كتاب «الامير» عبارة عن رسالة ضافية في علم وفن السياسة اذ يجمع بين جوانب التنظير والتطبيق، كتبه مؤلفه عام 1513 للميلاد ومن ثم يعد من ثمار عصر النهضة الاوروبية الرينيسانس «معناها في الفرنسية الانبعاث او الميلاد من جديد» ولكنها لم تجد طريقها الى الصدور سوى في عام 1532، وفيما تحلق نظريات الكتاب في اجواء المفكرين والفلاسفة وتواريخ القادة والعظماء الفاتحين من الاسكندر اليوناني الى يوليوس قيصر الروماني فإن وقائع التطبيق مسرح هذا العمل الفكري المهم هو ايطاليا وبالتحديد مدينة فلورنسة التي كان يحكمها آل مديتشي في تلك الايام. وقد شهدت فلورنسة تباشير هذه النهضة التي اشرقت على اوروبا بعد ظلام دام طيلة العصور الوسطى حيث يرجع الفضل الى الحضارة العربية ـ الاسلامية في حفظ التراث العريق لليونان والرومان وترجمته وشرحه والاضافة له والزيادة عليه بروح من الابتكار الفكري والاجتهاد العلمي وخاصة ايام ازدهار دولة العرب الاسلامية في الاندلس، وحين افاقت اوروبا من سبات القرون الوسطى وكان ذلك مع سنوات القرن الخامس عشر وربما قبل ذلك بقليل استعادت صلتها بحضارات اليونان والرومان وتفتحت من ثم امامها افاق النمو والابداع والازدهار واستقبلت موجة فكرية عارمة يانعة الخصوبة عرفت من ايامها باسم «الهيومانزم» بمعنى الاشتغال بالانسان ومصالحه وتطوير حياته وتسخير موارد الطبيعة لعمران الارض التي يعيش فوقها.. وحين اشتغل الناس بالانسان ابتعدوا عن عالم الخرافات والخزعبلات وبدأ تطوير العلوم الفيزيائية والهندسية التطبيقية من جهة فيما واصلت الانسانية ابداعاتها في مجالات الفن التشكيلي والشعر والبلاغة والمسرح والقص الروائي من جهة اخرى.. في غمار هذه الصحوة الاوروبية قرأ الناس كتاب «الأمير». المبدع عاش مؤلف هذا الكتاب ـ نيكولو مكيافيللي بين عامي 1469 و1527 كان ابوه مشتغلا بحرفة القانون، لا نعرف الكثير عن المدارس او الاكاديميات التي تخرج فيها ولكننا نعرف انه كان ضليعا في دراسات العلوم الكلاسيكية بمعنى اتقان اللغتين اليونانية واللاتينية وهما سبيل الاغتراف من معين علوم الاقدمين، شاء حظه الحسن ان يعيش في «العصر الذهبي» لمدينته الام ـ فلورنسة وبالتحديد في الحقبة التي خضعت فيها لحكم «لورنزو دي مديتشي» وتألق طالعه الحسن حين تولى منصب الاشراف على السياسة الخارجية للمدينة طيلة 14 سنة اوفدوه خلالها في 24 بعثة دبلوماسية حيث اجرى اتصالات وحوارات مع سائر حكام مدن ايطاليا الاخرى «لم تكن ايطاليا دولة موحدة في تلك الايام» ومع عاهل فرنسا تشارلس الثامن وهو ما اتاح لمكيافيللي الفرصة لكي يراقب عن كثب اساليب الحكم وطرائق العمل السياسي وسلوكيات الساسة والمتنفذين وفن التعامل مع رعاياهم ومعاونيهم.. وكانت تلك كلها دروسا تمهيدية ما لبثت ان وجدت ترجمات بليغة لها في سطور كتاب «الامير». ومثل انباء تلك العصور البعيدة.. دارت دائرة الخطر وتعرضت فلورنسة لفزد الجيوش الاجنبية وسقطت حكومة المديتشي واودع اعوانها غياهب السجن، ومنهم صاحبنا مكيافيللي بطبيعة الحال الذي ما لبث ان افرج عنه لكي يتلقى حكما بالنفي خارج الوطن.. وبعد عودته اختار ان يبتعد عن المناصب بكل هيلمانها واخطارها واثر ان يخلد الى عزلة فكرية هادئة في فيللته ليكتب اعمالا مهمة منها مثلا «المحاورات» ومنها كتاب بعنوان «فن الحرب» فضلا عن كتاب «الامير» وهو كتاب في فن السياسة بالدرجة الاولى.. هل نقول فن الانتهازية السياسية بامتياز؟ اصل الحكاية في كتاب «الامير» يضع المولف نيكولو مكيافيللي نصب عينيه نموذجا معروفا في تاريخ ايطاليا منذ فجر العصر الحديث.. هذا النموذج اسمه: «سيزار بورجيا» وكان كاردينالا عاش في اواخر القرن الخامس عشر «مات عام 1507» واتصف بالاقدام والحزم والقسوة والذكاء اللماح وقوة الشخصية والارادة هذا الى جانب مهارة في فن القيادة العسكرية وجسارة في فن العمل السياسي جسارة لم تكن تعرف للاسف مباديء الاخلاق ولا شمائل السلوك فقد استخدم سيزار بورجيا اساليب الغش والتدليس والخداع والاحتيال والتآمر من اجل تحقيق الانتصار على الخصوم والاعداء. لا عجب ان تكون هذه الشخصية هي التي الهمت مكيافيللي وضع كتابه «الامير» الذي اهداه في الصفحات الاولى الى «لورنزو المجيد» الذي تسمى بهذا اللقب تيمنا بجده الذي كان مجيدا بحق حين حكم فلورنسة في اواخر القرن السادس عشر ولما كان الحفيد حاكما مستضعفا عاطلا عن عوامل التمجيد فقد ادرك الناس ان اهداء الكتاب دع عنك لهجة التفخيم التي رافقت الاهداء لم تكن سوى محاولة لاصلاح ذات البين مع دار الحكم في المدينة وتأمين مكيافيللي على حياته وربما ممتلكاته بعد سنوات الاعتقال والمنفى. 26 فصلا يتألف منها كتاب «الامير» حيث الامير مصطلح يصدق على كل عاهل او حاكم وربما كان المفكر السياسي الايطالي متأثراً في ذلك بمعنى الامارة في اللغة والتراث العربي. ويبدأ الكتاب بنصح الامير ان يكثف وجوده بل يزيد تواجده في الاقطار التي فتحتها جيوشه وضمتها من ثم الى الوطن الاصلي الذي يحكمه.. «وكان ذلك من عادات حكام ذلك الزمان». وفي مجال السلوك يجيز مكيافيللي لأميره ان يمارس القسوة مع الرعايا ولكن عليه ان يكون قاسيا دفعة واحدة كي يحقق لمرة واحدة الهدف الذي يريد وبعدها يكف عن القسوة وحينئذ سوف ينسى الناس امر تلك القسوة التي عوملوا بها. من جانب آخر ينصح الامير بالا يتبع اسلوب الدفعة الواحدة في خلع العطايا وتقديم المكرمات والانعام بالمنافع على رعايه عليه ان يقدم هذا كله بالتقسيط.. بالتدرج.. كمن يتبع اسلوب القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.. فاذا ما استمرت عطايا الامير، ولو بالتقسيط المريح، كما قد نقول، استمر الرعايا في توجيه الشكر وآيات المديح وبدا الامير في عيونهم نموذجا للكرم وآية في العطاء والسخاء. واذا ما عمد قوم من علية الناس الى اعانة فرد كي يكون اميرا عليهم.. يصبح من واجبه ان يتوخى الحذر في التعامل معهم.. ويجعلهم معتمدين عليه في معظم ما يتعاطونه من امور.. وعليه ان يحمل الجميع.. الرعايا والنبلاء اهل الارستقراطية على الاعتقاد انهم بحاجة اليه من اجل حمايتهم واستمرار مصالحهم. بعدها ينتقل الكتاب «الفصل 12 ـ 14» الى التأكيد على حقيقة جوهرية يقول فيها مكيافيللي ان اراد الامير ان يظل قويا عليه ان يحتفظ دوما بجيش قوي وعليه ان يتدارس امر الحرب وفنونها واستعداداتها حتى في وقت السلام.. وان يجعل مواطنيه قوام جيشه فلا يستخدم المرتزقة اذ لا ولاء لهم ولا امان. ولان الغاية تبرر الوسيلة في نظر مكيافيللي يجوز للامير ان يستخدم رسائل التآمر والنصائح والتشهير لكي يوقع باعدائه، لكنه يفضل «وهذا يحسب لمكيافيللي في نظرنا» ان ينأى الامير بنفسه وسمعته عن الانغماس في الفضائح او التدني فيما ينجم عن الضعف البشري.. «ويبدو ان صاحب كتاب الامير لا يسدي هذه النصيحة لوجه الاخلاق الحميدة ولكن لوجه السياسة.. وبالتحديد لكي لا تتسبب الفضائح في ان يفقد الامير مقامه الرفيع في الدولة التي يقوم على امرها». واذا كان من المفضل «الفصول 20 ـ 23» ان يشعر الناس