هذا شاعر أندلسي (أبو إسحاق الالبيري) يلوم الذين يكثرون من الكلام ويتشدقون فيه ويزري عليهم، ويحتج بالاشارة الى بعض ما في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومواعظه للناس بما ينفعهم في دنياهم وفي أخراهم، قال (ديوانه: 93) بعد ان استغرب من المسلم او المؤمن تشدقه وصراخه وكثرة كلامه: ولو أنني أدعو الكلام أجابني كإجابة المأسور دعوة آسير لكن رأيت نبينا قد عابه من كل ثرثار وأشدق شاعر فصمت إلا عن تقى ولربما قذفت بحار قريحتي بجواهر فهو يضيع جواهر الشعر ولآليء الكلام لكي لا يقع تحت المقصود بالحديث الذي يحرج على المسلم الثرثرة، وكثرة الكلام في غير طائل. فهو يقلل كلامه ويكتفي منه بما تسير به شئون حياته مع الناس. والاشارة في شعر الالبيري الى حديث نبوي شريف. عن جابر رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ان من احبكم الي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا؟ وإن من ابغضكم الي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون» رواه الترمذي وقال حديث حسن. وأصل الفهق في اللغة: الامتلاء، فمعنى المتفيهق: الذي يتوسع في كلامه ويفهق به فمه. قال ابن الاثير: وتفسير الحديث: هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع. وتفيهق في كلامه توسع وتنطع. وهذا المقصد في الحديث النبوي كثير. قال عمرو بن دينار: تكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر (الكلام) فقال له صلى الله عليه وسلم: «كم دون لسانك من حجاب»؟ فقال: شفتاي وأسناني قال: «أفما كان لك مايرد كلامك»؟ ورأى ابو الدرداء رضي الله عنه امرأة سليطة فقال: لو كانت هذه خرساء كان خيرا لها! وفي الاحاديث والآثار كلام طويل على حفظ اللسان، والاقتصاد فيما لا ضرورة له او لا فائدة فيه من الكلام، ونصائح كثيرة في بث الكلمة الطيبة، وتقديم الموعظة الحسنة.