بعد معركة الزلاقة الشهيرة التي انتصر فيها المسلمون من دولة المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين على نصارى الاندلس بقيادة الفونسو السادس في رمضان 479هـ اطبق المسلمون على حصن «لبيط» الذي اعتصم به القشتاليون الذين كانوا يخرجون من حصنهم ويسلبون وينهبون املاك المسلمين. وقد ضيق المسلمون الخناق على الحصن حتى لم يبق من الفرسان الصليبيين غير بضع مئات اوشكوا على الموت جوعا وعطشا وقد انسحب المسلمون تاركين الحصن الذي حطمه الفونسو لان هدف ابن تاشفين كان اهم من ذلك حيث وجه جهده لتوحيد قوى المسلمين في الاندلس لاستكمال تحرير المدن الاسلامية لكنه ادرك انه لا يمكنه الاعتماد على ملوك وامراء الطوائف الذين استعادوا علاقاتهم مع الصليبيين مرة اخرى بل استأنف بعضهم دفع الجزية لهم. لذلك تأكد لابن تاشفين انه لم يعد يأمن جانبهم في صراعه المقبل مع الصليبيين ومن هنا عقد العزم على تصفية ملوك وامراء الطوائف وان يعتمد على قواته في تحقيق اهدافه في الاندلس وقد ايده في ذلك فقهاء وعلماء الدين الذين افتوا بضرورة خلعهم. كان للمرابطين ما ارادوا فقد استولوا على طليطلة ثم غرناطة والبيرة ومالقة ثم بعد ذلك استولوا على اشبيلية ثم قرطبة والمرية ثم بطليموس وبعدها قرمونة ورندة وشلب ويابره كما استولوا ايضا على السهلة ومرسية ودانبة وشاطبة وبلنسية وقد استطاع المرابطون تحت قيادة داوود بن عائشة وسير بن ابي بكر وابو عبدالله محمد بن الحاج وغيرهم من قواد المرابطين الذين وضع يوسف بن تاشفين ثقته فيهم ان يبسطوا لواءهم على هذه الولايات التي كانت تخضع لامراء متعددين من الطوائف وبذلك تم توحيد الجبهة الاسلامية في الاندلس. وخلال هذه المعارك دارت مواقع حربية اخرى مع قوات الصليبيين التي كانت تراقب تنامي قوات المرابطين مثل موقعة «بلنسية» في شرق الاندلس والمنارة والسهلة وربيط التي انتصر فيها القائد تميم بن يوسف بن تاشفين على قوات قشتاله وقتل فيها عدداً كبيراً من النصارى وبذلك امتدت دولة المرابطين من المحيط الاطلسي غربا في حدود مصر شرقا ومن بلاد النيجر جنوبا حتى نهر ابرو حتى الاندلس شمالا «نهر تاجة». وبذلك طويت صفحة حافلة بالجهاد الاسلامي قادها الزعيم يوسف بن تاشفين الذي اعتبر بطلا من ابطال التاريخ الاسلامي قاد معركة الجهاد طوال خمسين عاما صارع خلالها اقوى رجلين صليبيين في الاندلس هما الفونسو السادس والقمبيطور وبجانب البابوية في روما والقوات الاوروبية الاخرى التي وقفت خلفها وعندما تجاوز عمره مائة عام اخذ البيعة من كبار المرابطين لابنه ثم عاد الى المغرب في عام 498هـ حيث مرض ومات بمراكش عام 500ه/1107م وخلفه ابنه علي. دولة الموحدين وجهادهم في الاندلس في عام 586ه/1190م ضعفت دولة المرابطين في المغرب والاندلس وبرزت انذاك دولة جديدة هناك هي دولة الموحدين بزعامة الخليفة المنصور الموحدي والذي كان مشغولا بترسيخ دعائم ملكه في شمال افريقيا وهو ما استغله البرتغاليون وأخذوا يضايقون المسلمين في غرب الاندلس برا وبحرا وهاجموا مدن شلب وباجة ويابرة هناك وقد ساعدتهم الظروف هناك حين انضمت اليهم بعض القوات الالمانية والانجليزية والهولندية المنسحبة من فلسطين بعد انتصار صلاح الدين الايوبي العظيم عليهم في حطين واستعادته القدس من ايدي الصليبيين. وقد حرص المنصور على ان يتجنب مواجهة الصليبيين مجتمعين وان ينفرد بهم واحدا بعد الاخر وهي نفس الاستراتيجية التي