يجعل الاسلام حياة الانسان على ظهر هذه الارض موصولة الأسباب بالعمل الدائم المتجدد، العمل الذي لا ينقطع حتى ولو تقطعت أسباب الحياة لأن هذه الحياة الدنيا موصولة بحياة اخرى لا ينقطع فيها الثواب ولهذا قيل ان الدنيا مزرعة للآخرة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان قامت الساعة وبيد احدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر» وفي هذا الحديث النبوي الشريف تتمثل قيمة العمل وأهميته في هذه الحياة حتى في اللحظات الاخيرة التي يودع فيها الانسان وتودع الدنيا كلها الحياة ولو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان واجب الانسان حين يرى القيامة قد اقلبت بأهوالها وهو في هذا الموقف هو ان ينفض يده من شئون الدنيا وأن يسارع في اللحظات الباقية الى الاستغفار والتوبة والاقبال على الله لكان هذا القول متفقا مع طبيعة الانسان وطبيعة الموقف ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ان كانت بيد أحدكم فسيلة وقد قامت القيامة فاستطاع ان يغرسها قبل ان تدهمه القيامة فليفعل». نعم فسيلة النخل التي لا تثمر الا بعد سنوات يحث صلوات الله وسلامه عليه على غرسها حتى ولو لم يبق على هول القيامة الا لحظات لأن الانسان مطالب بأن يعمل ولا يتوقف عن العمل ما دام قادرا عليه حتى نهاية حياته كما ان الانسان مطالب بأن يعمل مهما أبطأت ثمرة العمل ومهما فاته ادراك جزاء عمله في هذه الحياة لا ان يقتصر الانسان على ما يجني ثمرته العاجلة او ما يعود عليه وحده بالخير وإلا ما استقام امر الدنيا ولا توارثت الانسانية جهودهم في خدمة المجتمع ولما جنى اللاحقون ثمرات عمل السابقين ولا عمل هؤلاء اللاحقون بدورهم ليجني من يأتي بعدهم ثمرات اعمالهم. وهذا المعنى ينبع من صميم الايمان بالله واليوم الآخر فليست حياة الانسان على هذه الارض الا مرحلة من مراحل حياته التي تبدأ وهو جنين في بطن أمه والتي لا تنتهي بوفاته الا لتبدأ مرحلة اخرى في عالم الجزاء والخلود. ولقد ذلل قوم قالوا: «ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين» فأبطلوا بذلك قانون الثواب والعقاب وأهدروا قيمة الانسان في هذه الحياة اذ جعلوه كالحشرة الملتصقة بالطين ينتهي امرها حين تدوسها الاقدام ولو كان الانسان كذلك لتجرد من كل معاني الخير والايثار وحوافز العمل والتضحية والتسامي على الاهواء والشهوات ولانحصرت آماله ومشاعره في أضيق الحدود فهو يحاول ان ينتهب اللذات وان يستأثر لنفسه بكل ما تصل اليه يده بحق او بغير حق ولا نقلب المجتمع الى صورة بشعة من الانانية والجشع والتمزق والانهيار وانما تصلح حياة الانسان وتقوى روابط الانسانية حين يؤمن الانسان ان الحياة في هذه الدنيا فترة عابرة وأنه من اجل ذلك ينبغي الا ينفق عمره الا فيما يفيد نفسه ويفيد المجتمع وأنه سيلقى جزاء عمله في الحياة الآخرة بهذا الايمان والسلوك تطيب نفس الانسان ويستقيم قصده في هذه الحياة الدنيا وينال الجزاء الاوفى في الحياة الآخرة يقول تعالى: «ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون» ولو ان الانسان تدبر المعنى الذي تضمنه الحديث الخاص بالفسيلة وغرسها على ابواب القيامة وحاول تطبيق هذا المعنى في حياته لطالعتنا صور كثيرة من صور التغيير في سلوك كثير من الناس. فمثلا الموظف الذي بقي على اعتزاله الخدمة عاما او بعض عام نراه قد فترت همته وفقد حماسه للعمل وأصبح غير حريص على اداء الواجب او التفكير في مشروع جديد يفيد العمل ويرفع من مستوى الاداء والانتاج تاركا ذلك في رأيه الى من يشغل وظيفته بعده ولو تدبر هذا الموظف المعنى العميق الذي تضمنه الحديث الشريف لظل يعمل وينتج الى آخر لحظة في حياته الوظيفية. كذلك في هذا الحديث الشريف توجيه الى معنى آخر هو الربط بين الدنيا والآخرة في الفكر والعمل فلا انفصالية في مفهوم العمل للدنيا والعمل للآخرة وانما هو طريق واحد اوله هنا وآخره هناك يقول تعالى: «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا». وهذا المعنى هو الذي يجعل الانسان متصلا بالله في كل ما يعمل ويبني للدنيا وهو يبتغي الآخرة ويجاهد في سبيل الله ليعلي كلمة الحق ويحمي حوزة الوطن ويصون عرضه وماله وقد يبذل في ذلك روحه لأن وراء هذه الدنيا حياة اخرى يطيب فيها الجزاء والبقاء. وبالله التوفيق أحمد عبدالتواب أحمد