يقال، في لغتنا الجميلة، قصر القيد (بفتحتين) ضيقه، وقصر الثوب دقه وبيضه، وقصر الشيء حبسه. وقصر (بفتح القاف وضم الصاد) كان قصيرا. والقصر (بكسر القاف وفتح الصاد) قلة الطول. والقصارة (بكسر القاف وفتح الصاد) حرفة القصار، والمقصورة من النساء ـ جمعها مقصورات ـ المنعمة في بيت لا تتركه لعمل والمصونة في خدرها مصداقا لقول الحق عز من قائل: «حور مقصورات في الخيام» والمقصورة من الدار والمسرح والمسجد وغيرها ـ جمعها مقاصير ـ حجرة خاصة مفصولة عن الحجرات المجاورة لها. يقول الزمخشري في «أساس البلاغة» ان المقصورة هي الحجرة من حجر دار كبيرة. في الاصطلاح الفني المعماري يستخدم لفظ المقصورة، التي ندرسها هنا كأحد المكونات العشرة الرئيسة للمساجد التي اخترناها، للدلالة على شرفة او حجرة او سياج او حاجز من الخشب ونحوه يحاط به المكان الذي كان يخصص في المسجد لصلاة الامير او الوالي او القائم على أمر الناس بقصد ان يكفل له الحماية وتأمين حياته ممن يتربص به شرا. اذا استقر ما تقدم فإن الباب ينفتح امام سؤال يبدو حتميا على وجه التقريب وهو: كيف أطلت المقصورة في المسجد وعلى يد من كان ذلك؟ فلنعد بخيالنا الى الجد الاعلى للمساجد، وهو المسجد النبوي بالمدينة. لقد كان حقا بناء رحبا بمعايير ذلك الزمان، يمتد ضلعه ستة وخمسين مترا، لكنه كان ايضا التجسيد الحق لبساطة الجماعة الاسلامية الناشئة ولميلها الى التقشف في حياتها اليومية، ولم يكن الا سورا له ظلتان، وقد جعل المصطفى الحبيب صلوات الله وسلامه عليه حجراته من خارجه لا من داخله، وما كان له وهو الذي بادر حينما رأى اعرابيا تأخذه الرجفة منه لمهابته الى القول: «هون عليك فما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة» ما كان ان يتخذ في مسجده هذا مقصورة ولا غيرها مما يدور في معناها فما الحكاية إذن على وجه الدقة؟ البداية الأكثر غرابة من الواضح انه ليست هناك اجابة تتسم بالسهولة والمباشرة على السؤال المتعلق بكيفية ظهور المقصورات في المساجد وهوية من كان الباديء بإدخالها، ذلك أننا حيال مجموعة من الاحتمالات التي يتعين ان ندرسها جيدا قبل ان نأخذ بالأرجح من بينها: أ) الاحتمال الاول قال به كثيرون منهم على سبيل المثال نور الدين علي الشافعي السمهودي في الجزء الاول من «وفاء الوفا بسيرة المصطفى» حيث يقول ان اول من وضع المقصورة من لبن بالمسجد النبوي هو عثمان بن عفان، وذلك خوفا من الذي اصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد اتخذ مقصورة صغيرة يصلي فيها، واستعمل عليها السائب بن جناب وكان رزقه دينارين في كل شهر. وبمثل ذلك قال آخرون منهم المقريزي في خططه، حيث يوضح انه «أول من عمل المقصورة بلبن عثمان بن عفان. وكانت فيها كوى تنظر الناس منها الى الامام، وان عمر بن عبدالعزيز عملها بالساج». ب) الاحتمال الثاني يقول به القلقشندي في كتابه «مآثر الانافة في معالم الخلافة» حيث يشير الى ان اول من عمل المقصورة في الجامع من الخلفاء ليصلي فيها يوم الجمعة هو معاوية بن أبي سفيان.. وقد صارت سنة لملوك الاسلام بعد ذلك تمييزا للسلطان من غيره من الرعية». وإذا كان اصحاب الاحتمال الاول يقولون بأن عثمان اتخذ المقصورة تحسبا من مصير عمر، فإن معاوية اتخذها بناء على تجربته الدموية، حيث انهال عليه الخارجي البرك بن عبدالله بسيفه، فغلق اليته