اتبعها نابليون بونابرت في العصور الحديثة عندما حارب الجيوش الاوروبية وقد بدأ المنصور جهاده عام 587ه/1191م بالهجوم على البرتغال التي سبق وان استشهد فيها والده فهاجمها برا وبحرا واكتسح اراضيها ولم يجرؤ ملكها سانشو ازيكث على مواجهة المنصور في معركة عامة مكشوفة بل ظل مختفيا وراء جدرانه واستطاع الاسطول الموحد ان يأسر سفن البرتغال عام 856هـ ويجعلها سفناً اسلامية. وقد انتهت هذه المعارك باسترداد مدينة «شبك» عام 587هـ والتي تسببت في تبديد قوات البرتغال حيث لم يسجل التاريخ بعد هذا التاريخ اي معارك شارك فيها البرتغاليون الذين نجح المنصور في تحطيم قواهم وتدمير حصونهم واكتساح اراضيهم. الم بالمنصور مرض طويل فتعطلت فتوحاته في الاندلس لاسيما بعد ان عاد الى المغرب وهو ما استغله اعداؤه فقد تربص به ملك قشتاله وثار العرب في افريقيا وعادت الاحوال الى الاشتعال الا ان المنصور بعد شفائه عزم على الخروج بنفسه لمحاربة الخارجين عليه وبدأ بالجبهة القشتالية في قلب الاندلس واخذت قواته تتوافد على اشبيلية من الغرب وهكذا صار هناك جيش كبير من الموحدين والعرب والاندلسيين والمتطوعين من انحاء بعيدة يسعون الى الجهاد في سبيل الله وعندما شعر الفونسو الثامن ملك قشتالة بذلك اسرع بطلب النجدة من الدول الاوروبية والبابا فقدمت اليه الجيوش من فرنسا والمانيا وهولندا ومعظمها من الفرسان ذوي الخبرة العسكرية الطويلة في الحروب ضد المسلمين في فلسطين والشام وقد وصل حجم هذه القوات الى 50 الف جندي وبما يعادل ثلاثة اضعاف القوات الاسلامية. انتصار المسلمين في معركة الارك عسكرت قوات الموحدين بالقرب من قلعة «رباح» على ضفة وادي آنة والى الغرب من مدينة «ثيودادربالة» الحالية وقد وزع المنصور القيادات كالاتي: ابن صناديد على الجيش الاندلسي وجرمون بن رباح على القبائل العربية ولنديل بن عبدالرحمن المغراوي على قبائل مغاوة ولمحبو بن ابي بكر على قبائل بني مرين والجبار بن يوسف على قبائل بن عبدالواد والعباس بن عطية على قبائل بني توجين ولتجيين بن علي على قبائل مسكورة والمصامدة ولمحمد بن منفاد على قبائل العمارة والفقيه الصالح ابي خرز على المتطوعة وجميع هؤلاء تحت قيادة ابي يحيى بن ابي حفص زعيم قبيلة هنتانة. وزع القائد ابو يحيى بن ابي حفص الرايات على رؤساء القبائل وقسم عسكره على النحو التالي: عسكر الاندلس في الميمنة وزنتانة والمصامدة والعرب وسائر قبائل المغرب في الميسرة والمقطوعة والمماليك الاعزاز والرماة في المقدمة وبقي هو وقبيلته هنتانه في القلب. وبعد توزيع القوات في ميدان القتال تقدمت فجأة مجموعة من فرسان نصارى اسبانيا تقدر بنحو عشرة الاف رجل ويزيد عن خمسة عشر الفا مدججين بالسلاح ومدرعين بالحديد لالقاء الرعب في نفوس المسلمين. عند ذاك برز زعماء الموحدين لصدهم الا ان جموع الفرسان الصليبيين كانوا قد تقدموا من الميسرة ونجحوا في اختراق القلب وقتل قائد جيوش المسلمين ابي يحيى بن ابي حفص الا ان القوات العربية وزعماء قبائلها والمقطوعة الذين حذوا حذو القبائل العربية تمكنوا من الالتفاف حول جميع هذه القوات والاحاطة بها وبذلك وقع فرسان اسبانيا الصليبيون بين شقي الرحى تطحنهم وتحصدهم القوات الاسلامية حصدا وانكسرت بذلك شوكة الفونسو الثامن حيث كان يعتمد بشكل رئيسي على هؤلاء الفرسان الذين لم ينج منهم احد في هذه المعركة. دارت رحى تلك المعركة 9 رمضان عام 591ه/18 يوليو 1195م