنسا. كان ذلك الانهيار بسيطا نسبيا ولم يصب أحد منه بأذى، ولكنه دمر شارعا، تعين اعادة بنائه على الجانب الآخر من الوادي. تطابق التوقعات جاءت البيانات الزلزالية من الانهيار مطابقة لتوقعات سورنيت، فقد كان النمط الذي تحدث عنه موجودا قبل حدوث الانهيار. واظهر سورنيت كيف يمكن استخدام البيانات في التنبؤ مسبقا بتوقيت حدوث الانهيار في نطاق زمني يتراوح بين شهر وسنة. واذا كانت الترددات الزلزالية قادرة على التنبؤ بالانهيارات الترابية، فماذا عن الزلازل؟ قضى سورنيت الجزء الأكبر من العقد الماضي يحلل بيانات زلزالية من مناطق الزلازل ويقول اننا ينبغي أن نكون قادرين على تحديد الخطر القادم الى هنا أيضا. ولكنه أضاف بأن الأمر ليس مباشرا كتنبؤ الانهيارات الأرضية. ولكنه يأمل في أن يساعد اسلوبه في التنبؤ بالزلازل والحوادث الكارثية الأخرى التي توقع دمارا هائلا وتحصد أرواحا كثيرة. ضرار عمير