ليلة مقتل علي رضي الله تعالى عنه. ج) الاحتمال الثالث يورده جلال الدين السيوطي في أوائله، حيث يشير الى ان اول من بنى المقصورة هو مروان بن الحكم، حيث جعلها بالحجارة المنقوشة وجعل لها كوى، ويروي المؤرخون في ذلك قصة مفادها ان مروان بن الحكم كان قد بعث عاملا الى تهامة فظلم رجلا يقال له «دب» (بضم الباء) فجاء هذا الاخير الى مصلى مروان حتى اذا أراد ان يكبر ضربه بسكين من غير ان يصيبه اصابة تذكر، فأخذ مروان، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال بعثت عاملا فأخذ دوري وتركني وعيالي لا نجد شيئا فقلت اذهب الى الذي بعثك فأقتله فهو اصل هذا، فجاء ما ترى، فحبسه مروان حينا في السجن ثم امر به فاغتيل سرا، فكانت المقصورة. غير ان المؤرخين في مواجهة هذه الاحتمالات الثلاثة يرجحون الاحتمال الخاص بمعاوية بن ابي سفيان، ويقولون انه هو الذي عمد بعد نجاته من الموت بسيف الخارجي الى احداث اول مقصورة في الاسلام، وجعل فيها حرسا، وكان هؤلاء اذا ركع الخليفة او سجد وقفوا حوله شاهرين سيوفهم لحراسته، وعلى هذا يكون الباعث على بناء المقصورة في المسجد بالأساس هو تخصيص الخليفة بمكان ينفرد به عن سائر المصلين ليكون في مأمن ممن توسوس له نفسه الوثوب به واغتياله. ثلاثة أسباب مقترحة غير ان بروفيسور روبرت هيلينبراند، استاذ الفن الاسلامي في جامعة ادنبرة يرى في هذا الذي سقناه حالا تبسيطا لا يرضاه، ويشير انه يتناقض مع الاستمرارية المتطاولة التي سيتخذها بناء المقاصير في المساجد في ارجاء مختلفة من دار الاسلام وعبر قرون عديدة. هكذا فإنه بالمقابل يطرح علينا ثلاثة اسباب محددة يرى انها هي التي يمكن ان تفسر ظاهرة معمارية معقدة كظاهرة المقاصير، وهذه الاسباب هي على النحو التالي: أ) الرغبة على نحو مباشر في تبني ما درج عليه البيزنطيون من تخصيص مقصورة ملكية للامبراطور، هي التي عرفت تقليديا باسم «كاثيسما» وبالتالي التأكيد على سمو مرتبته وعلو مقامه. ب) الحرص على ضمان الخصوصية للخليفة خلال أداء الصلاة، الأمر الذي يفسر ما درج العمل به، على نحو ما حدث في المسجد الاموي، من تخصيص باب الى جوار المحراب يصل ما بين القصر والمقصورة، او ما بين القصر وجناح مؤلف من مجموعة من المقاصير تخصص للخليفة وحرسه على نحو ما نجد بجامع ابي دلف في سمراء. ج) الخوف المباشر من تعرض الخليفة للاغتيال وهو خوف له ما يبرره تاريخيا، حيث ان اثنين من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم لحقا بربهما على هذا النحو، وقتل عثمان وهو يرتل القرآن. وهذا الطرح يؤيده ان المقاصير تقليديا كانت تتيح للمصلين رؤية الخلفاء من غير ان تجعل هؤلاء عرضة لسيوف او خناجر من يريدون الوثوب بهم. ويشير هيلينبراند الى انه أيا كانت اصول المقصورة فإن وظيفتها الرمزية لا سبيل الى ان تغيب عن العيان، فهي تجسيد جلى لرفعة مكانة الحاكم وعلو شأنه، وبالتالي فهي جزء لا يتجزأ من الاتجاه الى التأكيد على مجموعة من المظاهر المميزة له حتى في مكان هو بطبيعته يؤكد ان الناس سواسية كأسنان المشط. وهو يلاحظ ان هذا التجسيد سرعان ما ينتشر في دار الاسلام شرقا وغربا على السواء، فالمقاصير بدءا من القرن الحادي عشر ستفرض نفسها في صورة غرف كبيرة مقببة قائمة غير بعيد عن المحراب على المساجد وسترتبط بممر يكفل لمن يستخدمونها الخروج والدخول من المسجد من