وانجلت عن انتصار رائع وعظيم للمسلمين وافلت الفونسو الثامن بعدد قليل من فرسانه ولاذ بالفرار الى طليطلة وكان لهذه المعركة اثر بعيد يشبه اثكر معركة الزلاقة. وقد اظهر المنصور في هذه المعركة شجاعة وبسالة نادرة مهدت له هذا النصر فيروي ابن عذارى المراكشي انه حينما رأى انكسار مقدمته امام هجمات العدو ترك مقر قيادته وسار منفردا الى الصفوف الامامية يعطي تعاليمه ونصائحه وتوجيهاته لسائر القبائل مما كان له اكبر الاثر في ثبات نفوس قواته فحملوا على العدو حملة شديدة انتهت بالنصر واسرع بعض فرسان العرب اليه يبشرونه بهزيمة العدو. وبعد ذلك النصر الذي ثبت فيه حدود الاسلام في الاندلس إلى خط وادي «انة» ارسل المنصور فرقا من جيشه الموحدي استعادت الكثير من الحصون في غرب الاندلس وتوجه المنصور بباقي قواته نحو طليطلة عاقدا العزم على الاستيلاء عليها ولكن الشتاء حل به فلم يزد المنصور عن تخريب بعض الحصون التي كانت تمثل خطرا على الوجود الاسلامي واسترد المسلمون بعض الحصون القشتالية مثل ملجون وبنافنتي وكاراكويل وقلعة رباح ويذكر مؤرخو الغرب الصليبي ان من اسباب هزيمة القشتاليين ان جيش الموحدين كان يحسن الكر والفر ويجيد الرماية بالسهام وهي خصال تتوافر في العرب وتتفق مع طريقتهم في القتال. بعد انتصار «الأرك» بقي المنصور بالاندلس حتى عام 592ه/1196م وتمكن من الاستيلاء على حصن منتانجش بعد استسلام حاميته كذلك حصن ترجاله وبالانشية فنزل الخراب والدمار بانحاء مملكة قشتالة مما دفع ملكها الى طلب السلم والمهادنة لمدة عشر سنوات فوافق المنصور وعاد الى مراكش بعد ان كان قد اعقب انتصارات هذه بسلسلة اخرى من الانتصارات في شمال قشتالة ودمر نواص طليطلة واستولى على بعض الحصون المحيطة بها مثل مجريط ووادي الحجارة ووصل الى اراض لم تطأها اقدام المسلمين من ايام المنصور بن ابي عامر عند بداية انهيار الخلافة الاموية 399ه. وفي نفس الوقت قام ملك ليون الفونسو التاسع وحليف المنصور بمهاجمة قشتالة واجتياحها ومن الغريب ان المنصور لم يحاول الاستيلاء على طليطلة ولو اراد ذلك لفعل دون مشقة كبيرة وقد عاد المنصور بعد ذلك مرة اخرى الى الاندلس ولكنه لم يقم بأعمال عسكرية كبيرة واكتفى بأعمال التنظيم والادارة ومحاسبة العمال ورجال المال ومات هذا المجاهد الكبير في ربيع الاول 595ه/يناير 1199 وكان عمره لم يتجاوز التاسعة والثلاثين بعد ان سجل صفحات ناصعة في تاريخ الجهاد الاسلامي وارتبط اسمه بمعركة الارك التي اوقفت تقدم النصارى في الاندلس. ومما اخذ عليه انه لم يحاول ان يستثمر انتصاره في الارك كما فعل صلاح الدين بعد حطين حيث استولى على القدس عام 583ه/1187م ولكن يرجع ذلك الى الامراض المعضلة التي اصابت المنصور وقد وقف الاطباء عاجزين عن علاجه منها لاسيما وان جسده كان هزيلا ولو كانت صحته تساعده لتمكن من شن غزوات تفوق ما قام به في الارك ذلك لانه كان قد خبر قتال الصليبيين وادرك عناصر القوة والضعف فيهم وكيفية مواجهتهم وكسر شوكتهم. ولكن مهما يكن من القول فان الخليفة ابي يعقوب يوسف المنصور الموحدي استطاع ان ينهض بالاعباء الملقاة على عاتقه حيث وطد الامن والامان في داخل البلاد ومكن لاركان الدولة بعد ان قضى على الثورات الداخلية وبسط نفوذ الدولة على كل الاراضي الواقعة من ليبيا شرقاً الى المحيط الاطلسي غربا وان يجمع كلمة المغرب العربي الكبير تحت لواء الوحدة الموحدية. لواء ركن حسام سويلم