الحمد لله وحده لا شريك له وأصلي وأسلم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم وبعد.. سورة الكافرون من السور المكية وعدد آياتها ست آيات، وقد عدت الثامنة عشرة في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الماعون وقبل سورة الفيل. سورة الكافرون أخذت هذا العنوان الذي عالج من خلاله قضية التوحيد وجعل عنوانها ليدل على ما فيها، وهي من السور ذات معالم الألفاظ حيث انها حملت إشارات ودلالات كثيرة ربطت بين العنوان الذي هو اسم السورة مع مضمونها في مقاصد أسماء السور، لأن العنوان «الكافرون» له دلالة مع كلمة الكفر، التي يشترك فيها مجموعة من البشر كفروا بربهم وهذه الكلمة «الكافرون» تكررت عدة مرات في السورة، وهذا التكرار هو اختصار وايجاز وإعجاز، لأنه نفى عن نبيه صلى الله عليه وسلم عبادة الأصنام في الماضي والحال والمستقبل، ونفى عن الكفار عبادة الله في الأزمنة الثلاثة أيضا، ولازمتهم هذه الكلمة، وكانت وصفا لهم، ونود بها تحقيراً لهم، وتأييداً لوجه التبرؤ منهم وإيذاناً بأنه لا يخشاهم، إذ ناداهم بما يكرهون مما يثير غضبهم لأن الله قد كفى نبيه صلى الله عليه وسلم إياهم وعصمه من أذاهم، وبهذا يعلم الغرض الذي اشتملت عليه، وانه تأييدهم من ان يوافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء مما هم عليه من الكفر بالقول الفصل المؤكد في الحال والاستقبال، وان دين الإسلام لا يخالط شيئاً من دين الشرك، ولو تأملنا جيداً مقاصد هذه السورة قليلة المباني كبيرة المعاني وسبب نزولها لعرفنا أهمية مقاصد السور والحكمة منها وأهمية هذه السور المكية القصيرة. وما أريد ان أوضحه هنا ان هناك فئة من المسلمين ينظرون نظرة سطحية ومفرقين مثلاً بين السور الكبار مثل البقرة وغيرها، وبين قصار السور وهذا جهل كبير وذلك لأن قضية التوحيد والعقيدة هي أهم من قضية الأحكام، فالأحكام لا تجدي إذا كانت العقيدة والتوحيد مفرط بها، ومن هنا نجد ان السور القصيرة مكية النزول حددت التعامل مع الكفار، وفي هذه السورة بالذات حددت طريقة التعامل مع الكفار، وان الاسلام لا ازدواجية فيه، ولا شريك في منهجه، ولما تعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش عند الكعبة وسألوه ان يخصص لهم يوماً ولأتباعه يوماً جاءهم الرد من رب الكعبة تعالى، بهذه السورة العظيمة التي جعلت تكرار النفي المشترك ست مرات وذلك لتأكيد النفي في إشراك العبادة وتوكيد افراده بالعبادة، من جانب آخر لو نظرنا إلى صحة العقيدة ومدى التمسك بها من جانب رسولها صلى الله عليه وسلم وإلى جانب مشركي العقيدة من كفار قريش عندما قالوا: نعبد إلهك يوماً وتعبد آلهتنا يوماً، نجد في أقوالهم تناقض مع أنفسهم، فهم لو كان عندهم حق اليقين على ما هم عيه لما ساوموا عليه، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل مساومة في دين الله لأنه الحق المنزل من عند الله سبحانه وتعالى. وهنا لحظة تأمل ووقفة مع مثقفي اليوم الذين يأخذون طرف المفهوم ويتركون الآخر، وهذه الملاحظة هي اننا نسمع من يقول لصاحبه مالك تنصح فلان، لا تنصحه لأن الله يقول لكم دينكم ولي دين، فأقول لهؤلاء أصحاب هذا الفهم ان هذه السورة نزلت في كفار قريش وهم يساومون رسول الله صلى الله عليه وسلم على تقسيم المعبود بين الله والأصنام، فلا يجوز تحويل مقاصدها إلى المسلمين، وانه لا يجوز ان تصف مسلماً بالكفر، فليس للمسلم دين غير دين الاسلام، ولهذا على كل مسلم ان يكون على حذر في تفسير وتأويل القرآن الكريم، حتى لا يقع في المحظور المنهي عنه. وهذه السورة الكريمة هي سورة التبرئ من المشركين وإعلان المؤمن براءته من جميع أنواع الشرك والوثنية القولية والفعلية، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها وبسورة الإخلاص في ركعتي سنة الفجر وأوصى عليه الصلاة والسلام الرجل الذي جاء يطلب منه ان يعلمه سورة يقرأها عند النوم، فقال له صلى الله عليه وسلم: «إذا أخذت مضجعك من النوم فاقرأ «قل يا أيها الكافرون» فإنها براءة من الشرك. هكذا نتعلم من مقاصد أسماء السور ماهو الهدف الحقيقي من هذا القرآن العظيم وانه ينبغي علينا ان نتعاهده أناء الليل وأطراف النهار حتى نعرف أنفسنا من خلال هذا الدستور والسفر العظيم فكم نحن في حاجة أخي المسلم للوقوف والتعلم من هذه الدلالات التوجيهية للقرآن العظيم وما فساد حال المسلمين اليوم إلا نتيجة البعد والتعبد بهذه الأوامر العظيمة والتوجيهات الربانية في تحديد طريق المعاملة مع غير المسلمين، ومن جهة أخرى كيف نحافظ على استعمال فضائل القرآن الكريم ونطبقها على أنفسنا.. نسأل الله أخي المسلم ان يكرمنا بتطبيق شرع الله وفهم هذا القرآن العظيم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. د. سيف الجابري