دون الاختلاط بباقي المصلين، وهو ما نجده في جامع اصفهان تماما كما نجده في مسجد بيبرس بالقاهرة. الامر لن يقتصر على هذا وحده، وإنما سنجد ان المقاصير تتخذ سياقات واشكالا عديدة، حيث نجد منها ما هو ثابت وما هو متحرك، على ما سبق لنا ان رأينا في حالة المحاريب، وعلى سبيل المثال فإننا سنجد في جامع القيروان مقصورة متخذة من خشب الساج المنقوش المزخرف والذي يعلوه نطاقان من آي الذكر الحكيم، ويتوج هذا كله بأشكال اقرب الى العرائس او الشرافات، مع ملاحظة ان الزخارف والنقوش على خشب المقصورة تردد اصداء نظريتها في خشب المنبر، مما يوجد تناغما مبهرا الى أبعد الحدود. بالمثل سنجد مقصورة ثابتة لا تزال قائمة حتى اليوم فيما بقي من مسجد السلطان بيبرس بالقاهرة تميزها البدنات ذات العقود، ويبدو واضحا انها شيدت ليكون لها العديد من الاستخدامات في آن. المقاصير تملأ الآفاق اذا كانت تلك هي بداية المقاصير، فإننا سرعان ما نرى انها لم تكن إلا نقطة البدء في تاريخ ممتد، فإذا كان الناس على دين ملوكهم فلا شك ان الوقت لم يطل قبل ان ينسج ولاة الامصار على منوال الخليفة في دمشق، ومن ثم بادروا الى تقليده ومحاكاته واتجاه المقاصير بدورهم، بحيث اصبحت في كل مسجد جامع يؤدي الوالي صلاته فيه مقصورة مخصصة له. هكذا في عام 43 هجرية بادر مروان بن الحكم بتقليد معاوية فأحدث في المسجد النبوي بالمدينة مقصورة له، فكان اول من احدث المقاصير من الولاة الامويين. ولم ينفرد مروان بذلك، فها هو قرة بن شريك، عامل الوليد بن عبدالملك على مصر خلال السنوات 86 ـ 96 هجرية ـ 705 ـ 714 ميلادية يتخذ من جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، عندما اعاد بناءه، مقصورة لم تقتصر وظيفتها على صلاة الوالي فحسب، وانما اتخذها المؤذنون لرفع الآذان الى ان ابطل ذلك المستعصم بالله (640 ـ 656 هجرية ـ 1242 ـ 1258 ميلادية) وأمر بأن يكون الآذان خارجها. والواقع ان مصر قد عرفت نوعين اساسيين من المقاصير، أولهما ينتمي الى هذا النوع الذي رأيناه حالا، اي المقاصير التي كانت تعمل في واجهات ايوانات القبلة غالبا او في مواجهاتها احيانا على هيئة مستطيل عال تتقدمه دورة خشبية يتم الوصول اليها من خلال سلم خاص غير مسموح للعامة باستخدامه، لأنها كانت تخصص للوالي او السلطان حرصا على حياته من الاعتداء، لا سيما بعد تعدد عمليات الاغتيال والقتل الموجهة الى الولاة والقائمين على الامر في الامصار. اما النوع الثاني من المقاصير فهي المقاصير الخشبية التي كانت تحيط بتراكيب المدافن في الاضرحة والمشاهد والروضات، وكانت عبارة عن حاجز خشبي مستطيل من خشب الخرط بأحد اضلاعه فتحة باب ذات مصراع واحد او مصراعين يفضي منهما الى داخل المقصورة كنوع من الخصوصية الواجبة في هذا السياق. ويلفت نظرنا حتما ان ظاهرة انتشار المقاصير في الامصار بلغت من اتساع النطاق الحد الذي توقف عنده الخليفة العباسي المهدي ابن ابي جعفر المنصور، فبادر في عام 161 هجرية باصدار اوامره بأن تنزع المقاصير من مساجد الامصار مع الاحتفاظ بها في بغداد واقترن ذلك بأمره ايضا بتقصير المنابر والعودة بها لتأخذ الارتفاع نفسه الذي كان عليه منبر المصطفى الحبيب صلوات الله وسلامه عليه. غير ان دوام الحال من المحال، فها هم الناس يصعدون الى ما كانوا عليه في شأن المقاصير، وها هو المقريزي ـ على