ازاء الامير بالمزيج المعروف بين الحب والخوف.. إلا ان من لحظات الحسم ما يحتم الاختيار.. وهنا يفضل مكيافيللي عنصر الخوف ـ الرهبة على عنصر المحبة والتعاطف.. فالناس عنده معدومو الثقة اساسا ومن المرجح ان يعطوا ولاءهم لمن يخشون بطشه قبل ان يعطوه لمن يضمرون محبته ومع هذا كله يتوجب على الامير العاقل الرشيد ان يظهر دوما امام الناس لا في صوت الباطش القاسي بل في صورة الكريم.. الرحيم والمتقي الورع ايضا!! الافكار.. الرموز.. الدلالات هكذا دعا مكيافيللي الى الفصل بين الدولة وبين الاخلاق.. وانطلقت دعوته لا من تحلل الامير ـ الحاكم من نواميس الاخلاق وقواعد السلوك ولكن من مقولة ان الحفاظ على كيان الدولة وصون امنها ورعاية مصالحها قد يقتضي ان يرفع الامير نفسه فوق تلك القواعد او القواميس مع انه يحسب لصاحب كتاب الامير دعوته الى ان يفهم الحاكم حق الفهم طبائع البشر ولا يتصرف بشكل رومانسي او خيالي او غير واقعي. وربما يتمثل عذر مكيافيللي في انه كان مفكراً ينتمي الى المدرسة الفلسفية التي تقول بأن الانسان بطبيعته شرير.. يستسلم لغرائزه ويضعف امام جشعه واطماع مصالحه. وهكذا كان يفكر فيلسوف سياسي انجليزي هو توماس هوبز صاحب كتاب «التنين او المارد الجبار» حيث عاش في الفترة من 1588 ـ 1679 وقد نلتمس العذر ايضا لصاحبنا مكيافيللي على اساس الفترة المضطربة التي كان يعيش فيها اذ كانت بلاده ممزقة الاشلاء.. مشتتة الاجزاء تفتقر الى وحدة الارض والسياسة والنظام وقد ظلت هكذا عدة قرون الى ان حققت وحدتها كما هو معروف في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويحمد له في هذا الباب ان تنبه في الفترة الباكرة التي عاشها الى اهمية توحيد ايطاليا وكان يحلم بالامير المثالي في آخر فصول الكتاب وهو في نظره الزعيم او الحاكم القادر على ان يلم اشتات الكيانات والمدن الايطالية المتعددة ليضمها في دولة قوية واحدة تحمي حياض ايطاليا من الاعداء الذين طالما شهدهم مكيافيللي وهم يستضعفون هذه المملكة او تلك المدينة ـ الدولة ومن ثم لا يتورعون عن مهاجمتها او الاغارة عليها. ويحسب لمكيافيللي ايضا انه يدعو اميره الحاكم الى ان يعي دوما دروس التاريخ بكل ما تحفل به من نماذج وعبر وكان يعبر عن ذلك بقوله ان الامير الناجح هو الذي يشغل نفسه بدراسة اساليب الحكم وسلوكيات الحكام في الماضي ومن ثم كان يسوق الامثلة في كتاب «الامير» من سيرة حياة واعمال ومنجزات واخطاء زعامات شهيرة في التاريخ ما بين اخيل البطل اليوناني في حرب طروادة «بطل ملحمة الالياذة للشاعر هوميروس» الى الاسكندر الذي بدأ حاكما لمقدونيا ثم استطارت شهرته فاتحا للاقطار والامصار الى يوليوس قيصر الذي بلغت الامبراطورية الرومانية في عهده شأنا بعيدا من حيث المنعة والاتساع والازدهار. في ذاكرة الانسانية كتاب «الامير» هو في التحليل الاخير «دليل عمل» لفن الحكم والسياسة واذا ما تجاوزنا عن الاساليب التي نرفضها من منطقنا الاسلامي والعربي فيما يجيز نيكولو مكيافيللي استخدامها على اساس ان الهدف يبرر واسطة تحقيقه، فإن لنا ان نعد الكتاب عملا صادرا عن وجدان انسان وطني رأى ان بلاده ـ ايطاليا ـ قد هانت على عصرها اذ كانت تعاني التجزئة وان قوتها ستكون في وحدتها وان هذه الوحدة ليست غاية في حد ذاتها بقدر ما انها الوسيلة الامثل لتمكين ايطاليا وهي مهد الحضارة الرومانية ـ اللاتينية البازخة من ان تتبوأ مكانتها في محيطها الاوروبي اذ كان يتحول من عصر النهضة الى الزمن الحديث. ... وغداً نواصل