كيف يهدأ باله وهو لا يملك من رأس مال في حياته إلا عرضه؟ اقتربنا من الرجل فقلت له: هوّن عليك يا صاحبي. قال بحرقة: انه الزمن المرّ، فالواقع الذي نعيشه واقع متناقض بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فئة تعيش في بحبوحة ورغد، وثانية تعيش على الهامش، يمزقها الفقر ويطاردها العوز والفاقة. ثم التفت لنا ونظر في وجهينا وقال: ـ يبدو انكما غريبان. ـ قلت: نعم يا أخا العرب. ـ إذن ولو سمعتما ما أنشده اسحق بن خلف فماذا كنتما ستقولان! ـ نرجو المعذرة.. من هو هذا الذي أشرت علينا باسمه؟ ـ اسحق بن خلف، هو واحد من أصدق الشعراء الفتيان وأعذبهم قولاً وفعلا، ورغم فتوته ومعاشرته للشطار والعيارين ودعوته إلى الفتوة العارمة، السادرة، الشاطرة، إلا انه يملك قلباً ينطوي على أنبل العواطف الانسانية، ومن أشهر ما قاله في ابنة أخت له كان قد تبناها وربّاها: لولا أميمةُ لم أجْزَعْ من العَدَمِ ولم أجُبْ في الليالي حِندِسَ الظلَمِ وزادني رَغْبَةً في العيشِ معرفتي ذُل اليتيمةِ يجفُوهَا ذَوُو الرحِمِ تهوى بقايَ وأهوى مَوْتَها شفَقاً والموتُ أكرمُ نَزال على الحُرمِ أحاذِرُ الفقْرَ يوماً أن يُلم بها فيهتكَ الستْرَ عن لحمٍ على وَضَمِ إذا تذكرتُ بنتي حين تندُبُني فاضت لرحمةِ بنتي عبرتي بِدَمِ ـ انه موقف انسانيٌ مؤثر، يتعلق بها ويغرم بحبها إلا أنه في الوقت نفسه يتمنى موتها.. أليس ذلك أمراً غريباً؟! ـ قال صاحبنا: هكذا كان حال الرجل، يعاني الفقر، ويجوب الليالي، في الظلام الدامس المدلهم، يبحث عن العيش الكريم لابنته، وبينما هي تتمنى أن يعيش الدّهر، يتمنى هو بالمقابل ان تموت قبله، ليس كرها لها، وانما شفقة عليها، ورأفة بحالها من الفقر الذي قد يضطرها إلى السؤال الذي يعرضها للذلّ. ـ لا نريد ان نثقل عليك يا أخا العرب، نستودعك الله، وندعو ان يزيح عنك الغُمة وعن كافة المسلمين. ـــ عدنا من الرحلة المثيرة التي قطعنا من خلالها أزمنة وتواريخ وأحداثاً، وشاهدنا وجوهاً لم يعرها المؤرخون اهتماماً، ولم يتطرقوا لها أبداً. كانت الرحلة بمثابة درس عملي مهم اطلعنا خلالها عن كثب على تفاصيل ربما لن نجدها في كتب التاريخ واخبار الناس والممالك، بالاضافة الى كونها تجربة حياتية فريدة لشخص مثل هانز ترك عالمه ليكتشف عوالم أخرى عبر رحلة زمنية مثيرة. ـ قلت لهانز: كيف ترى أولئك اللصوص والصعاليك الآن؟ ـ رائعون. ـ ما رأيك لو أخذنا اتجاها آخر في مسيرتنا نحو أولئك الصعاليك؟ ـ كيف؟ ـ هل سمعت عن شخصية تراثية تدعى جحا؟ ـ نعم، سمعت عنه كثيراً. ـ ماذا لو تناولنا تلك الشخصية وتعرفنا عليها. ـ لكن الذي عرفته أن جحا ليس صعلوكاً أو لصاً مخرّباً ـ أوافقك الرأي، ولهذا طلبت منك أن نتجه اتجاهاً مغايراً فيما أريد الوصول إليه. ـ ليس امامي إلا أن أقول لك كما يقول مقدم برنامج من سيربح المليون.. أمامك ثلاثة وسائل مساعدة، تأخذ رأي الجمهور أو تحذف إجابتين أو تتصل بصديق، وأرى أيها العزيز أن نتصل بصديق يعرف جحا أكثر منا. .. وغداً نكمل