ـ اذن علينا الاتصال بصديق عرفناه سابقاً، سيدلّنا حتماً على جحا وسيبلغنا أخباره وحكاياته. ـ من هذا الذي يعرف جحا وأسراره؟ ـ انه الدكتور محمد رجب النجار الذي رافقنا في بحثنا المضني عن الصعاليك. ـ ونعم الرجل والاختيار، فهو الرجل المناسب في المكان المناسب. ـــ مرّت لحظات وإذ بالدكتور النجار أمامنا بلحمه وشحمه ـ كما يقال ـ وبابتسامته العريضة، وهدوئه واتزانه. قلت للدكتور: عفواً يا استاذنا الجليل، الموقف حتم علينا أن نستعين بك من جديد. قال الدكتور بتواضعه المعتاد: قلت لكما سابقاً انني مستعد لتقديم اي مساعدة في سبيل ايصال الكلمة للناس جميعاً. قلت: نحن الآن نستعين بك على جحا. ضحك الدكتور النجار طويلاً وقال: آهٍ من جحا وحكاياته ونوادره المثيرة. قال هانز: يا دكتور لفت نظر صاحبنا هذا بأن جحا ليس لصاً محترفاً أو صعلوكاً حتى نتطرق إليه، لكن عناده يقول عكس ذلك ويذهب به عكس اتجاه الريح ايضاً. ـ قال الدكتور: لن أكون معك يا هانز أو معه، بل سأمسك العصا من وسطها، فلا يستطيع اي باحث ايها العزيز في حكايات اللصوص والشطار والعيارين ان يتجاهل المأثور الجحوي الذي قيل في اللصوص ونوادرهم ومواقفهم الطريفة مع جحا. ذلك ان المتأمل لنوادر جحا مع اللصوص لابد ان يربط بينهما وبين الموقف الذي يتخذه جحا من السلطة وقضية العدالة وغياب القانون، لا لكثرة ما قيل من نوادر على لسان جحا في هذا الأمر في أواخر العصر المملوكي، بل لوقوف هذه النوادر جميعاً عند مضمون واحد بالغ الدلالة على مدى ما وصلت إليه الامور من اختلال للقيم والمعايير حيث أضحى اللص الحقيقي بريئاً والبريء لصاً، نتيجة لانحلال عرى الضبط والسياسة! ـ قلت للدكتور: لكن الناس اوجدت حكايات كثيرة بعيدة عن جحا لكنه تلبسها وأصبحت تراثاً محكيّا ومتداولاً. ـ نعم، فجحا هو الرمز القومي الساخر الذي يرى الناس فيه صمام أمن يلوذون به تعبيراً وتنفيساً، فلم تكن مصادفة ان يكون بيت جحا هدفاً دائماً للصوص، وان يكون جحا مسروقا اكثر منه سارقاً، وان يكون البيت الجحوي في النهاية رمزاً للبيت الكبير. صحيح ان هناك نوادر لعب فيها جحا دور اللص، لكنه دائماً اللص الذكي الشاطر الداهية، الذي يكشف عن حماقة اللصوص الكبار، وهو إذ يسرق فانما يسرق لأمرين لا ثالث لهما، اما درءاً للجوع وبحثا عن لقمة العيش التي عز وجودها حتى كاد ابناؤه يموتون، وهو في هذه الحالة لا يسرق الا من البساتين العامرة التي يمتلكها الامراء والاثرياء، حيث لا يقام عليه الحد شرعاً ولا يسمح الوجدان الشعبي لجحا ان تقع عليه عقوبة، ولكن دعابة لطيفة من جحا تجعله يفوز بغنيمته، واما ان يسرق من أجل ان يسترد حقاً مغتصباً له. سبق ان نهبه اللصوص المحترفون، فيعرف كيف يستعيده بحيلة اكثر ذكاء، وابعد أثراً. ـ لكن، لماذا يكون جحا بالذات هو دائرة بحثهم ومطمعهم؟ ـ اللافت أيها الأعزاء، هنا أمران، أحدهما ان اللصوص الذين طمعوا في بيت جحا، ورأوا فيه هدفاً مثالياً قريب المنال فصالوا وجالوا، قد غرهم ما اتسم به جحا من طيبة وتسامح، ولطالما تصوروه بسبب ذلك غراً ساذجاً، أحمق ولكنهم جميعاً أمام ذكاء جحا وحيله العجيبة كانوا دائماً هم الحمقى والمغفلين. السبب الآخر ان جحا لا يخفى عليه أمر لصوصه، عادة يعرفهم ويتبعهم ويقبض عليهم، ولكنه لا يرفع أمرهم للقضاء أو يحتكم إلى والٍ أو سلطان وهذا يعني ان الوجدان الشعبي في المأثور الجحوي قد فقد ثقته بالسلطة، وانما يكتفي جحا بأن يلقنهم دروساً قاسية حين يفلح ودائماً يفلح في فضح ألاعيبهم وكشف حيلهم وقصر نظرهم. .. وغداً نكمل