سبيل المثال ـ يورد اشارات عديدة في خططه الى المقاصير العديدة التي بنيت في المساجد في أيام العباسيين والفاطميين والايوبيين والمماليك على السواء. انظر اليه يحدثنا عن المقصورة التي اتخذت في مساجد احمد بن طولون وكيف تم ربطها بخارج المسجد بما يحاول دون اختلاط من يصلي فيها بباقي المصلين، حيث يقول: «وكان بجوار الجامع الطولوني دار أنشأها الامير احمد بن طولون عندما بنى الجامع وجعلها في الجهة القبلية ولها باب من جدار الجامع يخرج منه الى المقصورة بجوار المحراب والمنبر». شأن ما درج عليه الفاطميون من اهتمام بالمظاهر وتكريس لها ما دامت تصب في خدمة دولتهم والحفاظ عليها وضمان هيبتها واستقرارها، فقد كان الامر كذلك بالنسبة لهم في حالة المقاصير، وحدثنا المقريزي في خططه ان من خلفائهم من اتخذ له مقصورة للصيف وأخرى للشتاء، ويشير الى انه في شهر ربيع الآخر من عام 442 هجرية عملت لموقف الامام في زمن الصيف مقصورة خشب ومحراب ساج منقوش بعمودي صندل، وتقلع هذه المقصورة في الشتاء اذا صلى الامام في المقصورة الكبيرة. غروب شمس المقصورة من البديهي ان المسيرة الممتدة للمقاصير عبر التاريخ ما كان لها ان تتواصل بعد انتهاء حتى اليوم، ذلك انها من الناحية العملية قد استنفذت اغراضها فهي اصلا اقيمت لحماية اولى الامر خلال اداء الصلاة الجامعة، وهؤلاء اليوم يجري امنهم وفق منطق آخر تماما. وربما ليس بعيدا عن الذاكرة ان الرئيس المصري السابق انور السادات كان يؤدي صلاة الجمعة وظهره الى جدار الجامع. وربما كان من آخر المقاصير التي اطلت في العصر الحديث ما يحدثنا عنه الشيخ طه الولي من ان اهل بيروت احدثوا في الجامع العمري مقصورة ليصلي فيها السلطان العثماني عبدالمجيد، وذلك عندما اشيع انه سيزور مدينتهم. وكانت هذه المقصورة عبارة عن حواجز من الخشب المشبك، غير ثابتة وضعت ما بين مقام النبي يحيى وحجرة الاثر الشريف في ذلك الجامع، وقد نزعت هذه المقصورة في وقت لاحق ولم يبق ما يدل عليها سوى لوحة من الرخام حملت ابياتا من الشعر في مدح السلطان عبدالمجيد. وربما كان مما ساعد في غروب شمس المقاصير، بالاضافة الى انقضاء الغرض الرئيسي منها ان علماء المسلمين وأصحاب الرأي فيهم لم ينظروا يوما نظرة ترحيب اليها. وفي هذا الصدد تعود الى الذاكرة مقولة ابن رشد عنه: «ان المقصورة محدثة، لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على عهد الخلفاء بعده، وانما احدثها الامراء للخوف على انفسهم فاتخاذها في الجوامع مكروه». اخيرا لابد من ملاحظة انه لا سبيل اليوم الى رؤية مقصورة الا في جامع اثري قديم، فبقدر ما مضت بي قدماي الفانيتان في بلاد الناس حرصت على ان اغشى مساجدهم وجوامعهم من اول قلب الهضبة الآسيوية الى الشمال الافريقي ولم يحدث قط ان رأيتها الا في المساجد القديمة والاثرية. اما المساجد الحديثة فمن العبث تصور وجودها فيها. وقد مضيت ـ على سبيل الفضول ـ أقلب المراجع ، لعل ما ذهبت اليه في هذا الشأن يكون قد أتاه الخطأ من حيث لا أدري، لكننا على سبيل المثال لو وقلبنا في كتاب «المسجد في العالم الحديث» من تأليف ريناتا هولود وحسن الدين خان لما وجدنا اثرا لكلمة «مقصورة» في اي موضع من صفحاته البالغة 288 صفحة في طبعة تيمز أند هوسون الصادرة عام 1997 ولما وجدنا اثرا لها في قائمة الاصطلاحات الفنية الواردة في نهايته.